روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ} (39)

{ قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } أي بسبب إغوائك إياي { لازَيّنَنَّ } أي أقسم لأزينن { لَهُمْ } أي لذريته وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر له ذكر ، وقد جاء مصرحاً به في قوله تعالى حكاية عن اللعين أيضاً : { لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ } [ الإسراء : 62 ] ومفعول { *أزينن } محذوف أي المعاصي { ضَلَلْنَا فِى الارض } أي هذا الجرم المدحو وكأن اللعين أشار بذلك إلى أني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة في السماء فإنا على التزيين لذريته في الأرض أقدر ، ويجوز أنه أراد بالأرض الدنيا لأنها محل متاعها ودارها ، وذكر بعضهم أن هذا المعنى عرفى للأرض وأنها إنما ذكرت بهذا اللفظ تحقيراً لها ، ولعل التقييد على ما قيل للإشارة إلى أن للتزين محلاً يقوي قبوله أي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور ، وجوز أن يكون يراد بها هذا المعنى وينزل الفعل منزلة اللازم ثم يعدى بفي ، وفي ذلك دلالة على أنها مستقر التزيين وأنه تمكن المظروف في ظرفه ، ونحوه قول ذي الرمة :

فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها . . . إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي

والمعنى لأحسنن الدنيا وأزيننها لهم حتى يشتغلوا بها عن الآخرة ، وجوز جعل الباء للقسم و { مَا } مصدرية أيضاً أي أقسم بإغوائك إياي لازينن ، وأقسامه بعزة الله تعالى المفسرة بسلطانه وقهره لا ينافي أقسامه بهذا فإنه فرع من فروعها وأثر من آثارها فلعله أقسم بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بهذا وأخرى بذاك ، وزعم بعضهم أن السببية أولى لأنه وقع في مكان آخر { فَبِعِزَّتِكَ } [ ص : 82 ] والقصة واحدة والحمل على محاورتين لا موجب له ولأن القسم بلإغواء غير متعارف انتهى ، وفيه نظر ظاهر فإ قوله : { فَبِعِزَّتِكَ } [ ص : 82 ] يحتمل القسمية أيضاً ، وقد صرح الطيبي بأن مذهب الشافعية أن القسم بالعزة والجلال يمين شرعاً فالآية على الزاعم لا له . نعم أن دعواه عدم تعارف القسم بالأغواء مسلمة وهو عندي يكفي لأولوية السببية ولعدم التعارف مع عدم الإشعار بالتعظيم لا يعد القسم بها يميناً شرعاً فإن القائلين بانعقاد القسم بصفة له تعالى يشترطون أن تشعر بتعظيم ويتعارف مثلها ، وفي نسبة الأغواء إليه تعالى بلا إنكار منه سبحانه قول بأن الشر كالخير من الله عز وجل ، وأول المعتزلة ذلك وقالوا : المراد النسبة إلى الغي كفسقته نسبته إلى الفسق لأفعلته أو أن المراد فعل به فعلاً حسناً أفضى به لخبثه إلى الغي حيث أمره سبحانه بالسجود فأبى واستكبر أو أضله عن طريق الجنة وترك هدايته واللطف به واعتذروا عن إنظار الله تعالى إياه مع أنه مفض إلى الاغواء القبيح بأنه تعالى قد علم منه وممن اتبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أنظر أم لم ينظر وأن في إنظاره تعريضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب .

وأنت تعلم أن في إنظار إبليس عليه اللعنة وتمكينه من الاغواء وتسليطه على أكثر بني آدم ما يأبى القول : وجوب رعاية الأصلح المشهور عن المعتزلة ، وأيضاً من زعم أن حكيماً أو غيره يحصر قوماً في دار ويرسل فيها النار العظيمة والأفاعي القاتلة الكثيرة ولم يرد أذى أحد من أولئك القوم بالإحراق أو اللسع فقد خرج عن الفطرة البشرية .

فحينئذ الذي تحكم به الفطرة أن الله تعالى أراد بالإنظار إضلال بعض الناس فسبحانه من إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وتمسك بعض المعتزلة في تأويل ما تقدم بقوله : { وَلاغْوِيَنَّهُمْ } حيث أفاد أن الاغواء فعله فلا ينبغي أن ينسب إلى الله تعالى ، وأجيب بأن المراد به هنا الحمل على الغواية لا إيجادها وتأويل اللاحق للسابق أولى من العكس ، وبالجملة ضعف الاستدلال ظاهر فلا يصلح ذلك متمسكاً لهم { أَجْمَعِينَ } أي كلهم فهو لمجرد الإحاطة هنا .

