روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} (26)

{ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } الضمير المرفوع ( للمشركين ) والمجرور للقرآن أي لا يقنعون بما ذكر من تكذيبه وعده حديث خرافة بل ينهون الناس عن استماعه لئلا يقفوا على حقيته فيؤمنوا به { وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } أي يتباعدون عنه بأنفسهم إظهاراً لغاية نفورهم عنه وتأكيداً لنهيهم ( عنه ) فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه من متممات النهي ، ولعل ذلك كما قال شيخ الإسلام هو السر في تأخير النأي عن النهي . وهذا هو التفسير الذي أخرجه ابن أبي شيبة وابن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن مجاهد رحمة الله تعالى عليه ، وقيل : الضمير المجرور للرسول صلى الله عليه وسلم على معنى ينهون الناس عن الإيمان به عليه الصلاة والسلام ويتباعدون عنه . وهو التفسير الذي أخرجه أبنا جرير والمنذر وأبي حاتم ومردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وأخرجه أيضاً ابن جرير من طريق العوفي . وروي ذلك عن محمد بن الحنفية والسدي والضحاك ، وقيل : الضمير المرفوع لأبي طالب وأتباعه أو أضرابه والمجرور للنبي صلى الله عليه وسلم على معنى ينهون عن أذيته عليه الصلاة والسلام ولا يؤمنون به .

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن هلال أنه قال : إن الآية نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة وكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه عليه الصلاة والسلام في السر ، وقيل : ضمير الجمع لأبي طالب وحده وجمع استعظاماً لفعله حتى كأنه مما لا يستقل به واحد ، وقيل : إنه نزل منزلة أفعال متعددة فيكون كقوله : قفا عند المازني ، ولا يخفى بعده . وروى هذا القول جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً . وروي عن مقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام فاجتمعت قريش إليه يريدون سوءاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال منشداً :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذاك منك عيونا

ودعوتني وزعمت أنك ناصح *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

وعرضت دينا لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحا بذاك مبينا

فنزلت هذه الآية . وفيها على هذا القول والذي قبله التفات ، ورد الإمام القول الأخير «بأن جميع الآيات المتقدمة في ذم فعل المشركين فلا يناسبه ذكر النهي عن أذيته عليه الصلاة والسلام وهو غير مذموم » . ونظر فيه بأن الذم بالمجموع من حيث هو مجموع . وبهذه الآية على هذه الرواية استدل بعض من ادعى أن أبا طالب لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذا المطلب في موضعه .

والنأي لازم يتعدى بعن كما في الآية . ونقل عن الواحدي أنه سمع تعديته بنفسه عن المبرد وأنشد :

أعاذل إن يصبح صدى بقفرة *** بعيدة نآني زائري وقريبي

وخرجه البعض على الحذف والإيصال ولا يخفى ما في { يَنْهَوْنَ } و { *ينأون } من التجنيس البديع . وقرىء «وينون عنه2 .

{ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ } أي وما يهلكون بذلك { إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } بتعريضها لأشد العذاب وأفظعه وهو عذاب الضلال والإضلال . وقوله تعالى : { وَمَا يَشْعُرُونَ } حال من ضمير { يُهْلِكُونَ } أي يقصرون الإهلاك على أنفسهم والحال أنهم غير شاعرين ( أي ) لا بإهلاكهم أنفسهم ولا باقتصار ذلك عليها من غير أن يضروا بذلك شيئاً من القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما عبر عنه بالإهلاك مع أن المنفي عن غيرهم مطلق الضرر للإيذان بأن ما يحيق بهم هو الهلاك لا الضرر المطلق . على أن مقصدهم لم يكن مطلق الممانعة فيما ( ذكروا ) بل كانوا يبغون الغوائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو نظام عقد لآلىء الآيات القرآنية . وجوز أن يكون الإهلاك معتبراً بالنسبة إلى الذين يضلونهم بالنهي فقصْره على أنفسهم حينئذ مع شموله للفريقين مبني على تنزيل عذاب الضلال عند عذاب الإضلال منزلة العدم . «ونفي الشعور على ما في «البحر » أبلغ من نفي العلم » كأنه قيل : وما يدركون ذلك أصلاً .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} (26)

قوله تعالى : { وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } الضمير { هم } يعود على الكفار . وقيل : المراد بذلك أبو طالب . والضمير في قوله : { عنه } يعود على القرآن . وقيل : يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم . والنهي معناه : الزجر . والنأي معناه : البعد . وذلك بيان لحال الكافرين في كل مكان وزمان ، على اختلاف مللهم ونحلهم فإنهم كانوا وما فتئوا يزجرون الناس أن يتبعوا دعوة الإسلام أو يستمعوا لتعاليم القرآن الحكيم بما فيه من عقيدة وتشريع ومنهاج حياة . وهم كذلك ينأون بأنفسهم عن هذا الدين ، إذ يباعدون بين أنفسهم وأممهم ، وهذا الدين الحنيف . الدين الذي جاء لينقذ البشرية من الفساد والتخبط فيلج بهم حومة النجاة والسعادة .

