{ جَانِبٍ دُحُوراً } مفعول له وعلة للقذف أي للدحور وهو الطرد والإبعاد أو مفعول مطلق ليقذفون كقعدت جلوساً لتنزيل المتلازمين منزلة المتحدين فيقام دحوراً مقام قذفاً أو { *يقذفون } مقام يدحرون ، وعلى التقديرين هو مصدر مؤكد أو حال من ضمير { *يقذفون } [ الصافات : 8 ] على أنه مصدر باسم المفعول على القراءة الشائعة وهو في معنى الجمع لشموله للكثير أي مدحورين ، وجوز كونه جمع داحر بمعنى مدحور كقاعد وقعود ، وكونه جمع داحر من غير تأويل بناءً على القراءة الأخرى ، وجوز أن يكون منصوباً بنزع الخافض وهو الباء على أنه جمع دحر كدهر ودهور وهو ما يدحر به أي يقذفون بدحور . وقرأ السلمي . وابن أبي عبلة . والطبراني عن أبي جعفر { جَانِبٍ دُحُوراً } بفتح الدال فاحتمل كونه نصباً بنزع الخافض أيضاً وهو على هذه القراءة أظهر لأن فعولاً بالفتح بمعنى ما يفعل به كثير كطهور وغسول لما يتطهر ويغسل به ، واحتمل أن يكون صفة كصبور لموصوف مقدر أي قذفاً دحوراً طارداً لهم ، وأن يكون مصدراً كالقبول وفعول في المصادر نادر ولم يأت في كتب التصريف منه إلا خمسة أحرف الوضوء والطهور والولوع والوقود والقبول كما حكي عن سيبويه وزيد عليه الوزوع بالزاي المعجمة والهوى بفتح الهاء بمعنى السقوط والرسول بمعنى الرسالة .
{ وَلَهُمْ } أي في الآخرة { عَذَابِ } آخر غير ما في الدنيا من عذاب الرجم بالشهب { وَاصِبٌ } أي دائم كما قال قتادة . وعكرمة . وابن عباس ، وأنشدوا لأبي الأسود :
لا أشتري الحمد القليل بقاؤه *** يوماً بذم الدهر أجمع واصبا
وفسره بعضهم بالشديد ، قيل والأول حقيقة معناه وهذا تفسير له بلازمه . والآية على ما سمعت كقوله تعالى : { وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير } [ الملك : 5 ] وجوز أبو حيان أن يكون هذا العذاب في الدنيا وهو رجمهم دائماً وعدم بلوغهم ما يقصدون من استراق السمع .
وقوله - سبحانه - : { لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ . دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } جملة مستأنفة لبيان حالهم عند حفظ السماء ، وبيان كيفية الحفظ ، وما يصيبهم من عذاب وهلاك إذا ما حاولوا استراق السمع منها .
ولفظ " يسَّمَّعوُن " بتشديد السين - وأصله يتسمعون . فأدغمت التاء فى السين والضمير للشياطين ، وقرأ الجمهور { لا يَسْمعون } بإسكان السين .
قال صاحب الكشاف : الضمير فى { لاَّ يَسَّمَّعُونَ } لكل شيطان ، لأنه فى معنى الشياطين ، وقرئ بالتخفيف والتشديد . وأصله " يتسمعون " . والتسمع : تطلب السماع . يقال : تسمع فسمع . أو فلم يسمع .
فإن قلت : أى فرق بين سمعت فلانا يتحدث ، وسمعت إليه يتحدث . وسمعت حديثه ، وإلى حديثه ؟
قلت : المعدى بنفسه يفيد الإِدراك ، والمعد بإلى يفيد الإِصغاء مع الإِدراك .
والملأ فى الأصل : الجماعة يجتمعون علىا أمر فيملأون النفوس هيبة ، والمراد بالملأ الأعلى هنا : الملائكة الذين يسكنون السماء .
وسموا بذلك لشرفهم ، ولأنهم فى جهة العلو ، بخلاف غيرهم فإنهم يسكنون الأرض .
وقوله : { وَيُقْذَفُونَ } من القذف بمعنى الرجم والرمى ، و { دُحُوراً } مفعولا لأجله ، أى : يقذفون لأجل الدُّحور ، وهو الطرد والإِبعاد ، مصدر دَحَرَه يدْحَرُهُ دَحْراً ودُحُوراً : إذا طرده وأبعده .
والواصب : الدائم ، من الوصوب بمعنى الدوام ، يقال : وَصَب الشئ يَصِبُ وصُوباً ، إذا دام وثبت ، ومنه قوله : { وَلَهُ الدين وَاصِباً } أى : دائما ثابتا .
والمعنى : إنا زينا السماء الدنيا بنور الكواكب ، وحفظناها - بقدرتنا ورعايتنا - من كل شيطان متجرد من الخير ، فإن هذا الشيطان وأمثاله كلما حاولوا الاستماع إلى الملائكة فى السماء لم نمكنهم من ذلك ، بل قذفناهم ورجمناهم بالشهب والنيران من كل جانب من جوانب السماء ، من أجل أن ندمرهم ونطردهم ونبعدهم عنها ، ولهم منا - فوق كل ذلك - عذاب دائم ثابت لا نهاية له .
قوله : { دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ } { دُحُورًا } مفعول لأجله ؛ أي لأجل الطرد . أو مصدر لمقدر ؛ أي يُدحرون دحورا . وقيل : منصوب على الحال أي مدحورين{[3935]}
و { دُحُورًا } ، من الدحْر ، وهو الطرد والدفع والإبعاد{[3936]} ؛ أي يرمون مطرودين مبعدين { وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ } أي دائم ، وذلك في الآخرة ؛ فهم بذلك معذبون في الدنيا بالطرد والإبعاد والإحراق بالشهب . ويوم القيامة يلبثون في النار دائمين مقيمين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.