فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{۞وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (53)

ثم حكى سبحانه عن المنافقين أنهم لما كرهوا حكمه ، أقسموا بأنه لو أمرهم بالخروج إلى الغزو لخرجوا ، فقال :

{ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } المعنى : يجهدون أيمانهم جهدا ومعناه طاقة ما قدروا أن يحلفوا ، مأخوذ من قولهم : جهد نفسه إذا بلغ طاقتها ، وأقصى وسعها ، وقيل : التقدير مجتهدين في إيمانهم ، كقولهم : افعل ذلك جهدك وطاقتك وقد خلط الزمخشري الوجهين فجعلهما واحدا . وقيل : جهد اليمين أن يحلف بالله ولا يزيد على ذلك شيئا .

{ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ } بالخروج إلى الجهاد { لَيَخْرُجُنَّ } وليغزون ، ولما كانت مقالتهم هذه كاذبة ، وأيمانهم فاجرة رد الله عليهم زاجرا فقال : { قُل لَّا تُقْسِمُوا } أي لا تحلفوا على ما تزعمونه من الطاعة والخروج إلى الجهاد إن أمرتم به . وههنا تمّ الكلام ثم ابتدأ فقال :

{ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } أي طاعتهم طاعة معروفة بأنها طاعة نفاقية لم تكن عن اعتقاد ، وقيل : طاعة معروفة أولى بكم من أيمانكم . وقيل : لتكن منكم طاعة ، أو لتوجد ، وفي هذا ضعف لأن الفعل لا يحذف إلا إذا تقدم ما يشعر به ، وقيل : أمركم طاعة ، بل قال الواسطي : إنه الأولى لأن الخبر محط الفائدة ، وعليه فالمعنى : أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة ، لا يشك فيها ولا يرتاب . وقرئ : طاعة بالنصب أي أطيعوا طاعة .

{ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الطاعة بالقول ، وما تشمرونه من المخالفة بالفعل وهذا تعليل لما قبلها من كون طاعتهم طاعة نفاق .