{ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ } وقد يراد به ما هو الكامل وهو الكفر ويكون هذا منه تعالى بياناً وتقريراً لذلك ، والاستثناء من أعم الأشياء أي ما منعهم أن تقبل نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم ، ومنه يتعدى إلى مفعولين بنفسه وقد يتعدى إلى الثاني بحرف الجبر وهو من أو عن ، وإذا عدى بحرف صح أن يقال : منعه من حقه ومنه حقه منه لأنه يكون بمعنى الحيلولة بينهما والحماية ، ولا قلب فيه كما يتوهم ، وجاز فيما نحن فيه أن يكون متعدياً للثاني بنفسه وأن يقدر حرف وحذف حرف الجر مع إن وأن مقيس مطرد .
وجوز أبو البقاء أن يكون { أَن تُقْبَلَ } بدل اشتمال من هم في { مَنَعَهُمْ } وهو خلاف الظاهر ، وفاعل منع ما في حيز الاستثناء ، وجوز أن يكون ضمير الله تعالى { وَإِنَّهُمْ * كَفَرُواْ } بتقدير لأنهم كفروا .
وقرأ حمزة . والكسائي { يَقْبَلُ } بالتحتانية لأنه تأنيت النفقات غير حقيقي مع كونه مفصولاً عن الفعل بالجار والمجرور . وقرىء { نفقاتهم } على التوحيد .
وقرأ السلمى { إنٍ * يَقْبَلُ * مِنْهُمْ نفقاتهم } ببناء { يَقْبَلُ } للفاعل ونصب النفقات ؛ والفاعل إما ضمير الله تعالى أو ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام بناء على أن القبول بمعنى الأخذ { وَلاَ * يَأتونَ الصلاة } المفروضة في حال من الأحوال { إِلاَّ وَهُمْ كسالى } أي إلا حال كونهم متثاقلين { وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارهون } الانفاق لأنهم لا يرجون بهما ثواباً ولا يخافون على تركهما عقاباً ، وهاتان الجملتان داخلتان في حيز التعليل . واستشكل بأن الكفر سبب مستقل لعدم القبول فما وجه التعليل بمجموع الأمور الثلاثة وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر . وأجاب الإمام بأنه إنما يتوجه على المعتزلة القائلين بأن الكفر لكونه كفراً يؤثر في هذا الحكم وأما على أهل السنة فلا لأنهم يقولون : هذه الأسباب معرفات غير موجبة للثواب ولا للعقاب واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد جائز ، والقول بأنه إنما جيء بهما لمجرد الذم وليستا داخلتين في حيز التعليل وإن كان يندفع به الاشكال على رأي المعتزلة خلاف الظاهر كما لا يخفى .
{ فَانٍ قِيلَ } الكراهية خلاف الطواعية وقد جعل هؤلاء المنافقون فيما تقدم طائعين ووصفوا ههنا بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون وظاهر ذلك المنافاة . أجيب بأن المراد بطوعهم أنهم يبذلون من غير الزام من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أنهم يبذلون رغبة فلا منافاة . وقال بعض المحققين في ذلك : إن قوله سبحانه : { أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } [ التوبة : 53 ] لا يدل على أنهم ينفقون طائعين بل غايته أنه ردد حالهم بين الأمرين وكون الترديد ينافي القطع محل نظر ، كما إذا قلت : إن أحسنت أو أسأت لا أزورك مع أنه لا يحسن قطعاً ، ويكون الترديد لتوسع الدائرة وهو متسع الدائرة .
( هذا ومن باب الإشارة ) :وقوله تعالى : { وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى } [ التوبة : 54 ] فيه إشارة إلى حرمانهم لذة طعم العبودية واحتجابهم عن مشاهدة جمال معبودهم وأنهم لم يعلموا أن المصلي يناجي ربه وأن الصلاة معراج العبد إلى مولاه ، ومن هنا قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : «وجعلت قرة عيني في الصلاة » . وقال محمد بن الفضل : من لم يعرف الآمر قام إلى الأمر على حد الكسل ومن عرف الآمر قام إلى الأمر على حد الاستغنام والاسترواح ، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول لبلال : ارحنا يا بلال
قوله تعالى : { وما منعهم أن تقبل منهم } ، قرأ حمزة و الكسائي : { يقبل } بالياء لتقدم الفعل ، وقرأ الباقون بالتاء لأن الفعل مسند إلى جمع مؤنث وهو النفقات ، فأنت الفعل ليعلم أن الفاعل مؤنث ، { نفقاتهم } ، صدقاتهم ، { إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله } ، أي : المانع من قبول نفقاتهم كفرهم ، { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى } ، متثاقلون لأنهم لا يرجون على أدائها ثوابا ، ولا يخافون على تركها عقابا ، فإن قيل : كيف ذم الكسل في الصلاة ولا صلاة لهم أصلا ؟ قيل : الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل ، فإن الكفر مكسل ، والإيمان منشط ، { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } ، لأنهم يعدونها مغرما ومنعها مغنما .
