{ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ } أي بغير استئذان { بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } أي موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط بل ليتمتع بها من يحتاج إليها كائناً من كان من غير أن يتخذها سكناً كالربط والخانات والحوانيت والحمامات وغيرها فإنها معدة لمصالح الناس كافة كما ينبئ عنه قوله تعالى : { فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ } فإنه صفة للبيوت أو استئناف جار مجرى التعليل لنفي الجناح أي فيها حق تمتع لكم كالاستكنان من الحر والبرد وايواء الأمتعة والرحال والشراء والبيع والاغتسال وغيرها مما يليق بحال البيوت وداخليها فلا بأس بدخولها بغير استئذان من داخليها من قبل ولا ممن يتولى أمرها ويقوم بتدبيرها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنه لما نزل قوله تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ } [ النور : 27 ] الخ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله فكيف بتجار قريش الذين يختلفون من مكة والمدينة والشام وبيت المقدس ولهم بيوت معلومة على الطريق فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها سكان ؟ فرخص سبحانه في ذلك فأنزل قوله تعالى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ } الخ ، وعنى الصديق رضي الله تعالى عنه بالبيوت المعلومة الخانات التي في الطرق وهي في الآية أعم من ذلك ، ولا عبرة بخصوص السبب فما روي عن ابن جبير . ومحمد بن النفية . والضحاك . وغيرهم من تفسيرها فيها بذلك من باب التمثيل ، وكذا ما أخرجه جماعة عن عطاء . وعبد بن حميد . وإبراهيم النخعي أنها البيوت الهربة التي تدخل للتبرز ، وأما ما روي عن ابن الحنفية أيضاً من أنها دور مكة فهو من باب التمثيل أيضاً لكن صحة ذلك مبنية على القول بأن دور مكة غير مملوكة والناس فيها شركاء وقد علمت ما في المسألة من الخلاف .
وأخرج أبو داود في الناسخ . وابن جرير عن ابن عباس أن قوله سبحانه { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا } [ النور : 27 ] قد نسخ بقوله تعالى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } الخ واستثنى منه البيوت الغير المسكونة ، وروي حديث الاستثناء عكرمة . والحسن وهو الذي يقتضيه ظاهر خبر مقاتل وإليه ذهب الزمخشري . وتعقبه أبو حيان أن لا يظهر ذلك لأن الآية الأولى في البيوت المملوكة والمسكونة وهذه الآية في البيوت المباحة التي لا اختصاص لها بواحد دون واحد . والذي يقتضيه النظر الجليل أن البيوت فيما تقدم أعم من هذه البيوت فيكون ما ذكر تخصيصاً لذلك وهو المعنى بالاستثناء فتدبر ولا تغفل .
{ والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } وعيد لمن يدخل مدخلاً من هذه المداخل لفساد أو اطلاع على عورات .
ولما نزلت آية الاستئذان قالوا : كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وعلى ظهر الطريق ، ليس فيها ساكن ، فأنزل الله عز وجل { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة } أي : بغير استئذان ، { فيها متاع لكم } يعني منفعة لكم . واختلفوا في هذه البيوت ، فقال قتادة : هي الخانات والبيوت والمنازل المبنية للسابلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم إليها ، فيجوز دخولها بغير استئذان ، والمنفعة فيها بالنزول وإيواء المتاع والاتقاء من الحر والبرد . وقال ابن زيد : هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلونها للبيع والشراء وهو المنفعة . وقال إبراهيم النخعي : ليس على حوانيت السوق إذن . وكان ابن سيرين إذا جاء إلى حانوت السوق يقول : السلام عليكم أأدخل ؟ ثم يلج . وقال عطاء : هي البيوت الخربة ، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من البول والغائط . وقيل : هي جميع البيوت التي لا ساكن لها لأن الاستئذان إنما جاء لئلا يطلع على عورة فإن لم يخف ذلك فله الدخول بغير استئذان ، { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } .
قوله : ( ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم ) أي لا إثم عليكم ولا حرج في دخول بيوت لا ساكن فيها . واختلفوا في المراد بهذه البيوت . فقد قيل : المراد بذلك الفنادق في طرق السابلة . وقيل : حوانيت البياعين . وقيل : الحمامات . وقيل : دور العلم . وقيل : الأسواق يأتيها الناس من كل مكان للشراء والاتجار . وقيل : بيوت الخلاء يقضي فيها الحاقن حاجته . والصحيح دخول الجميع في مفهوم هذه الآية فتحمل على الكل ؛ فهي كلها مأذون بدخولها من جهة العرف . ولا حاجة للاستئذان بدخولها ؛ فهي مرافق عامة للناس مهيأة لدخولها من غير إذن .
قوله : ( فيها متاع لكم ) المتاع في اللغة بمعنى السلعة . وهو أيضا المنفعة وما تمتعت به . وقد متع به أي انتفع{[3248]} والمراد به هنا كل وجوه الانتفاع .
قوله : ( والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) ذلك وعيد من الله للذين يدخلون الأماكن الخالية والمواضع المريبة من أهل الريبة والسوء . فإن الله عليم بحالهم سواء فيهم الظاهر والباطن . فهو سبحانه مجازيهم عما كسبته أيديهم من المحظورات والفواحش{[3249]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.