روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (6)

وقوله تعالى :{ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ في الأرحام كَيْفَ يَشَاء } جملة مستأنفة على الصحيح ناطقة ببعض أحكام قيوميته تعالى مشيرة إلى تقرير علمه مع زيادة بيان لتعلقه بالأشياء قبل وجودها ، و التصوير جعل الشيء على صورة لم يكن عليها ، والصورة هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف ، والأرحام جمع رحم وهي معلومة وكأنها أخذت من الرحمة لأنها مما يتراحم بها ويتعاطف ، وكلمة { فِي } متعلقة بيصور وجوز أن يكون حالاً من المفعول أي يصوركم وأنتم في الأرحام مضغ ، و { كَيْفَ } في موضع نصب بيشاء وهو حال ، والمفعول محذوف تقديره يشاء تصويركم ، وقيل : { كَيْفَ } ظرف ليشاء والجملة في موضع الحال أي : يصوركم على مشيئته أي مريداً ، إن كان الحال من الفاعل أو يصوركم متقلبين على مشيئته تابعين لها في قبول الأحوال المتغايرة من كونكم نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً ثم ، وثم وفي الاتصاف بالصفات المختلفة من الذكورة والأنوثة والحسن/ والقبح وغير ذلك ، وفيه من الدلالة على بطلان زعم من زعم ربوبية عيسى عليه السلام مع تقلبه في الأطوار ودوره في فلك هذه الأدوار حسبما شاءه الملك القهار وركاكة عقولهم ما لا يخفى ، وقرأ طاوس تصوركم على صيغة الماضي من التفعل أي اتخذ صوركم لنفسه وعبادته فهو من باب توسد التراب أي اتخذه وسادة فما قيل : كأنه من تصورت الشيء بمعنى توهمت صورته فالتصديق أنه توهم محض .

{ لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم } كرر الجملة الدالة على نفي الإلهية عن غيره تعالى وانحصارها فيه توكيداً لما قبلها ومبالغة في الرد على من ادعى إلهية عيسى عليه السلام وناسب مجيئها بعد الوصفين السابقين من العلم والقدرة إذ من هذان الوصفان له هو المتصف بالألوهية لا غيره ، ثم أتى بوصف العزة الدالة على عدم النظير أو التناهي في القدرة والحكمة ؛ لأن خلقهم على ما ذكر من النمط البديع أثر من آثار ذلك .

( ومن باب الإشارة ) :{ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ } في أرحام الوجود { كَيْفَ يَشَاء } لأنكم المظاهر لأسمائه والمجلي لذاته { لا إله } في الوجود { إِلاَّ هُوَ العزيز } القاهر للأعيان الثابتة فلا تشم رائحة الوجود بنفسها أبداً { الحكيم } [ آل عمران : 6 ] الذي يظهرها بوجوده الحق ويتجلى بها حسبما تقتضيه الحكمة .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (6)

قوله تعالى : { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } . من الصور المختلفة ذكراً أو أنثى ، أبيض أو أسود ، حسناً أو قبيحاً ، تاماً أو ناقصاً .

قوله تعالى : { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } . وهذا في الرد على وفد نجران من النصارى ، حيث قالوا : عيسى ولد الله ، وكأنه يقول ، كيف يكون ولدا وقد صوره الله تعالى في الرحم .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحيم بن احمد ابن محمد الأنصاري ، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، أنا علي بن الجعد ، أنا أبو خيثمة زهير بن معاوية عن الأعمش ، عن زين بن وهب قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول :حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق " إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نظفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله إليه الملك ، - أو قال يبعث إليه الملك- بأربع كلمات ، فيكتب رزقه ، وعمله ، وأجله ، وشقي أو سعيد . قال : وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أنا أبو أحمد بن عيسى الجلودي ، أنا أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أني الطفيل عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال " يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول : يا رب أشقي أم سعيد ؟ فيكتب ذلك فيقول : يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيكتبان ، ويكتب عمله وأجله ورزقه ، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص " .