روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ} (14)

{ إِنَّنِي أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ } بدل من { مَا يوحى } [ طه : 13 ] ولا ريب في أن اختياره عليه السلام ليس لهذا فقط والتعلق باخترناك كيفما كان يقتضيه . وأجيب بأنه من باب التنصيص على ما هو الأهم والأصل الأصيل ، وقيل : هي سيف خطيب فلا متعلق لها كما فِى { رَدِفَ لكم } [ النمل : 72 ] لكم وما موصولة .

وجوز أن تكون مصدرية أي فاستمع للذي يوحى إليك أو للوحي ، وفي أمره عليه السلام بالاستماع إشارة إلى عظم ذلك وأنه يقتضي التأهب له ، قال أبو الفضل الجوهري : لما قيل لموسى عليه السلام استمع لما يوحى وقف على حجر واستند إلى حجر ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره وأصغى بشراشره .

وقال وهب : أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر والإصغاء بالسمع وحضور العقل والعزم على العمل وذلك هو الاستماع لما يحب الله تعالى ، وحذف الفاعل في { يُوحَى } [ طه : 13 ] للعلم به ويحسنه كونه فاصلة فإنه لو كان مبنياً للفاعل لم يكن فاصلة ، والفاء في قوله تعالى : { فاعبدنى } لترتيب المأمور به على ما قبلها فإن اختصاص الألوهية به تعالى شأنه من موجبات تخصيص العبادة به عز وجل ، والمراد بها غاية التذلل والانقياد له تعالى في جميع ما يكلفه به ، وقيل : المراد بها هنا التوحيد كما في قوله سبحانه : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] والأول أولى { وَأَقِمِ الصلاة } خصت الصلاة بالذكر وأفردت بالأمر مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها وإنافتها على سائر العبادات بما نيطت به من ذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره ، وقد سماها الله تعالى إيماناً في قوله سبحانه : { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة : 143 ] .

واختلف العلماء في كفر تاركها كسلاً كما فصل في محله ، وقوله تعالى : { لِذِكْرِى } الظاهر أنه متعلق بأقم أي أقم الصلاة لتذكرني فيها لاشتمالها على الاذكار ، وروي ذلك عن مجاهد ، وقريب منه ما قيل أي لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم وتوكيل هممهم وأفكارهم به ، وفرق بينهما بأن المراد بالإقامة على الأول تعديل الأركان ، وعلى الثاني الإدامة وجعلت الصلاة في الأول مكاناً للذكر ومقره وعلته ، وعلى الثاني جعلت إقامة الصلاة أي إدامتها علة لإدامة الذكر كأنه قيل أدم الصلاة لتستعين بها على استغراق فكرك وهمك في الذكر كقوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة } [ البقرة : 45 ] .

وجوز أن يكون متعلقاً باعبدني أو بأقم على أنه من باب الأعمال أي لتكون ذاكراً لي بالعبادة وإقامة الصلاة ، وإذا عمم الذكر ليتناول القلبي والقالبي جاز اعتبار باب الأعمال في الأول أيضاً وهو خلاف الظاهر .

وقيل : المراد { أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِى } خاصة لا ترائي بها ولا تشوبها بذكر غيري أو لإخلاص ذكرى وابتغاء وجهي ولا تقصد بها غرضاً آخر كقوله تعالى : { فَصَلّ لِرَبّكَ } [ الكوثر : 2 ] أو لأن أذكرك بالثناء أي لأثنى عليك وأثيبك بها أو لذكري إياها في الكتب الإلهية وأمري بها أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلوات فاللام وقتية بمعنى عند مثلها في قوله تعالى : { يا ليتني قَدَّمْتُ لحياتي } [ الفجر : 24 ] وقولك : كان ذلك لخمس ليال خلون ، ومن الناس من حمل الذكر على ذكر الصلاة بعد نسيانها ، وروي ذلك عن أبي جعفر ، واللام حينئذٍ وقتية أو تعليلية ، والمراد أقم الصلاة عند تذكرها أو لأجل تذكرها والكلام على تقدير مضاف والأصل لذكر صلاتي أو يقال : إن ذكر الصلاة سبب لذكر الله تعالى فأطلق المسبب على السبب أو أنه وقع ضمير الله تعالى موقع ضمير الصلاة لشرفها أو أن المراد للذكر الحاصل مني فأضيف الذكر إلى الله عز وجل لهذه الملابسة ، والذي حمل القائل على هذا الحمل أنه ثبت في «الصحيح » من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة الصبح فلما قضاها قال : " من نسي صلاة فليقضها إذا ذكرها فإن الله تعالى قال : { أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِى } " فظن هذا القائل أنه لو لم يحمل هذا الحمل لم يصح التعليل وهو من بعض الظن فإن التعليل كما في «الكشف » صحيح والذكر على ما فسر في الوجه الأول وأراد عليه الصلاة والسلام أنه إذا ذكر الصلاة انتقل من ذكرها إلى ذكر ما شرعت له وهو ذكر الله تعالى فيحمله على إقامتها ، وقال بعض المحققين : إنه لما جعل المقصود الأصلي من الصلاة ذكر الله تعالى وهو حاصل مطلوب في كل وقت فإذا فاته الوقت المحدود له ينبغي المبادرة إليه ما أمكنه فهو من إشارة النص لا من منطوقه حتى يحتاج إلى التمحل فافهم .

