روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (53)

{ يَعْمَلُونَ وَأَقْسَمُواْ بالله } حكاية لبعض آخر من أكاذيب الكفرة المنافقين مؤكداً بالإيمان الفاجرة فهو عود على بدء ، والقسم الحلف وأصله من القسامة وهي أيمان تقسم على متهمين بقتل حسبما بين في كتب الفقه ثم صار اسماً لكل حلف ، وقوله سبحانه : { جَهْدَ أيمانهم } نصب على أنه مصدر مؤكد لفعله المحذوف ، وجملة ذلك الفعل مع فاعله في موضع الحال أو هو نصب على الحال أي حلفوا به تعالى يجهدون أيمانهم جهداً أو جاهدين أيمانهم ، ومعنى جهد اليمين بلوغ غايتها بطريق الاستعارة من قولهم : جهد نفسهإذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها ، والمراد أقسموا بالغين أقصى مراتب اليمين في الشدة والوكادة ، وجوز أن يكون مصدراً مؤكداً لأقسموا أي أقسموا أقسام اجتهاد في اليمين ، قال مقاتل : من حلف بالله تعالى فقد اجتهد في اليمين .

والظاهر هنا أنهم غلظوا الإيمان وشددوها ولم يكتفوا بقول الله { لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ } أي بالخروج كما يدل عليه قوله تعالى : { لَيُخْرِجَنَّ } والمراد بهذا الخروج الخروج للجهاد كما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما يدل على أن المراد الخروج من الأموال .

وأياً ما كان فالجملة جواب لأقسموا وجواب الشرط محذوف لدلالة هذه الجملة عليه وهي حكاية بالمعنى والأصل لنخرجن بصيغة المتكلم مع الغير ، وقيل : الأصل لخرجنا إلا أنه أريد حكاية الحال الماضية فعبر بذلك . وتعقب بأن المعتبر زمان الحكم وهو مستقبل { قُلْ } أي رداً عليهم وزجراً لهم عن التفوه بتلك الإيمان وإظهاراً لعدم القبول لكونهم كاذبين فيها { لاَّ تُقْسِمُواْ } على ما ينبئ عنه كلامكم من الطاعة { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي طاعتكم طاعة ، والجملة تعليل للنهي كأنه قيل لا تقسموا على ما تدعون من الطاعة لأن طاعتكم طاعة معروفة بأنها واقعة باللسان فقط من غير مواطأة من القلب لا يجهلها أحد من الناس ، وقيل التقدير المطلوب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها كطاعة الخلص من المؤمنين ، وقيل : { طَاعَةٌ } مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة متوسطة على قدر الاستطاعة أمثل وأولى بكم من قسكم . واختاره الزجاج ، وقيل مرفوع بفعل مقدر أي لتكن طاعة معروفة منكم ، وضعف الكل بأنه مما لا يساعده المقام والأخير بأن فيه حذف الفعل في غير موضع الحذف .

وقال البقاعي : لا تقدير في الكلام و { طَاعَةٌ } مبتدأ خبره { مَّعْرُوفَةٌ } وسوغ الابتداء بالنكرة أنها أريد بها الحقيقة فتعم والعموم من المسوغات ، ولم تعرف لئلا يتوهم أن تعريفها للعهد ، والجملة تعليل لنهي أي لا تقسموا فإن الطاعة معروفة منكم ومن غيركم لا تخفى فقد جرت سنة الله تعالى على أن العبد وإن اجتهد في إخفاء الطاعة لا بد وأن يظهر سبحانه مخايلها على شمائلها ، وكذا المعصية فلا فائدة في إظهار ما يخالف الواقع ، وفي الأحاديث ما يشهد لما ذكر ، فقد روى الطبراني عن جندب «مَا أَسَر عَبْد سريرة إلا ألبسه اله تعالى رداءها » وروى الحاكم وقال : صحيح الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله لإنسان كائناً من كان » وهذاالمعنى على ما قيل حسن لكنه خلاف الظاهر .

وقرأ زيد بن علي . واليزيدي { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } بالنصب على تقدير تطيعون طاعة معروفة نفاقية ، وقيل أطيعوا طاعة معروفة حقيقية وطاعة بمعنى إطاعة كما في قوله تعالى : { أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً } [ نوح : 71 ] { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الأعمال الظاهرة والباطنة التي من جملتها ما تظهرونه من الأكاذيب المؤكدة بالإيمان الفاجرة وما تضمرونه من الكفر والنفاق والعزيمة على مخادعة المؤمنين وغيرها من فنون الشر والفساد والمراد الوعيد بأنه تعالى مجازيهم بجميع أعمالهم السيئة التي منها نفاقهم ، وفي الإرشاد أن الجملة تعليل للحكم بأن طاعتهم طاعة نفاقية مشعر بأن مدار شهرة أمرها فيما بين المؤمنين إخباره تعالى بذلك ووعيد لهم بالمجازاة .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (53)

شرح الكلمات :

{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم } : أي حلفوا بالله بالغين غاية الجهد في حلفهم .

{ لئن أمرتهم } : أي بالخروج إلى الجهاد .

{ طاعة معروفة } : أي طاعة معروفة للنبي فيما يأمركم وينهاكم خير من إقسامكم بالله .

المعنى :

ما زال السياق الكريم في ذكر أحوال المنافقين فأخبر تعالى عنهم بقوله : { وأقسموا الله جهد أيمانهم } أي أقسموا للرسول صلى الله عليه وسلم مبالغين في ذلك حتى بلغوا غاية الجهد قائلين لئن أمرتنا بالخروج إلى الجهاد لنخرجن معكم . وهان أمر تعالى رسوله أن يقول لهم : { لاتقسموا } أي ما هناك حاجة إلى الحلف وتأكيده ، وإنما هي طاعة منكم معروفة لنا تغنيكم عن الأيمان وقوله تعلى : { إن الله خبير بما تعملون } تأنيب لهم وتأديب حيث أخبرهم تعالى بأنه مطلع على أسرارهم وما يقولونه ويعملونه في الخفاء ضد الرسول والمؤمنين .

الهداية :

- مشروعية الإقسام بالله تعالى وحرمه الحلف بغيره تعالى .

- عدم الثقة في المنافقين لخلوهم من موجب الصدق في القول والعمل وهو الإيمان .