روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (43)

{ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً } مقدر باذكر أو بدل من { يوم الفرقان } [ الأنفال : 41 ] وجوز أن يتعلق ب { عليم } [ الأنفال : 42 ] وليس بشيء ، ونصب قليلاً على أنه مفعول ثالث عند الأجهوري أو حال على ما يفهمه كلام غيره .

والجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم أرى ما أرى في النوم وهو الظاهر المتبادر ، وحكمة إراءتهم إياه صلى الله عليه وسلم وسلم قليلين أن يخبر أصحابه رضي الله تعالى عنهم فيكون ذلك تثبيتاً لهم ، وعن الحسن أنه فسر المنام بالعين لأنها مكان النوم كما يقال للقطيفة المنامة لأنها ينام فيها فلم تكن عنده هناك رؤيا أصلاً بل كانت رؤية ، وإليه ذهب البلخي ولا يخفى ما فيه لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر ميمي على ما قال بعض المحققين أوفى موضع الشخص النائم على ما في «الكشف » ففي الحمل على خلاف ذلك تعقيد ولا نكتة فيه ، وما قيل : إن فائدة العدول الدلالة على الأمن الوافر فليس بشيء لأنه لا يفيد ذلك فالنوم في تلك الحال دليل إلا من لا أن يريهم في عينه التي هي محل النوم ، على أن الروايات الجمة برؤيته صلى الله عليه وسلم إياهم مناماً وقص ذلك على أصحابه مشهورة لا يعارضها كون العين مكان النوم نظراً إلى الظاهر ، ولعل الرواية عن الحسن غير صحيحة فإنه الفصيح العالم بكلام العرب ، وتخريج كلامه على أن في الكلام مضافاً محذوفاً أقيم المضاف إليه مقامه أي في موضع منامك مما لا يرتضيه اليقظان أيضاً ، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة الغريبة ، والمراد إذا أراكهم الله قليلاً { وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ } أي لجبنتم وهبتم الإقدام ، وجمع ضمير الخطاب في الجزاء مع إفراده في الشرط إشارة كما قيل : إلى أن الجبن يعرض لهم لا له صلى الله عليه وسلم إن كان الخطاب للأصحاب فقط وإن كان للكل يكون من إسناد ما للأكثر للكل { ولتنازعتم فِى الامر } أي أمر القتال وتفرقت آراؤكم في الثبات والفرار { ولكن الله سَلَّمَ } أي أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع .

/ { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي الخواطر التي جعلت كأنها مالكة للصدور ، والمراد أنه يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع ولذلك دبر ما دبر .

( ومن باب الإشارة ) :{ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله } أيها القلب { فِى مَنَامِكَ } وهو وقت تعطل الحواس الظاهرة وهدوء القوى البدنية { قَلِيلاً } أي قليل القدر ضعاف الحال { وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً } في حال غلبة صفات النفس { لَّفَشِلْتُمْ ولتنازعتم في الأمر } أمر كسرها وقهرها لانجذاب كل منكم إلى جهة { ولكن الله سَلَّمَ } من الفشل والتنازع بتأييده وعصمته { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } [ الأنفال : 43 ] أي بحقيقتها فيثبت علمه بما فيها من باب الأولى

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (43)

قوله تعالى : { إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور } { وإذ } في موضع نصب بفعل مقدر ، وتقديره : واذكر إذ يريكم الله{[1668]} والمخاطب هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد تظاهرت الروايات أنها رؤيا منام . فقد روي الرسول صلى الله عليه وسلم فيها الكفار قليلا فأخبر بها أصحابه فاشتد أزرهم{[1669]} ، وقويت عزائمهم ، وازدادت في نفوسهم الشجاعة والاستبسال واليقين . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه عقب النتباهه من المنام : ( أبشروا لقد نظرت إلى مصارع القوم ) . والمراد بالقلة في الآية : ضعف القوم واستيئاسهم وأنهم مهزومون مصروعون فتكون الغلبة للمؤمنين قوله : { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر } أي لو أراكم المشركين كثيرا لخارت عزائمكم ، وانهارت قواكم ، وأخذكم اليأس والخور ، { ولتنازعتم } أي اختلفتم . والتنازع في الأمر معناه الاختلاف الذي يحول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه . والمقصود : أنه لاضطراب أمركم واختلفت كلمتكم { ولاكن الله سلم } أي سلمكم من الفشل ومن المخالفة فيما بينكم . وقيل : سلمكم من الهزيمة .

قوله : { إنه عليم بذات الصدور } أي يعلم ما تخفيه صدوركم من الجراءة والخور ، أو الصبر والجزع .


[1668]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 388.
[1669]:الأزر: القوة. انظر مختار الصحاح ص 14.