{ لّلَّذِينَ يؤولونَ مِن نّسَائِهِمْ } الإيلاء كما قال الراغب : الحلف الذي يقتضي النقيصة في الأمر الذي يحلف فيه من قوله تعالى : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } [ آل عمران : 8 11 ] أي باطلاً { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ } [ النور : 22 ] وصار في الشرع عبارة عن الحلف المانع عن جماع المرأة ، ف { يؤولونَ } أي يحلفون ، و{ مِن نّسَائِهِمْ } على حذف المضاف ، أو من إقامة العين مقام الفعل المقصود منه للمبالغة ، وعدى القسم على المجامعة ب { مِنْ } لتضمنه معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين ، وقيل : إن هذا الفعل يتعدى ب ( من ) وعلى ، ونقل أبو البقاء عن بعضهم من أهل اللغة تعديته ب ( من ) وقيل : بها بمعنى على ، وقيل : بمعنى في ، وقيل : زائدة ، وجوّز جعل الجار ظرفاً مستقراً ، أي استقرّ لهم من نسائهم .
{ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } وقرأ { يؤولونَ مِن نّسَائِهِمْ } وفي مصحف أبيّ { لِلَّذِينَ يَقْسِمُونَ } وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والتربص الانتظار والتوقف وأضيف إلى الظرف على الاتساع وإجراء المفعول فيه مجرى المفعول به ، والمعنى على الظرفية وهو مبتدأ ما قبله خبره أو فاعل للظرف على ما ذهب إليه الأخفش من جواز عمله وإن لم يعتمد والجملة على التقديرين بمنزلة الاستثناء من قوله سبحانه . { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [ البقرة : 5 22 ] فإن الإيلاء لكون أحد الأمرين لازماً له الكفارة على تقدير الحنث من غير إثم ، والطلاق على تقدير البر مخالف لسائر الأيمان المكتوبة حيث يتعين فيها المؤاخذة بهما أو بأحدهما عند الشافعي والمؤاخذة الأخروية عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، فكأنه قيل : إلا الإيلاء فإنّ حكمه غير ما ذكر ، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما قبلها ، وبعد أن ذكر سبحانه وتعالى إنّ للمولين من نسائهم تربص أربعة أشهر بين حكمه بقوله تعالى جل شأنه : { فَإِن فَآءوا } أي رجعوا في المدّة { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لما حدث منهم من اليمين على الظلم وعقد القلب على ذلك الحنث ، أو بسبب الفيئة والكفارة ، ويؤيده قراءة ابن مسعود { فَإِن فَآءوا فِيهِنَّ } .
قوله تعالى : ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربع أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) . يؤولن : يحلفون . المصدر للكلمة إيلاء وفعله آلى يؤلي ، أي حلف يحلف ، والإيلاء هو الحلف . وعادة الإيلاء كانت منتشرة لدى العرب ، وهو أن يحلف الزوج ألا يجامع امرأته ، يبتغي إغاظتها والإضرار بها ، وربما طالت قطيعته لها تمتد إلى سنة أو أكثر . وذلك فيه من الإهانة للمرأة والإساءة لها والإضرار بها ما هو عظيم لا يطاق ، لكن هذه الآية الكريمة قد وضعت حدا لتلك السفاهات والحماقات الظالمة مما أزاح عن كاهل المرأة عبئا من المهانة والإهمال والأذية . وذلك أن الزوج ليس له في ظل الإسلام مطلق الحرية في تكييف الإيلاء مثلما يسول له مزاجه المتعجرف أو هواه الجانف الغاضب ، بل عليه أن يختار أحد أمرين : فإما أن يفيء إلى زوجته ويراجعها ، وإما أن يطلقها لتمضي في سبيلها وذلك إذا بلغ الهجران لها أربعة أشهر في كلتا الحالتين . وتفصيل ذلك أن الرجل إذا حلف ألا يجامع امرأته مدة من الزمن وكانت هذه المدة دون أربعة أشهر فله أن ينتظر حتى تنقضي هذه المدة ليبر بيمينه ولا يحنث ثم يراجع امرأته بعدها وكأن شيئا لم يكن ، أما إن كانت هذه المدة أكبر من أربعة أشهر فإن للزوجة حينئذ أن تطلب من الزوج بعد مرور أربعة أشهر أن يختار أحد اثنين : فإما أن يفيء إليها أي يراجعها ثم يؤدي إليها حقها من الجماع ، وإما أن يطلقها فتمضي في سبيلها ؛ كيلا تظل مقهورة معلقة فلا هي زوجة ولا هي مطلقة . وللحاكم في مثل هذه الحال أن يتدخل ليقضي بالحق ، ويلزم الزوج بما فرضته الشريعة على الرجل من أحد الخيارين وهما الفيئة والطلاق .
وعلى هذا يكون معنى الآية : للأزواج الذين يحلفون ألا يجامعوا زوجاتهم وكانت المدة المحلوف عليها تزيد عن أربعة أشهر ، أن ينتظروا حتى انقضاء هذه المدة وعليهم بعدها أن يختاروا الفيئة ( الرجوع والجماع ) أو الطلاق . إلا إذا كانت المدة المحلوف عليها دون أربعة أشهر ، فعليهم حينئذ أن ينتظروا حتى مرور هذه المدة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.