قوله تعالى : { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيي عن بينة وإن الله لسميع عليم }
المسألة الأولى : في قوله : { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } قولان : أحدهما : أنه متعلق بمضمر معناه واذكروا إذ أنتم كذا وكذا ، كما قال تعالى : { واذكروا إذ أنتم قليل } والثاني : أن يكون قوله : { إذ } بدلا عن يوم الفرقان .
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { بالعدوة } بكسر العين في الحرفين ، والباقون بالضم ، وهما لغتان . قال ابن السكيت : عدوة الوادي وعدوته جانبه ، والجمع عدى ، وعدي . قال الأخفش : الكسر كلام العرب لم يسمع عنهم غير ذلك . وقال أحمد بن يحيى : الضم في العدوة أكثر اللغتين . وحكى صاحب «الكشاف » : الضم والفتح والكسر . قال : وقرئ بهن و{ بالعدية } على قلب الواو ياء ، لأن بينها وبين الكسر حاجزا غير حصين ، كما في الفتية . وأما { الدنيا } فتأنيث الأدنى وضده { القصوى } وهو تأنيث الأقصى ، وكل شيء تنحى عن شيء ، فقد قصا ، والأقصى والقصوى كالأكبر والكبرى .
فإن قيل : كلتاهما فعلى من باب الواو ، فلم جاءت إحداهما بالياء والثانية بالواو ؟
قلنا : القياس قلب الواو ياء ، كالعليا . وأما القصوى ، فقد جاء شاذا ، وأكثر استعماله على أصله .
المسألة الثالثة : المراد بالعدوة الدنيا ، ما يلي جانب المدينة ، وبالقصوى ، ما يلي جانب مكة وكان الماء في العدوة التي نزل بها المشركون ، وكان استظهارهم من هذا الوجه أشد { والركب } العير التي خرجوا لها كانت في موضع { أسفل منكم } إلى ساحل البحر { ولو تواعدتم } أنتم وأهل مكة على القتال ، لخالف بعضكم بعضا لقلتكم وكثرتهم { ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا } أي أنه يثبتكم الله ، وينصركم ، ليقضي أمرا كان مفعولا ، واجبا أن يخرج إلى الفعل وقوله : { ليهلك من هلك } بدل من قوله : { ليقضي } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لا شك أن عسكر الرسول عليه السلام في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف بسبب القلة وعدم الأهبة ، ونزلوا بعيدين عن الماء ، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضا رملية تغوص فيها أرجلهم . وأما الكفار ، فكانوا في غاية القوة بسبب الكثرة في العدد ، وبسبب حصول الآلات والأدوات ، لأنهم كانوا قريبين من الماء ، ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة للمشي ، ولأن العير كانوا خلف ظهورهم ، وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة ، ثم إنه تعالى قلب القصة وعكس القضية ، وجعل الغلبة للمسلمين ، والدمار على الكافرين فصار ذلك من أعظم المعجزات وأقوى البينات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر . فقوله : { ليهلك من هلك عن بينة } إشارة إلى هذا المعنى ، وهو أن الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة ، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة ، والمراد من البينة هذه المعجزة .
المسألة الثانية : اللام في قوله : { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } وفي قوله : { ليهلك من هلك عن بينة } لام الغرض ، وظاهره يقتضي تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض والمصالح ، إلا أنا نصرف هذا الكلام عن ظاهره بالدلائل العقلية المشهورة .
المسألة الثالثة : قوله : { ليهلك من هلك عن بينة } ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من الكل العلم والمعرفة والخير والصلاح ، وذلك يقدح في قول أصحابنا : أنه تعالى أراد الكفر من الكافر ، لكنا نترك هذا الظاهر بالدلائل المعلومة .
المسألة الرابعة : قوله : { ويحيى من حي عن بينة } قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم والبزي عن ابن كثير ونصير عن الكسائي { من حي } بإظهار الياءين وأبو عمرو ، وابن كثير برواية القواس ، وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي بياء مشددة على الإدغام . فأما الإدغام فللزوم الحركة في الثاني ، فجرى مجرى رد لأنه في المصحف مكتوب بياء واحدة . وأما الإظهار فلامتناع الإدغام في مضارعه من «يحيى » فجرى على مشاكلته ، وأجاز بعض الكوفيين الإدغام في { ولا يحيى } .
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { وإن الله لسميع عليم } أي يسمع دعاءكم ويعلم حاجتكم وضعفكم ، فأصلح مهمكم .
