{ وما تشاءون إلا أن يشاء الله } يقتضي أن مشيئة الله تعالى مستلزمة لمشيئة العبد ومستلزم المستلزم مستلزم ، فإذا مشيئة الله مستلزمة لفعل العبد ، وذلك هو الجبر ، وهكذا الاستدلال على الجبر بقوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } لأن هذه الآية أيضا تقتضي كون المشيئة مستلزمة للفعل ثم التقرير ما تقدم .
واعلم أن الاستدلال على هذا الوجه الذي لخصناه لا يتوجه عليه كلام القاضي إلا أنا نذكره وننبه على ما فيه من الضعف ، قال القاضي : المذكور في هذه الآية اتخاذ السبيل إلى الله ، ونحن نسلم أن الله قد شاءه لأنه تعالى قد أمر به ، فلا بد وأن يكون قد شاءه . وهذا لا يقتضي أن يقال العبد : لا يشاء إلا ما قد شاءه الله على الإطلاق ، إذ المراد بذلك الأمر المخصوص الذي قد ثبت أنه تعالى قد أراده وشاءه .
واعلم أن هذا الكلام الذي ذكره القاضي لا تعلق له بالاستدلال على الوجه الذي ذكرناه ، وأيضا فحاصل ما ذكره القاضي تخصيص هذا العام بالصورة التي مر ذكرها فيما قبل هذه الآية ، وذلك ضعيف ، لأن خصوص ما قبل الآية لا يقتضي تخصيص هذا العام به . لاحتمال أن يكون الحكم في هذه الآية واردا بحيث يعم تلك الصورة وسائر الصور ، بقي في الآية سؤال يتعلق بالإعراب ، وهو أن يقال : ما محل { أن يشاء الله } ؟ وجوابه النصب على الظرف ، وأصله إلا وقت مشيئة الله ، وكذلك قراءة ابن مسعود : «إلا ما شاء الله » لأن ما مع الفعل كأن معه ، وقرئ أيضا يشاءون بالياء .
ثم قال تعالى : { إن الله كان عليما حكيما } أي عليما بأحوالهم وما يكون منهم حيث خلقهم مع علمه بهم .
12- وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما .
لا يستطيع أحد أن يهدي نفسه ، ولا يدخل في للإيمان ، ولا يجرّ لنفسه نفعا ، أو يدفع عنها ضررا ، إلا بتوفيق الله ومشيئته .
وهذه الآيات في القرآن الكريم تفهم من خلال ما ورد من آيات كثيرة حول ذلك الموضوع : ذلك أن الله تعالى خلق الإنسان ، وأعطاه العقل والإرادة والاختيار ، وهداه النجدين ، وبيّن له الطريقين ، طريق الهدى وطريق الضلال ، وأرسل له الرسل ، وأنزل له الكتب ، فإذا تدبّر الإنسان وتأمل ، وسار خطوات في استخدام العقل والرأي ، والتدبر والتأمل ، منحه الله الرضا والتوفيق ، ويسّر له الهدى ، والرشاد ، وإذا أحجم الإنسان عن استخدام عقله ، وصمّم على السير في طريق الغواية والسير وراء شهوته ونزواته ، وأطاع الشيطان ، وأعرض عن ذكر الرحمان ، سلب الله عنه الهدى والتوفيق .
للعبد إرادة واختيار ، ولله تعالى إرادة عليا وحكمة وتدبير ، والجمع بين إرادة العبد وإرادة الله تعالى تحتاج إلى شيء من الانحناء والتسليم .
وقال المراغي في تفسيره ما يأتي :
وما تشاءون إلا أن يشاء الله . . .
أي : وما تشاءون اتخاذ السبيل الموصلة إلى النجاة ، ولا تقدرون على تحصيلها إلا إذا وفّقكم الله لاكتسابها ، وأعدّكم لنيلها ، إذ لا دخل لمشيئة العبد إلا في الكسب ، أما التأثير والخلق فلمشيئة الله عز وجل ، فمشيئة العبد وحدها لا تأتي بخير ولا تدفع شرا ، وإن كان يثاب على المشيئة الصالحة ، ويؤجر على قصد الخير ، كما في الحديث : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى )vii .
أي : إن الله عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ، ويقيض له أسبابها ، ومن هو أهل للغواية ، فيصرفه عن الهدى ، وله الحكمة البالغة والحجة الدامعة . اه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.