روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (24)

فلم قال سبحانه :{ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ } أي في قولهم { مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 23 ] وأجابوا بأنه ليس المراد أنهم كذبوا في الآخرة بل المراد : أنظر كيف كذبوا { عَلَى أَنفُسِهِمْ } في الدنيا . ورد بان الآية لا تدل على هذا المعنى بوجه ولا تنطبق عليه لأنها في شأن خسرهم وأمرهم في الآخرة لا في الدنيا بل تنبو عنه أشد نبو لأن أول النظم الكريم وآخره في ذلك فتخلل بيان حالهم في الدنيا تفكيك له وتعسف جداً . ويؤيد ما ذهب إليه الجمهور أيضاً قوله تعالص : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَىْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون } [ المجادة : 18 ] بعد قوله سبحانه : { وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ المجادلة : 14 ] حيث شبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا ، ويشير إلى هذا التشبيه أيضاً الأمر بالنظر كما لا يخفى على من نظر .

وذكر ابن المنير «أن في الآية دليلاً بينا على أن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به كذب وإن لم يعلم المخبر مخالفة خبره لمخبره ألا تراه سبحانه جعل إخبارهم وتبرأهم كذباً مع أنه جل شأنه أخبر عنهم بقوله تعالى : { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي سلبوا علمه حينئذ دهشا وحيرة فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم » ، وأنت تعلم أن تفسير هذه الجملة بما ذكر غير ظاهر . والمروي عن الحسن أن { مَا } موصولة والمراد بها الأصنام التي كانوا يعبدونها ويقولون فيها : { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } [ يونس : 18 ] أو نحو ذلك . وإيقاع الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها للمبالغة في أمرها كأنها نفس المفتري أي زالت وذهبت عنهم أوثانهم التي يفترون فيها ما يفترون فلم تغن عنهم من الله شيئاً ، وقيل : إن { مَا } مصدرية أي ضل افترائهم كقوله سبحانه : { ضَلَّ سَعْيُهُمْ } [ الكهف : 104 ] أي لم ينفعهم ذلك . والجملة قيل : مستأنفة ، وقيل : واختاره شيخ الإسلام إنها عطف على { كَذَّبُواْ } داخل معه في حكم التعجب إذ الاستفهام السابق المعلق لأنظر لذلك . وجعل المعنى على احتمال الموصول والمصدرية أنظر كيف كذبوا باليمين الفاجرة المغلظة على أنفسهم بإنكار صدور ما صدر عنهم وكيف ضل عنهم أي زال وذهب افتراؤهم أو ما كانوا يفترونه من الإشراك حتى نفوا صدوره عنهم بالكلية وتبرؤوا ( منه ) بالمرة .

( ومن باب الإشارة ) :{ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ } بنفي الشرك عنها مع رسوخ ذلك الاعتقاد فيها { وَضَلَّ } أي ضاع { عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [ الأنعام : 24 ] فلم يجدوه

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ} (24)

قوله : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } المراد بالنظر ما كان بالقلب وليس بالبصر وهو نظر تدبر واعتبار . والله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن اعلم وتبين يا محمد كيف كذب هؤلاء المشركون الضالون على أنفسهم عند لقاء ربهم يوم القيامة . وذلك بقيلهم : { والله ربنا ما كنا مشركين } فقد سلكوا هنالك سلوكهم المعتاد في الكذب والافتراء الذي كانوا عليه في الدنيا ، إذ كان الكذب والدجل واختلاق الباطل ديدنا لهم في هذه الدنيا وهم يحاربون الله ورسوله ويعترضون سبيل المؤمنين الذين يدعون إلى الإسلام وهو الحق من ربهم . الحق الذي كتبه الله للبشرية ليكون لها هاديا ومنيرا . ولكن هؤلاء المشركين المكذبين { ضل عنهم ما كانوا يفترون } أي فارقهم وتخلى عنهم ما كانوا يعبدون من دون الله من أنداد وأصنام فلم يغن كل ذلك عنهم يومئذ شيئا{[1138]} .


[1138]:- الدر المصون ج 4 ص 575 وتفسير الطبري ج 7 ص 107.