روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (16)

{ يَهْدِى بِهِ الله } توحيد الضمير لاتحاد المرجع بالذات ، أو لكونهما في حكم الواحد ، أو لكون المراد يهدي بما ذكر ، وتقديم المجرور للاهتمام نظراً إلى المقام وإظهار الاسم الجليل لإظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية ، ومحل الجملة الرفع على أنها صفة ثانية لكتاب ، أو النصب على الحالية منه لتخصيصه بالصفة . جوز أبو البقاء أن تكون حالاً من { رَسُولِنَا } بدلاً من { يُبِينُ } [ المائدة : 15 ] وأن تكون حالاً من الضمير في { يُبِينُ } ، وأن تكون حالاً من الضمير في { مُّبِينٌ } ، وأن تكون صفة لنور { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } أي من علم الله تعالى أنه يريد اتباع رضا الله تعالى بالإيمان به ، و { مِنْ } موصولة أو موصوفة { سُبُلَ السلام } أي طرق السلامة من كل مخافة قاله الزجاج فالسلام مصدر بمعنى السلامة . وعن الحسن والسدي أنه اسمه تعالى ، ووضع المظهر موضع المضمر رداً على اليهود والنصارى الواصفين له سبحانه بالنقائص تعالى عما يقولون علواً كبيراً ، والمراد حينئذٍ بسبله تعالى شرائعه سبحانه التي شرعها لعباده عز وجل ، ونصبها قيل : على أنها مفعول ثان ليهدي على إسقاط حرف الجر نحو { واختار موسى قَوْمَهُ } [ الأعراف : 155 ] . وقيل : إنها بدل من رضوان بدل كل من كل ، أو بعض من كل أو اشتمال ، والرضوان بكسر الراء وضمها لغتان ، وقد قرىء بهما ، و السبل بضم الباء والتسكين لغة ، وقد قرىء به .

{ وَيُخْرِجُهُمْ } الضمير المنصوب عائد إلى { مِنْ } والجمع باعتبار المعنى كما أن إفراد الضمير المرفوع في { أَتَّبِعُ } باعتبار اللفظ . { مِنَ الظلمات إِلَى النور } أي من فنون الكفر والضلال إلى الإيمان { بِإِذْنِهِ } أي بإرادته أو بتوفيقه . { وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو دين الإسلام الموصل إلى الله تعالى كما قال الحسن وفي «إرشاد العقل السليم » ، «وهذه الهداية عين الهداية إلى { سُبُلَ السلام } وإنما عطفت عليها تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } » [ هود : 58 ] .

وقال الجبائي : المراد بالصراط المستقيم طريق الجنة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يَهْدِى بِهِ الله } أي بواسطته { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } أي من أراد ذلك { سُبُلَ السلام } وهي الطرق الموصلة إليه عز وجل . وقد قال بعض العارفين : الطرق إلى الله تعالى مسدودة إلا على من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم { وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظلمات } وهي ظلمات الشك والاعتراضات النفسانية والخطرات الشيطانية { إِلَى النور } وهو نور الرضا والتسليم { وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ المائدة : 16 ] وهو طريق الترقي في المقامات العلية ، وقد يقال : الجملة الأولى : إشارة إلى توحيد الأفعال ، والثانية : إلى توحيد الصفات ، والثالثة : إلى توحيد الذات

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (16)

قوله : { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } يهدي به في محل نصب على الحال . ورضوان الله معناه القبول منه أو المدح والثناء . وسبل السلام أي طرق السلامة والنجاة التي توصل إلى دار السلام وهي الجنة . وقيل : السلام هو الله والمراد شرائعه التي شرعها لعباده . فالمعنى أن الله يسدد بقرآنه المجيد من ابتغى رضوانه فيرشده إلى طريق السلامة والنجاء .

قوله : { ويخرجهم من الظلمت إلى النور بإذنه } الظلمات يراد بها كل ألوان الكفر على اختلاف أسمائه ومسمياته وأصنافه . وكل ما سوى الإسلام كفر وإشراك بالله ومجانبة لمنهج الله الحق القويم . والنور هو الإسلام . أي أن الله جلت قدرته يخرج الناس بقرآنه المجيد من ظلمات الكفر والشر والباطل إلى ضياء الإسلام ، وذلك بإذنه سبحانه . أي بتوفيقه ، إذ كشف للناس عن سبيل الحق وعن منهجه السليم القويم ، وأراهم ما كان خافيا عليهم وما لم يكونوا يعلمونه من قبل .

قوله : { ويهديكم إلى صرط مستقيم } أي يرشدهم إلى صراطه المستقيم وهو الإسلام ، بروعة عقيدته وكمال تشريعه وجمال قيمه ومعانيه{[923]} .


[923]:- روح المعاني ج 6 ص 91- 98 وتفسير الطبري ج 4 ص 99- 104 وتفسير الرازي ج 11 ص 186- 195.