الدنيا : أي : القريبة من المدينة .
الركب : العير وراكبوها وهم أبو سفيان ومن معه .
42 – { إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ . . . . }
إذ . بدل من { يوم الفرقان } . في الآية السابقة أي : اذكروا أيها المؤمنون ذلك اللقاء الحاسم بينكم وبين المشركين ، واشكروه على نصره إياكم فيه ، حيثما كنتم في مواجهة رهيبة مع الأعداء .
إذ كنتم في جانب الوادي القريبة من المدينة ، وهي أرض رملية تسوخ فيها الأقدام ، والمشركون نازلون في جانب الوادي الأخرى البعيدة من المدينة إلى ناحية مكة وهي قريبة من الماء .
وركب أبي سفيان وأصحابه أسفل منكم ، حيث كانوا ناحية الساحل ، ومعهم عيرهم على بعد ثلاثة أميال من بدر . وكان أبو سفيان في أربعين من قريش ، وهم مع أهل مكة يدافعون دفاع المستميت ، وجميع هذه العوامل لم تكن في صالح المسلمين ؛ فمكانهم كان ترابيا رخوا ، ومكان المشركين صلبا قويا وليس مع المؤمنين ماء ، وكان مع المشركين ماء ، والركب مع أبي سفيان ظهير ومدد للمشركين عند الحاجة ، والمشركون متحمسون للدفاع عن التجارة ، التي نجا بها أبو سفيان ، وسار بها على ساحل البحر في طريق منخفض عن بدر .
وتحديد مكان المعركة على هذا النحو ؛ فيه بيان لمنة الله تعالى على المؤمنين ؛ حيث أمدهم بالنصر ، وهم أقرب إلى الضعف ، في عددهم وعدتهم وموقعهم في مقابل قوة عدوهم ، وقدرتهم وتوفر أسباب النصر المادية لهم .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
فإن قلت : ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين ، وأن العير كان أسفل منهم ؟
قلت : الفائدة فيه الإخبار عن الحال ، الدالة على قوة شأن العدو وشوكته ، وتكامل عدته ، وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسلمين ، وأن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعا من الله سبحانه ، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرتهxxviii .
{ ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا } .
أي : ولو تواعدتم أنتم والمشركون في مكان للقتال ؛ لاختلفتم في الميعاد ، ولم ترغبوا في لقاء المشركين ؛ هيبة منهم ، ويأسا من الظفر عليهم ، من جهة . ولأن المشركين كانوا يهابون قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كذبوا به عنادا ، واستكبروا عن الدخول في الإسلام عن جحود وكراهية لا عن يقين واقتناع .
قال تعالى : { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبون ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . ( الأنعام : 33 ) .
ولكن الحق سبحانه دبر هذا اللقاء ، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين ، مبهمة غير مبنية( أي : العير أو النفير ) فإما أن ينجحوا في الاستيلاء على تجارة قريش ، وإما أن ينجحوا في الانتصار على قريش .
فتحركت همة المسلمين ؛ حتى خرجوا ليأخذوا العير والتجارة وتحركت همة المشركين ؛ دفاعا عن تجارتهم ، ورغبة في التظاهر والسمعة ، وتم اللقاء عند بدر ؛ ليحق الله الحق ، ويقضي أمرا كان مفعولا ؛ من إعزاز دينه ، وإعلاء كلمته ، وقطع دابر المشركين وهزيمتهم ، كما قال سبحانه : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } . ( القمر : 45 ) .
{ ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم } .
أي : فعل الله لقاءكم في غير ميعاد ؛ لتظهر المعجزة ؛ في انتصار القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة ، فيموت من يموت من الكفار عن حجة بينة عاينها بالنصر ؛ تثبت حقيقة الإسلام ، ويعيش من يعيش من المؤمنين عن حجة شاهدها بإعزاز الله دينه ؛ فيزداد يقينا بالإيمان ، ونشاطا في الأعمال .
لا يخفى عليه شيء من أقوال الكافرين والمؤمنين ، ولا من عقائدهم وأفعالهم .
فهو يسمع ما يقول كل فريق منهم ، ويعلم ما يظهر وما يبطنه ، ويجازي كلا بحسب ما يسمع ويعلم .
والخلاصة : إن غزوة بدر ، قامت بها الحجة البالغة للمؤمنين بنصرهم ، كما بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وقامت بها الحجة البالغة على المشركين بخذلانهم وانكسارهم ، كما أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.