وقيل فيما رواه أهل السير في سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عله وسلم كان قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن يصلي . فلما دخل في الصلاة استنهض اللعين أبو جهل من يقوم فيفسد عليه صلاته . فنهض ابن الزبعري فأخذ فرثا{[1140]} ودما فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم . فانفتل النبي من صلاته ثم أتى أبا طالب عمه . فقال أبو طالب : من فعل هذا بك ؟ فقال النبي صلى الله عله وسلم : " عبد الله بن الزبعري " فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه وقال للقوم : والله لئن قام رجل لجللته بسيفي . فقعدوا حتى دنا منهم فقال : يا بني ، من الفاعل بك هذا ؟ فقال : " عبد الله بن الزبعري " فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول . فنزلت هذه الآية . فقال النبي صلى الله عله وسلم : " يا عم نزلت فيك آية " قال : وما هي ؟ قال : " تمنع قريشا أن تؤذيني وتأبى أن تؤمن بي " فأنشد أبو طالب قائلا :

والله لن يصلو إليك بجمعهم *** حتى أُوسَّد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر منك عيونا

ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** فلقد صدقت وكنت قبل أمينا

لولا الملامة أو حذار مسبة *** لوجدتني سمحا بذاك يقينا

فقالوا : يا رسول الله ، هل تنفع أبا طالب نصرته ؟ قال : " نعم دفع عنه بذاك الغل ولم يقرن مع الشياطين ولم يدخل في جب الحيات والعقارب ، إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل النار عذابا " وفي الصحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عله وسلم : " أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلى منهما دماغه " وكذلك أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عله وسلم لعمه : " قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " قال : لولا تعيرني قريش ، يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع ( الخوف ) لأقررت بها عينك . فأنزل الله تعالى { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } .

أما عبد الله بن الزبعري فقد أسلم عام الفتح وحسن إسلامه واعتذر إلى رسول الله صلى الله عله وسلم فقبل عذره . وكان شاعرا بليغا فقال يمدح في شعره النبي صلى الله عله وسلم :

يا خير من حملت على أوصالها{[1141]} *** عيرانة{[1142]} سرح اليدين غشوم

إني لمعتذر إليك من الذي *** أسديت إذ أنا في الضلال أهيم

فاليوم آمن بالنبي محمد *** قلبي ومخطئ هذه محروم

مضت العداوة فانقضت أسبابها *** وأتت أواصر بيننا وحلوم{[1143]}

فاغفر فدى لك والدي كلاهما *** زللي فإنك راحم مرحوم

ولقد شهدت بأن دينك صادق *** حقا وأنك في العباد جسيم

والله يشهد أن أحمد مصطفى *** مستقبل في الصالحين كريم

قرم علا بنيانه من هاشم *** فرع تمكن في الذرى وأروم

قوله : { وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } إن أداة نفي بمعنى ما أي هؤلاء المشركين المكذبين – بصدهم عن سبيل الإسلام وإعراضهم عن الكتاب الحكيم وكفرهم بالله ورسوله لا يهلكون إلا أنفسهم ، إذ يوردونها الردى والخسران حيث السخط من الله والعقاب الأليم . وهم بفسقهم وانثنائهم عن دعوة الحق لا يدرون ما هم مفضون إليه من العذاب المهين{[1144]} .


[1140]:- الفرث: السرجين في الكرش. انظر القاموس المحيط ص 222.
[1141]:- الأوصال: المفاصل، أو مجتمع العظام. والمفرد وصل، بالكسر والضم. انظر القاموس المحيط ص 1380.
[1142]:- العيرانة السرح اليدين: الناقعة السريعة. انظر القاموس المحيط ص 286.
[1143]:- الحلوم: العقول. ومفرده الحلم بالكسر وهو العقل والأناة. انظر القاموس المحيط ص 1416.
[1144]:- تفسير الطبري ج 7 ص 110- 111 وتفسير القرطبي ج 6 ص 405- 408 والدر المصون ج 4 ص 581.