ثم بين - سبحانه - على التفصيل لمظاهر فسقهم - أن هناك ثلاثة أسباب أدت إلى عدم قبول نفقاتهم .
أما السبب الأول فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ . . } .
أى : وما منعهم قبول نفقاتهم شئ من الأشياء إلا كفرهم بالله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .
فالاستثناء من أهم الأشياء . والضمير في " منعهم " هو المفعول الأول للفعل ، وقوله : { أَن تُقْبَلَ } هو المفعول الثانى ، لأن الفعل " منع " يتعدى لمفعولين تارة بنفسه كما هنا ، وتارة يتعدى إلى المفعول الثانى بحرف الجر وهو حرف " من " أو " عن " .
والفاعل ما في حيز الاستثناء وهو قوله : { إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ . . } .
وأما السبب الثانى فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : { وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى } .
ولفظ " كسالى " . جمع كسلان ، مأخوذ من الكسل بمعنى التثاقل عن الشئ ، والفتور عن أدائه . وفعله بزنة فرح .
أى : ولا يأتون الصلاة التي كبتها الله عليهم في حال من الأحوال ، إلا في حال كونهم قوم خلت قلوبهم من الإِيمان ، فصاروا لا يرجون من وراء أدائها ثواباً ولا يشخون من وراء تركها عقاباً ، وإنما يؤدونها رياء أو تقية للمسلمين .
وشبيه بهذه الجملة الكريمة قوله - تعالى - في سورة النساء : { إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قاموا إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى يُرَآءُونَ الناس وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } وأما ، السبب الثالث فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : { وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ } .
أى . ولا ينفقون نفقة في سبيل الله إلا وهم كاروهون لها لأنهم يعدونها مغرماً ، ويعتبرون تركها مغنما ، وما حملهم على الإِنفاق إلا الرياء أو المخادعة أو الخوف من انكشاف أمرهم ، وافتضاح حالهم .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الكراهية خلاف الطواعية ، وقد جعلهم الله - تعالى - طائعين في قوله " طوعاً " ثم وصفهم هنا بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون فكيف ذلك .
قلت : المراد بطوعهم أنهم يبذلون نفقتهم من غير إلزام من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو من رؤسائهم ، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار ، لا عن رغبة واختيار .
أى : أن نفقتهم في جميع الأحوال لا يقصد بها الاستجابة لشرع الله ، وإنما يقصد بها الرياء أو المخادعة ، أو خدمة مصالحهم الخاصة .
قوله : { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله } أي أن ما منع هؤلاء المنافقين من أن تقبل منهم نفقاتهم التي ينفقونها في مختلف الوجوه أو السبل غلا كفرهم بالله وبرسوله ؛ فلئن أظهروا للناس الإيمان ؛ فإن الله يعلم أنهم كاذبون منافقون . وكذلك الناس يقفون على نفاقهم من هيئة سلوكهم وفي لحن حديثهم .
وكذلك فإن المنافقين لا يصلون إلا متثاقلين فلا يؤدون صلاتهم إلا كسالى . قال ابن عباس في ذلك : عن كان ( المنافق ) في جماعة صلى وإن انفرد لم يصل . وهو الذي لا يرجو على الصلاة ثوابا ولا يخشى في تركها عقابا .
وهذا مقتضى قوله تعالى : { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى } .
قوله : { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } أي لا يبتغي المنافقون من إنفاق أموالهم أيما ثواب من الله . وهم لا يعبأون بالإيمان أو الطاعة لله ؛ فهم بذلك يعدون الإنفاق مغرما ووضعية{[1800]} ، ومن أجل ذلك فإن المنافين أموالهم عن اضطرار لا عن رغبة أو طواعية واختبار{[1801]} . وعلى هذا فإن قبول الطاعة بالإنفاق مرهون بصدق النية وبراءة القصد من النفاق أو الرياء . وجمة ذلك أن يبتغي باذل المال مرضاة لله ولأن يكون إنفاقه عن إخبات لله وإخلاص .