روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ} (17)

{ قَالُواْ يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } أي متسابقين في العدو على الأقدام على ما روي عن السدى ، أو في الرمي بالسهام كام قال الزجاج ، أو في أعمال نتوزعها من شقي ورعي واحتطاب أو في الصيد وأخذه كما قيل ، ورجح ما قاله الزجاج بقراءة عبد الله إنا ذهبنا ننتضل وأورد على الأول أنه كيف ساغ لهم الاستباق في العدو وهو من أفعال الصبيان التي لا ثمرة فيها ، وأجيب باملنع وثمرته التدرب في العدو لحاربة العدو ومدافعة الذئب مثلا ؛ وبالجملة { نَسْتَبِقُ } بمعنى نتسابق وقد يشترك الافتعال والتفاعل فيكونان بمعنى كالانتضال والتناضل ونظائرهما { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا } أي ما يتمتع به من الثياب والازواد وغيرهما { فَأَكَلَهُ الذئب } عقيب ذلك من غير مضي زمان يعتاد فيه التفقد والتعهد وحيث لا يكاد يطرح المتاع عادة إلا في مقام يؤمن فيه الغوائل لم يعد تركه عليه السلام عنده ن باب الغفلة وترك الحفظ الملتزم لا سيما إذ لم يغيبوا عنه فكأنهم قالوا : إنا لم نقصر في محافظته ولم نغفل عن مراقبته بل تركناه في مأمننا ومجمعنا بمرأى منا وما فارقناه إلا ساعة يسيرة بيننا وبينه مسافة قصيرة فكان ما كان قاله شيخ الإسلام ، والظاهر أنهم لم يريدوا إلا أن الذئب أكل يوسف ولم يقصدوا بذلك تعريضاً فما قيل : إنهم عرضوا وأرادوا أكل الذئب المتاع لا يلتفت إليه لما فيه من الخروج عن الجادة من غير موجب { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } أي ما أنت مصدق لنا في هذه المقالة { وَلَوْ كُنَّا } عندك وفي اعتقادك { صادقين } أي موصوفين بالصدق والثقة لفرط محبتك فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ، قيل : ولا بد من هذا التأويل إذ لو كان المعنى { وَلَوْ كُنَّا صادقين } في نفس الأمر لكان تقديره فكيف إذا كنا كاذبين فيه فيلزم اعترافهم بكذبهم فيه ، وقد تقدم أن المراد في مثل ذلك تحقيق الحكم السابق على كل حال فكأنه قيل هنا : { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } في حال من الأحوال فتذكر وتأمل .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ} (17)

قوله تعالى : { قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق } ، أي : نترامى وننتصل ، وقال السدي : نشتد على أقدامنا . { وتركنا يوسف عند متاعنا } ، أي : عند ثيابنا وأقمشتنا . { فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا } . بمصدق لنا ، { ولو كنا } ، وإن كنا ، { صادقين } . فإن قيل : كيف قالوا ليعقوب أنت لا تصدق الصادق ؟ . قيل : معناه إنك تتهمنا في هذا الأمر لأنك خفتنا في الابتداء واتهمتنا في حقه . وقيل : معناه لا تصدقنا وإن كنا صادقين عند الله .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالُواْ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ} (17)

قوله : { قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ } { نستبق } ، أي نتسابق في الرمي ، أو على الفرس . أو في الجري على الأقدام . والمسابقة خصلة جيدة ومشروعة ، وهي جائزة بالسنة والإجماع ؛ فقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة فسبقته . فلما حملت اللحم سابقته فسبقها فقال : ( هذه بتلك ) وهو ما رواه . أو داود وكذلك أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة .

والمسابقة تكون بالنصل والحافر والخف وغير ذلك من أنواع الحافلات كالسفن ونحوها . والمراد بالنصل هنا السهم ذو النصل ، وبالحافر الفرس ، وبالخف البعير .

والمسابقة على ضربين : مسابقة بغير عوض ، وأخرى بعوض . أما التي بغير عوض : فهي جائزة مطلقا من غير تقييد بشيء معين كالمسابقة على الأقدام والخيل والسفن وغير ذلك من الحافلات النارية الحديثة على اختلاف أنواعها ؛ فقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة فسبقته ثم سبقها في الثانية .

أما المسابقة بعوض في هذه الأنصاف الثلاثة فلت تجوز ؛ وهو قول المالكية وأحدا القولين للشافعية . أما الحنفية : فتجوز عندهم المسابقة بعوض إن كانت على الأقدام أو مصارعة ؛ لورود الأثر بهما ؛ فقد سابق النبي عائشة وصارع ركانة .

وهو القول الثاني للشافعية ، وجملته : جواز المسابقة بعوض بكل ما له نصل ، وفي السيف والرمح والدواب وجهان .

وإذا كانت المسابقة بين اثنين أو فريقين ، فإن كان العوض من غيرهما ؛ جاز سواء كان ذلك من الحاكم يؤديه من بيت المال ، أو كان من غير الإمام ؛ وهو قول الحنفية والشافعية والحنبلية . وقالت المالكية : لا يجوز بذل العوض من غير الإمام .

على أن السبق بالفتح معناه في اللغة : الخطر الذي يوضع بين أهل السباق{[2212]} . وهو في الشرع : الجعل الذي يسابق عليه . ويسمى الخطر والندب والقرع والرهن . وجمعه أسباق . وهي ثلاثة أضرب :

أولها : سبق يعطيه الوالي أو الرجل غير الوالي من ماله متطوعا فيجعله لمن سابق . فمن سبق أخذه ، فهو جائز .

والثاني : سبق يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه فغن سبقه صاحبه أخذه ، وإن سبق هو صاحبه أخذه ؛ فهو كذلك جائز .

والثالث : أن يخرج كل منهما شيئا مثل ما يخرجه صاحبه ، فأيما سبق أخذ سبقه وسبق صاحبه ؛ فإنه لا يجوز وكان قمارا{[2213]} . وتفصيل هذه المسألة في مظانها من كتب الفقه .

قوله : { وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب } أي تركناه يحرس ثيابنا وأمتعتنا فأكله الذئب . وهذا الذي كان يتوجس منه يعقوب خفية والذي جزع منه وحذرهم منه عندما أرادوا أن يأخذوه .

قوله : { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } يعني أنك لا تصدقنا فيما نقول وإن كنا صادقين وغير مهتمين ، وذلك لسوء ظنك بنا واتهامك إيانا .


[2212]:مختار الصحاح ص 284.
[2213]:المغني جـ 8 ص 658، 659 وتفسير القرطبي جـ 9 ص 146، 147.