/ وإضافة { ذكر } إلى الضمير تحتمل أن تكون من إضافة المصدر إلى مفعوله وأن تكون من إضافة المصدر إلى فاعله حسب اختلاف التفسير .

وقرأ السلمي . والنخعي . وأبو رجاء { للذكرى } بلام التعريف وألف التأنيث ، وقرأت فرقة { الصلاة لِذِكْرِى } بألف التأنيث بغير لام التعريف ، وأخرى { لِلذّكْرِ } بالتعريف والتذكير

من باب الإشارة :وثنى بقوله سبحانه { وأقم الصلاةَ لِذِكْرِي } [ طه : 14 ] لأن الصلاة من أعلام العبودية ومعارج الحضرة القدسية .

وأشار سبحانه إلى علم المبتدأ بقوله تعالى : { إنني أَنَا الله } وإلى علم الوسط بقوله عز وجل { فاعبدني وَأَقِم الصَّلاةَ لِذِكْرِى } [ طه : 14 ]

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ} (14)

قوله : ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ) وهذا بيان من الله لكليمه موسى عليه السلام عن أعظم حقيقة يجب عليه أن يقف عليها ويعمل بمقتضاها وهي أن الله واحد لا شريك له ، وأنه لا إله غيره ، فعليه أن يعبده وحده ، وذلك بالخضوع لجلاله والاستسلام لأمره .

قوله : ( وأقم الصلاة لذكرى ) أي صل لكي تذكرني ؛ فإن الصلاة تشمل على الأذكار . أو لأجل أن أذكر بالثناء ، وقيل : إذا نسيت الصلاة فتذكرت ، صل ، وهذا الراجح ، لما روي في الصحيحين عن أنس قال : قال رسول الله ( ص ) : " من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا لك " وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي ( ص ) قال : " من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها " والأمر هنا للوجوب . وهذا دليل على وجوب القضاء على كل من النائم أو الساهي ، والغافل ، سواء كانت الصلاة الفائتة كثيرة أو قليلة . وقد ذهب إلى ذلك عامة العلماء . وحكي خلاف ذلك مما هو شاذ لا يُعتد به ؛ فقد ذكر أن ما زاد على خمس صلوات لا يجب أن يقضى . وهو قول بغير دليل فلا ينظر إليه .

وعلى هذا لو فاتته صلاة يجب أن يقضيها . وقيل : يقضيها على الترتيب فلو ترك الترتيب في قضائها جاز عند الإمام الشافعي . ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة ؛ فإن كان ثمة سعة في الوقت استحب أن يبدأ بالصلاة الفائتة ولو بدأ بصلاة الوقت جاز ، أما إن ضاق الوقت بحيث لو بدأ بالفائتة ؛ فإنه يفوته الوقت ، وجب أن يبدأ بصلاة الوقت كيلا تفوت . ولو تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت ؛ أتمها ثم قضى الفائتة ، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها من غير وجوب . هذا جمله مذهب الشافعية في المسألة{[2946]} .

أما المالكية : فجملة مذهبهم أن من ذكر صلاة وقد حضر وقت صلاة أخرى ؛ فإنه يبدأ بالتي نسيها إذا كان خمس صلوات فأدنى . وإن كان أكثر من ذلك بدأ بالتي حضر وقتها . ويشبه هذا مذهب الحنفية والثوري والليث ، إلا الحنفية قالوا : الترتيب عندنا واجب في اليوم والليلة إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة الوقت فإن خشي فوات الوقت بدأ بها . أما إن زاد على صلاة يوم وليلة ؛ لم يجب الترتيب .

واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : ( وأقم الصلاة لذكرى ) أي لتذكرها . واللام بمعنى عند . فيكون المعنى : أقم الصلاة المتذكرة عند تذكرها . وذلك يقتضي رعاية الترتيب . واستدلوا كذلك بالخبر : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " والفاء للترتيب ، واستدلوا من الأثر بما رواه جابر بن عبد الله قال : " جاء عمر بن الخطاب ( رضي الله عنهما ) إلى النبي ( ص ) يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول : يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس ، فقال النبي ( ص ) : " وأنا والله ما صليتها بعد " قال : فنزل إلى البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ، ثم صلى المغرب بعدها . وهذا يدل على لزوم البداءة بالفائتة قبل الحاضرة .

أما ترك الصلاة عمدا ، فيجب فيه القضاء على التارك وإن كان عاصيا وعليه التوبة والاستغفار عند كل قضاء وهو قول الجمهور .

والفرق بين المتعمد والناسي والنائم ، وهو حطّ الإثم عن الأخيرين ، أما الأول وهو المتعمد فهو آثم فلزمه الاستغفار . لكن الجميع يلزمهم القضاء لقوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة ) وذلك من غير فرق بين أن يكون ذلك في وقتها أو بعدها . ولئن ثبت الأمر بقضاء النائم والناسي وكان ذلك في حقهما واجبا مع أنهما غير آثمين ؛ فإن العامد أولى بوجوب القضاء . {[2947]}


[2946]:- تفسير الرازي جـ22 ض 20.
[2947]:- تفسير القرطبي جـ11 ص 177، 178 وتفسير الرازي جـ22 ص 20.