مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ} (110)

وأما قوله : { فماذا تأمرون } فقد ذكر الزجاج فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن كلام الملأ من قوم فرعون تم عند قوله : { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } ثم عند هذا الكلام قال فرعون مجيبا لهم : { فماذا تأمرون } واحتجوا على صحة هذا القول بوجهين : أحدهما : أن قوله : { فماذا تأمرون } خطاب للجمع لا للواحد ، فيجب أن يكون هذا كلام فرعون للقوم . أما لو جعلناه كلام القوم مع فرعون لكانوا قد خاطبوه بخطاب الواحد لا بخطاب الجمع . وأجيب عنه : بأنه يجوز أن يكونوا خاطبوه بخطاب الجمع تفخيما لشأنه ، لأن العظيم إنما يكنى عنه بكناية الجمع كما في قوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر } { إنا أرسلنا نوحا } { إنا أنزلناه في ليلة القدر } .

والحجة الثانية : أنه تعالى لما ذكر قوله : { فماذا تأمرون } قال بعده : { قالوا أرجه } ولا شك أن هذا كلام القوم ، وجعله جوابا عن قولهم : { فماذا تأمرون } فوجب أن يكون القائل لقوله : { فماذا تأمرون } غير الذي قالوا أرجه ، وذلك يدل على أن قوله : { فماذا تأمرون } كلام لغير الملأ من قوم فرعون . وأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن القوم قالوا : { إن هذا لساحر عليم } ثم قالوا لفرعون ولأكابر خدمه { فماذا تأمرون } ثم أتبعوه بقولهم : { أرجه وأخاه } فإن الخدم والأتباع يفوضون الأمر والنهي إلى المخدوم والمتبوع أولا ، ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم من المصلحة .

والقول الثاني : أن قوله : { فماذا تأمرون } من بقية كلام القوم ، واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أنه منسوق على كلام القوم من غير فاصل ، فوجب أن يكون ذلك من بقية كلامهم . والثاني : أن الرتبة معتبرة في الأمر ، فوجب أن يكون قوله : { فماذا تأمرون } خطابا من الأدنى مع الأعلى ، وذلك يوجب أن يكون هذا من بقية كلام فرعون معه .

وأجيب عن هذا الثاني : بأن الرئيس المخدوم قد يقول للجمع الحاضر عنده من رهطه ورعيته ماذا تأمرون ؟ ويكون غرضه منه تطييب قلوبهم وإدخال السرور في صدورهم وأن يظهر من نفسه كونه معظما لهم ومعتقدا فيهم ، ثم إن القائلين بأن هذا من بقية كلام قوم فرعون ذكروا وجهين : أحدهما : أن المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وحده ، فإنه يقال للرئيس المطاع ما ترون في هذه الواقعة ؛ أي ما ترى أنت وحدك ، والمقصود أنك وحدك قائم مقام الجماعة . والغرض منه التنبيه على كماله ورفعة شأنه وحاله . والثاني : أن يكون المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وأكابر دولته وعظماء حضرته ، لأنهم هم المستقلون بالأمر والنهي ، والله أعلم .