قوله تعالى : { إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور }
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التي أنعم الله بها على أهل بدر ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : { إذ يريكهم الله } منصوب بإضمار اذكر ، أو هو بدل ثان من يوم الفرقان أو متعلق بقوله : { لسميع عليم } أي يعلم المصالح إذ يقللهم في أعينكم .
المسألة الثانية : قال مجاهد : أرى الله النبي عليه السلام كفار قريش في منامه قليلا فأخبر بذلك أصحابه . فقالوا : رؤيا النبي حق ، القوم قليل ، فصار ذلك سببا لجراءتهم وقوة قلوبهم .
فإن قيل : رؤية الكثير قليلا غلط ، فكيف يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك ؟
قلنا : مذهبنا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضا لعله تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون . وعن الحسن : هذه الإراءة كانت في اليقظة . قال : والمراد من المنام العين التي هو موضع النوم .
ثم قال تعالى : { ولو أراكهم كثيرا } لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا ولتنازعوا ، ومعنى التنازع في الأمر ، الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه ، والمعنى : لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم { ولكن الله سلم } أي سلمكم من المخالفة فيما بينكم . وقيل : سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم ، وقيل سلمهم من الهزيمة يوم بدر والأظهر أن المراد ، ولكن الله سلمكم من التنازع { إنه عليم بذات الصدور } يعلم ما يحصل فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع .
لفشلتم : لجبنتم وتهيبتم لقاء العدو ؛ من الفشل وهو ضعف مع جبن .
بذات الصدور : أي : بما تطوي عليه القلوب .
43 – { إذ يركيهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور } .
تذكر الآية الرسول الأمين ، والمؤمنين بفضل الله تعالى عليهم ومنته العظيمة ؛ حيث يسر لهم أسباب النصر على عدو أكثر عددا وعدة ومددا .
ومن هذه النعم : إلقاء الشجاعة والقوة في قلوب المؤمنين ، وإلقاء الاسترخاء والتهاون في قلوب الكافرين ؛ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أن عدد الكفار قليل ، فأخبر بذلك أصحابه ؛ فكان تثبيتا لهم ، وتشجيعا لهم على قتال عدوهم .
قال الشوكاني في تفسير فتح القدير :
والمعنى : أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم في منامه قليلا ؛ فقص ذلك على أصحابه ، فكان ذلك سببا لثباتهم ، ولو رآهم في منامه كثيرا ؛ لفشلوا وجبنوا عن قتالهم وتنازعوا في الأمر هل يلاقونهم أم لا ؟
{ ولكن الله سلم } وعصمهم من الفشل ، فقللهم في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم . ا ه .
أي : يعلم ما سيكون فيها ، من الجرأة والجبن والصبر والجزع ؛ ولذلك دبر ما دبرxxix .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.