روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ} (29)

{ وياقوم } ناداهم بذلك تلطفاً بهم واستدراجاً لهم { لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي التبليغ المفهوم مما تقدم ، وقيل : الضمير للإنذار ، وأفرد الله سبحانه بالعبادة ، وقيل : للدعاء إلى التوحيد ، وقيل : غير ذلك ، وكلها أقوال متقاربة أي لا أطلب منكم على ذلك { مَالاً } تؤدونه إلى بعد إيمانكم ، وأجراً لي في مقابلة اهتدائكم { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } فهو سبحانه يثيبني على ذلك في الآخرة ولا بدّ حسب وعده الذي لا يخلف ، فالمراد بالأجر الأجر على التبليغ ، وجوز أن يراد الأجر على الطاعة مطلقاً ، ويدخل فيه ذلك دخولاً أولياً ، وفي التعبير بالمال أولاً . وبالأجر ثانياً ما لا يخفى من مزية ما عند الله تعالى على ما عندهم { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ } قيل : هو جواب عما لوحوا به بقولهم : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } [ هود : 27 ] من أنه لو اتبعه الأشراف لوافقوهم وأن اتباع الفقراء مانع لهم عن ذلك كما صرحوا به في قولهم : { أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الارذلون } [ الشعراء : 111 ] فكان ذلك التماساً منهم لطردهم وتعليقاً لإيمانهم به عليه السلام بذلك أنفة من الانتظام معهم في سلك واحد انتهى ، والمروى عن ابن جريج أنهم قالوا له يا نوح : إن أحببت أن نتبعك فاطرد هؤلاء وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء ، وذلك كما قال قريش للنبي صلى الله عليه وسلم في فقراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم : اطرد هؤلاء عنك ونحن نتبعك فأنا نستحيي أن نجلس معهم في مجلسك فهو جواب عما لم يذكر في النظم الكريم لكن فيه نوع إشارة إليه ، وقرىء { بِطَارِدِ } بالتنوين قال الزمخشري : على الأصل يعني أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال فأصله أن يعمل ولا يضاف ، وهو ظاهر كلام سيبويه ، واستدرك عليه أبو حيان بأنه قد يقال : إن الأصل الإضافة لأنه قد اعتوره شبهان : أحدهما شبهه بالمضارع وهو شبه بغير جنسه ، والآخر شبهه بالأسماء إذا كانت فيها الإضافة ، وإلحاقه بجنسه أولى من إلحاقه بغير جنسه انتهى ، وربما يقال : إن أولوية إلحاقه بالأسماء إنما يتم القول بها إذا كانت الإضافة في الأسماء هي الأصل وليس فليس { أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ } تعليل للامتناع من طردهم كأنه قيل : لا أدرهم ولا أبعدهم عن مجلسي لأنهم من أهل الزلفى المقربون الفائزون عند الله تعالى ؛ وانفهام الفوز بمعونة المقام وإلا فملاقاة الله تعالى تكون للفائز وغيره ، أو أنهم ملاقوا ربهم فيخاصمون طاردهم عنده فيعاقبه على ما فعل وحمله على أنهم مصدقون في الدنيا بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة فكيف أطردهم خلاف الظاهر على أن هذا التصديق من توابع الإيمان ، وقيل : المعنى إنهم يلاقونه تعالى فيجازيهم على ما في قلوبهم من إمان صحيح ثابت كما ظهر لي أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به من بناء أمرهم على بادىء الرأي من غير تعمق في الفكر ، وما على أن أشق عن قلوبهم وأتعرف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون ، وفيه أنه مع كونه مبنياً على أن سؤال الطرد لعدم إخلاصهم لا لاسترذالهم وحاله أظهر من أن يخفى يأباه اغلجزم بترتب غضب الله تعالى على طردهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى { ولكنى أُرِيكُمْ *قَوْمًا تَجْهَلُونَ } أي بكل ما ينبغي أن يعلم ، ويدخل فيه جهلهم بمنزلتهم عند الله تعالى وبما يترتب من المحذور على طردهم وبركاكة رأيهم في التماس ذلك ، وتوقف إيمانهم عليه وغير ذلك وإيثار صيغة الفعل للدلالة على التجدد والاستمرار ، وعبر بالرؤية موافقة لتعبيرهم ، وجوز أن يكون الجهل بمعنى الجناية على الغير وفعل ما يشق عليه لا بمعنى عدم العلم المذموم وهو معنى شائع كما في قوله

: ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

أي ولكني أراكم قوماً تتسفهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخساسة .

( ومن باب الإشارة ) : { وياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً } أي ليس لي مطمح في شيء من أموالكم التي ظننتم أن الشرف بها { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } فهو يثيبني بما هو خير وأبقى { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ إِنَّهُمْ * ملاقوا رَبّهِمْ } أي إنهم أهل الزلفى عنده تعالى وهم حمائم أبراج الملكوت وبزاة معارج الجبروت { ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } [ هود : 29 ] تسفهون عليهم وتؤذونهم

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ} (29)

قوله : { ويا قوم لا أسألكم عليه مالا } أي لا أطلب منكم أجرا من المال في مقالب تبليغكم رسالة الله والإيمان به توحيده . فما من شيء يدعوكم للتثاقل ؛ فإن ثوابي في تبليغ ما أمرت بتبليغه لهو على ربي ؛ فهو يجزيني الأجر عليه ، فلست بذلك محلا لظنكم واتهامكم . وهو قوله سبحانه : { إن أجري إلا على الله } أي ما ثواب نصحي لكم وتبليغي ما أدعوكم إليه إلا على الله ؛ فغنه المجازي والمثيب .

قوله : { وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم } ذكر أن المشركين سألوا نوحا أن يطرد المؤمنين فيستبعدهم من مجلسه ؛ لأنهم أراذل ؛ أي عالة ضعفاء . فكانوا يستكبرون أن يخاطبوهم أو يجلسوا معهم ، لكن نوحا عليه السلام قد رد مطلبهم الجهول بقوله لهم : لا أقصي ولا أستبعد المؤمنين الذين أقروا بوحدانية الله وخلعوا الأوثان وتبرأوا من أوضار الشرك والمعصية { غنهم ملقوا ربهم } هؤلاء المؤمنون الذين تسألونني طردهم لكونهم أرذال في نظركم ، سيلاقون الله يوم القيامة ؛ فهو يتولى سؤالهم عما عملوه في الدنيا فيجازيهم بإيمانهم وطاعتهم ، ولا وزن يومئذ للشرف أو الحسب الذي تعتبرونه كل الاعتبار .

لقد قال نوح على وجه التكريم لهؤلاء المؤمنين . وقيل : قال ذلك خشية أن يشكوه إلى الله يوم القيامة إذا طردهم فيجازيه على طردهم .

قوله : { ولكني أراكم قوما تجهلون } لا تعلمون الحق . ومن الحق أن لا أطرد الذين تعدونهم أرزال وهم في ميزان الله وأبرار كرام ، فأنتم بذلك مجانبون للحق ، مناهضون للصواب ، وتجهلون ما ينبغي أن يكون وأن يعلم .