قوله تعالى : { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال كأنه قال : مالكم لا تؤمنون بالله ، والحال هذه وهي حال موجبة للإيمان به { وقد خلقكم أطوارا } أي تارات خلقكم أولا ترابا ، ثم خلقكم نطفا ، ثم خلقكم علقا ، ثم خلقكم مضغا ، ثم خلقكم عظاما ولحما ، ثم أنشأكم خلقا آخر ، وعندي فيه ( وجه ثالث ) وهو أن القوم كانوا يبالغون في الاستخفاف بنوح عليه السلام فأمرهم الله تعالى بتوقيره وترك الاستخفاف به ، فكأنه قال لهم : إنكم إذا وقرتم نوحا وتركتم الاستخفاف به كان ذلك لأجل الله ، فما لكم لا ترجون وقارا وتأتون به لأجل الله ولأجل أمره وطاعته ، فإن كل ما يأتي به الإنسان لأجل الله ، فإنه لا بد وأن يرجوا منه خيرا ( ووجه رابع ) وهو أن الوقار وهو الثبات من وقر إذا ثبت واستقر ، فكأنه قال : { مالكم } وعند هذا تم الكلام ، ثم قال على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار { لا ترجون لله وقارا } أي لا ترجون لله ثباتا وبقاء ، فإنكم لو رجوتم ثباته وبقاءه لخفتموه ، ولما أقدمتم على الاستخفاف برسله وأوامره ، والمراد من قوله : { ترجون } أي تعتقدون لأن الراجي للشيء معتقد له .
واعلم أنه لما أمر في هذه الآية بتعظيم الله استدل على التوحيد بوجوه من الدلائل :
الأول : قوله : { وقد خلقكم أطوارا } وفيه وجهان : ( الأول ) قال الليث : الطورة التارة يعني حالا بعد حال كما ذكرنا أنه كان نطفة ، ثم علقة إلى آخر التارات ( الثاني ) قال ابن الأنباري : الطور الحال ، والمعنى خلقكم أصنافا مختلفين لا يشبه بعضكم بعضا ، ولما ذكر هذا الدليل من الأنفس على التوحيد ، أتبعه بذكر دليل التوحيد من الآفاق على العادة المعهودة في كل القرآن .
خلقكم أطوارا : مدرجا لكم في حالات مختلفة .
وقد خلقكم في أطوار مختلفة ، ومراحل متعددة تدل على كمال قدرته .
فقد خلقنا الله من النطفة ، ثم جعل النطفة ( وهي الحيوان المنوي الذي يتم به إخصاب بويضة الأنثى ) تتحول إلى علقة ( أي قطعة دم تعلق بجدار الرحم وتمسك به لتكون في قرار مكين ) ، ثم مضغة ( أي قطعة لحم قدر ما يمضع الإنسان في فمه ) ، ثم تتحول المضغة إلى هيكل عظمى أولا ، ثم تكسي العظام لحما ثانيا ، ثم ينفخ الله فيه الروح فيصبح خلقا آخر وإنسانا سويا .
قال تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلسلة من طين* ثم جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النّطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين* ثم إنكم بعد ذلك لميّتون* ثم إنكم يوم القيامة تبعثون . ( المؤمنون : 12-16 ) .
ونلحظ أن الإنسان في حياته يبدأ طفلا ، ثم يافعا ، ثم فتى ، ثم شابا ، ثم رجلا ، ثم كهلا ، ثم شيخا ، فهي أطوار متعددة .
قال تعالى : الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير . ( الروم : 54 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.