روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ} (57)

{ وتالله لأكِيدَنَّ أصنامكم } أي لأجتهدن في كسرها ، وأصل الكيد الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه وهو يستلزم الاجتهاد فتجوز به عنه ، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز وتوقفه على استعمال الحيل ليختاطوا في الحفظ فيكون الظفر بالمطلوب أتم في التبكيت ، وكان هذا منه عليه السلام عزماً على الإرشاد إلى ضلالهم بنوع آخر ، ولا يأباه ما روى عن قتادة أنه قال : نرى أنه عليه السلام قال ذلك من حيث لا يسمعون وقيل سمعه رجل واحد منهم ، وقيل : قوم من ضعفتهم ممن كان يسير في آخر الناس يوم خرجوا إلى العيد وكانت الأصنام سبعين : وقيل اثنين وسبعين .

وقرأ معاذ بن جبل . وأحمد بن حنبل { بالله } بالباء ثانية الحروف وهي أصل حروف القسم إذ تدخل على الظاهر والمضمر ويصرح بفعل القسم معها ويحذف والتاء بدل من الواو كما في تجاه والواو قائمة مقام الباء للمناسبة بينهما من حيث كونهما شفويتين ومن حيث أن الواو تفيد معنى قريباً من معنى الإلصاق على ما ذكره كثير من النحاة .

وتعقبه في «البحر » بأنه لا يقوم على ذلك دليل ، وقد رده السهيلي ، والذي يقتضيه النظر إنه ليس شيء من هذه الأحرف أصلاً لآخر ، وفرق بعضهم بين الباء والتاء بأن في التاء المثناة زيادة معنى وهو التعجب ، وكان التعجب هنا من إقدامه عليه السلام على أمر فيه مخاطرة . ونصوص النحاة أن التاء يجوز أن يكون معها تعجب ويجوز أن لا يكون واللام هي التي يلزمها التعجب في القسم ، وفرق آخرون بينهما استعمالاً بأن التاء لا تستعمل إلا مع اسم الله الجليل أو مع رب مضافاً إلى اللكعبة على قلة { بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } من عبادتها إلى عيدكم . وقرأ عيسى بن عمر { تَوَلَّوْاْ } من التولي بحذف إحدى التاءين وهي الثانية عند البصريين والأولى عند هشام ، ويعضد هذه القراءة قوله تعالى : { فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } [ الصافات : 90 ]

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ} (57)

قوله تعالى : { وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ( 57 ) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ( 58 ) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ( 59 ) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ( 60 ) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ( 61 ) قالوا آأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ( 62 ) قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون ( 63 ) } .

أقسم إبراهيم الخليل عليه السلام ليكيدن أصنام هؤلاء الضالين السفهاء بتكسيرها وتحطيمها بعد أن يبرحوا مغادرين . وهذا صنع هائل قام به النبي الأكرم إبراهيم بشجاعته الفذة المعروفة وجرأته البالغة في مواجهة الباطل على نحو ليس له في الرجال نظير . ذلك بالرغم مما كان يحف به من المخاطر العصيبة ، خصوصا إذا علمنا مبلغ جهالة القوم ومدى تشبثهم بالأصنام وحبهم لها ، وعلى رأسهم الطاغوت العاتي نمروذ . لكن إبراهيم بقلبه الكبير الحافل بالإيمان واليقين والثقة بالله أجدر أن لا يخشى أحدا سوى الله . وأجدر أن يكون أهلا لما صنعه بأصنام القوم من تقطيع وتهشيم ، دون أن يثنيه عن ذلك ضعف أو خشية من سطوة الظالمين وعدوانهم وهو قوله : ( وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ) التاء ، من حروف القسم . والمراد بالكيد الاجتهاد في تكسير الأصنام مع ما يخالط ذلك من لطيف الحيلة في الإخبار عن نفسه بأنه سقيم وأن الذي قام بالتكسير كبيرهم من الأصنام نفسها . لذلك أقسم قائلا : تالله لأجتهدن في تحطيم هذه الأصنام معقب خروج القوم إلى عيد لهم .