مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا} (31)

ثم ختم السورة فقال : { يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما } اعلم أن خاتمة هذه السورة عجيبة ، وذلك لأن قوله : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } يدل على أن جميع ما يصدر عن العبد فبمشيئة الله ، وقوله : { يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما } يدل على أن دخول الجنة والنار ليس إلا بمشيئة الله ، فخرج من آخر هذه السورة إلا الله وما هو من الله ، وذلك هو التوحيد المطلق الذي هو آخر سير الصديقين ومنتهى معارجهم في أفلاك المعارف الإلهية ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { يدخل من يشاء في رحمته } إن فسرنا الرحمة الإيمان ، فالآية صريحة في أن الإيمان من الله ، وإن فسرناها بالجنة كان دخول الجنة بسبب مشيئة الله وفضله وإحسانه لا بسبب الاستحقاق ، وذلك لأنه لو ثبت الاستحقاق لكان تركه يفضي إلى الجهل والحاجة المحالين على الله ، والمفضي إلى المحال محال فتركه محال فوجوده واجب عقلا وعدمه ممتنع عقلا ، وما كان كذلك لا يكون معلقا على المشيئة البتة ، وأيضا فلأن من كان مديونا من إنسان فأدى ذلك الدين إلى مستحقه لا يقال : بأنه إنما دفع ذلك القدر إليه على سبيل الرحمة والتفضل .

المسألة الثانية : قوله : { والظالمين أعد لهم عذابا أليما } يدل على أنه جف القلم بما هو كائن ، لأن معنى أعد أنه علم ذلك وقضى به ، وأخبر عنه وكتبه في اللوح المحفوظ ، ومعلوم أن التغيير على هذه الأشياء محال ، فكان الأمر على ما بيناه وقلناه .

المسألة الثالثة : قال الزجاج : نصب الظالمين لأن قبله منصوبا ، والمعنى يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين وقوله : { أعد لهم عذابا أليما } كالتفسير لذلك المضمر ، وقرأ عبد الله بن الزبير : والظالمون ، وهذا ليس باختيار لأنه معطوف على يدخل من يشاء وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية غير حسن ، وأما قوله في حم عسق : { يدخل من يشاء في رحمته والظالمون } فإنما ارتفع لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه فينصبه في المعنى ، فلم يجز أن يعطف على المنصوب قبله ، فارتفع بالابتداء ، وهاهنا قوله : { أعد لهم عذابا أليما } يدل على ذلك الناصب المضمر ، فظهر الفرق والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا} (31)

23

13- يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدّ لهم عذابا أليما .

فهو سبحانه حكيم منزه عن الظلم ، فمن رأى في قلبه الرغبة في الهدى والإيمان ، والطمع في المغفرة ، والرجاء في الرحمة ، يسّر له ذلك وأعانه عليه ، ومن ظلم نفسه بالمعاصي ، وأعرض عن طاعة الله سلب عنه الهدى ، وأعدّ له عذابا أليما في الآخرة .

وفي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم : ( هؤلاء أسماء أصحاب الجنة ، بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم ، لا يزيدون ولا ينقصون ، وهؤلاء أسماء أصحاب النار ، بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم ، لا يزيدون ولا ينقصون ) . قال الصحابة : أفلا نتكل على ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( لا ، اعلموا فكل ميسر لما خلق له . إن الله عز وجل يقول : فأما من أعطى واتقى* وصدّق بالحسنى* فسنيسره لليسرى* وأما من بخل واستغنى* وكذّب بالحسنى* فسنيسره للعسرىviii . ( الليل : 5-10 ) .

قال ابن كثير :

إن الله كان عليما حكيما .

أي : عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ، ويقيّض له أسبابها ، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى ، وله الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة ، ولهذا قال : إن الله كان عليما حكيما .

ثم قال : يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما .

أي : يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء ، فمن يهده فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي لهix .

i تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 29/109 .

ii تفسير المراغي ، للأستاذ أحمد مصطفى المراغي 29/164 ، وانظر تفسير النسفي 4/238 .

iii تفسير المراغي 29/166

iv تفسير النسفي 4/238 .

v تفسير الطبري 29/137 .

vi مختصر تفسير ابن كثير ، تحقيق محمد علي الصابوني ، المجلد الثالث ص584 .

vii إنما الأعمال بالنيات :

رواه البخاري ( 1 ، 6689 ، 6953 ) ومسلم في كتاب الإمارة ( 3530 ) ، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد ( 1571 ) والنسائي في كتاب الطهارة ( 74 ) وفي الطلاق ( 3383 ) وفي الأيمان والنذور ( 3734 ) ، وأبو داود في كتاب الطلاق ( 1882 ) ، وابن ماجة في كتاب الزهد ( 4217 ) وأحمد في مسنده ( 163 ، 283 ) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) .

viii اعملوا فكل ميسر لما خلق له :

تقدم تخريجه ، انظر هامش ( 64 ) .

ix مختصر تفسير ابن كثير ، تحقيق محمد علي الصابوني ، المجلد الثالث ص585 .