{ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ الذي اختلفوا فِيهِ } شديد الملائمة على هذا الوجه لقوله سبحانه هنالك : { لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } [ النحل : 39 ] ، ولقوله تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } [ النحل : 44 ] وفيه أن من استبان له الهدى بهذا البيان استغنى عن ذلك البيان حيث لا ينفعه إلا العلم بكذبه وهذا أنسب لتأليف النظم اه .
وأنت تعلم أن احتمال العطف بعيد ، والمراد بالكتاب القرآن فإنه الحقيق بهذا الاسم ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي ما أنزلناه عليك لعلة من العلل إلا لتبين لهم ما اختلفوا فيه من البعث وقد كان فيهم من يؤمن به وأشياء من التحليل والتحريم والإقرار والإنكار ومقتضى رجوع الضمائر السابقة إلى الأمم السالفة أن يرجع ضمير { إِلَيْهِمُ } و { اختلفوا } إليهم أيضاً لكن منع عنه عدم تأتي تبيين الذين اختلفوا فيه لهم فمنهم من جعله راجعاً إلى قريش لأن البحث فيهم ومنهم من جعله راجعاً إلى الناس مطلقاً لعدم اختصاص ذلك بقريش ويدخلون فيه دخولاً أولياً .
{ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } عظيمين { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خصهم بالذكر لكونهم المغتنمين آثاره . والإسمان قال أبو حيان : في موضع نصب على أنهما مفعول من أجله والناصب { أَنزَلْنَا } ولما اتحد الفاعل في العلة والمعلول وصل الفعل لهما بنفسه ، ولما لم يتحد في { لِتُبَيّنَ } لأن فاعل الإنزال هو الله تعالى لا الرسول عليه الصلاة والسلام وصلت العلة بالحرف .
وقال الزمخشري : هما معطوفان على محل { لِتُبَيّنَ } وهو ليس بصحيح لأن محله ليس نصباً فيعطف منصوب عليه ، ألا ترى أنه لو نصب لم يجز لاختلاف الفاعل اه . وتعقب بأن معنى كونه في محل نصب أنه في محل لو خلا من الموانع ظهر نصبه وهو هنا كذلك لمن تأمل فقوله : ليس بصحيح لأن محله ليس نصباً ليس على ما ينبغي .
وقال الحلبي : إن ذلك ممنوع إذ لا خلاف في أن محل الجار والمجرور النصب ولذا أجازوا مررت بزيد وعمراً بالعطف على المحل ، وللخفاجي ههنا كلام إن أردته فارجع إليه وراجع ، ولعله إنما قدمت علة التبيين على علتي الهدى والرحمة لتقدمه في الوجود عليهما .
قوله : ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ) المراد بالكتاب القرآن . واللام في ( لتبين ) للتعليل ؛ أي : إنما أنزلنا إليك هذا القرآن لتفصل به بين الناس في كل ما يتنازعون فيه ويختلفون ، من الشرك والتوحيد وإثبات البعث والنشور ونفيهما ، والجبر ، وهو كون الإنسان مجبرا أو مكرها على صنع أفعاله . أو القدر ، بسكون الدال ، وهو خلاف الجبر . ومقتضاه أن الإنسان قادر على صنع أفعاله حرا ومختارا . وغير ذلك من الأحكام التي ابتدعوها ، كتحريم البحائر والسوائب ، وتحليل أكل الميتة والدم ولحم الخنزير ، وما أهل به لغير الله ، وغير ذلك من الأحكام . والقرآن في ذلك كله يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل . السبيل الواضح المستقيم الذي لا عوج فيه ولا خلل ، ولا غلو ولا تفريط .
قوله : ( وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) ( هدى ورحمة ) ، منصوبان على أن كل واحد منهما مفعول لأجله . والناصب قوله : ( أنزلنا ) {[2555]} . والمعنى : أن القرآن أنزل هداية للناس ، وإخراجا لهم من ظلمات الباطل والضلال والجور ، إلى نور الحق واليقين والعدل والسداد . وهو كذلك رحمة للناس بكل ما يحتمله لفظ الرحمة من معاني فضلى في الخير والبر والمودة والإيثار ، وغير ذلك من معان يرسخها الإسلام في واقع المسلمين . وخص المؤمنين بالهدى والرحمة ؛ لأنهم بتصديقهم ويقينهم والتزامهم منهج الإسلام يكونون هم المنتفعين بمزايا الهدى والرحمة ومقتضياتهما أكثر من غيرهما .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.