( ومن باب الإشارة ) :{ قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لازَيّنَنَّ لَهُمْ فِى الارض } أي لأزينن لهم الشهوات في الجهة السفلية { وَلاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 39 ]

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ} (39)

قوله تعالى : { قال رب بما أغويتني } ، أضللتني . وقيل : خيبتني من رحمتك ، { لأزينن لهم في الأرض } ، حب الدنيا ومعاصيك ، { ولأغوينهم } ، أي : لأضلنهم ، { أجمعين } .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ} (39)

ثم بين - سبحانه - الأسباب التي حملت إبليس على طلب تأخير موته إلى يوم القيامة ، والتى من أهمها الانتقام من آدم وذريته فقال - تعالى - : { قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } .

والباء في قوله { بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ .

. } للسببية أو للقسم .

قال الإِمام الرازى ما ملخصه : الباء ههنا بمعنى السبب ، أى : بسبب كونى غاويا لأزينن لهم كقول القائل : أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار ، وبطاعته ليدخلن الجنة .

أو للقسم وما مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم . والمعنى أقسم بإغوائك لى لأزينن لهم . ونظيره قوله - تعالى - { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } وقوله { أغويتنى } من الإِغواء ، وهو خلق الغى في القلوب . وأصل الغى الفساد ، ومنه غوى الفصيل - كرضى - إذا بشم من اللبن ففسدت معدته . أو منع من الرضاع فهزل وكاد يهلك ، ثم استعمل في الضلال . يقال : غوى فلان يغوى غيا وغواية فهو غاو إذا ضل عن الطريق المستقيم . وأغواه غيره وغواه : أضله .

وقوله { لأزينن لهم } من التزيين بمعنى التحسين والتجميل ، وهو تصيير الشى زينًا ، أى : حسنًا حتى ترغب النفوس فيه وتقبل عليه .

والضمير في { لهم } يعود على ذرية آدم ، وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر لهم ذكر ، وقد جاء ذلك صريحًا في قوله - تعالى - في آية أخرى : { قَالَ أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً } وحذف مفعول { لأزينن } لدلالة المقام عليه .

أى : لأزينن لهم المعاصى والسيئات ، بأن أحسن لهم القبيح . وأزين لهم المنكر . وأحبب الشهوات إلى نفوسهم حتى يتبعوها ، وأبذل نهاية جهدى في صرفهم عن طاعتك . . . وقال - سبحانه - { فى الأرض } لتحديد مكان إغوائه ، إذ هي المكان الذي صار مستقرًا له ولآدم وذريته ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : { فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا } - أى الجنة - فأخرجهما - أى آدم وحواء - مما كانا فيه ، { وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ } وقوله { ولأغوينهم أجمعين } مؤكدًا لما قبله .

أى : والله لأغوينهم جميعًا مادمت قادرًا على ذلك ، ولأعملن على إضلالهم بدون فتور أو يأس ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : { ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } قال القرطبى : وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح ، عن أبى الهيثم ، عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبليس قال يارب وعزتك وجلالك لا أزال أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم ، فقال الرب : وعزتى وجلالى لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى " .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ} (39)

قوله تعالى : { قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ( 39 ) إلا عبادك منهم المخلصين ( 40 ) قال هذا صراط على مستقيم ( 41 ) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ( 42 ) وإن جهنم لموعدهم أجمعين ( 43 ) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ( 44 ) } ما ، في قوله : ( بما ) مصدرية ؛ أي بسبب إغوائك إياي ، وقيل : الباء للقسم ؛ أي أقسم بإغوائك إياي ( لأزينن لهم في الأرض ) فقد أقسم إبليس على أن يزين المعاصي لذرية آدم في الدنيا بما يجعلها تروق لهم فيستحسنونها ويجدون فيها ما يثير فيهم القبول والاستمتاع فيقبلون عليها إقبالا جامحا ومغاليا . وهم بذلك يركضون لاهثين جامحين ؛ إذ تستنفرهم الغرائز المشبوبة وتؤزهم الشهوات المستشرية في العميق من طبائعهم . والمراد بالأرض ، الدنيا ؛ فهي محل متاعها ودارها . بل هي دار غرور يفتتن الناس بطيباتها ولذائذها وزخرفها ؛ فهي بذلك مستقر للتزيين والإغواء والإضلال .

قوله : ( ولأغوينهم أجمعين ) إغواء الشيطان يعني تزيينه الباطل في أعين الناس وحسهم لكي يفعلوه . ولأغوينهم ، أي لأضلنهم عن الهدى وأرغبنهم في الباطل وصنع كل محظور . ثم استثنى إبليس من جملة ذرية آدم عباد الله المخلصين وهو قوله : ( إلا عبادك منهم المخلصين ) بفتح اللام ؛ أي الذين أخلصتهم لطاعتك والتزام شرعك ومنهاجك بأن وفقتهم لذلك . فأولئك ليس لي عليهم سلطان ، ولا اقتدار على إضلالهم . وقرأ آخرون اللام بالكسر في المخلصين ؛ أي إلا عبادك الذين أخلصوا لك العبادة والطاعة ولم يشركوا معك في ذلك أحدا سواك فكانوا مبرأين من كل شرك أو رياء .