، ولكونه صلى الله عليه وسلم هو الواسطة في إتيان ذلك ومنه نشأ الوعد دون المؤمنين أمر صلى الله عليه وسلم بالجواب بقوله سبحانه :
{ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا } أي لا أقدر على شيء منهما بوجه من الوجوه وتقديم الضر لما أن مساق النظم الكريم لإظهار العجز عنه وأما ذكر النفع فللتعميم إظهاراً لكمال العجز ، وقيل : إنه استطرادي لئلا يتوهم اختصاص ذلك بالضر والأول أولى ، وما وقع في سورة الأعراف من تقديم النفع فللإشعار بأهميته والمقام مقامه ، والمعنى لا أملك شيئاً من شؤوني رداً وإيراداً مع إن ذلك أقرب حصولاً فكيف أملك شؤونكم حتى أتسبب في إتيان عذابكم الموعود حسبما تريدون { إِلاَّ مَا شَاء الله } استثناء منقطع عند جمع أي ولكن ما شاء الله تعالى كائن ، وقيل : متصل على معنى إلا ما شاء الله تعالى أن أملكه ، وتعقب بأنه يأباه مقام التبرىء عن أن يكون له صلى الله عليه وسلم دخل في إتيان الوعد فإن ذلك يستدعي بيان كون المتنازع فيه مما لا يشاء أن يملكه عليه الصلاة والسلام : والمعتزلة قالوا باتصال الاستثناء واستدلوا بذلك على أن العبد مستقل بأفعاله من الطاعات والمعاصي ، وأنت تعلم أن ذلك بمراحل عن إثبات مدعاهم . نعم استدل بها بعض من يرى رأي السلف من أن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى لا أنه ليس له قدرة أصلاً كما يقوله الجبرية ، ولا أن له قدرة لكنها غير مؤثرة كما هو المشهور عن الأشاعرة ، ولا أن له قدرة مؤثرة إن شاء الله تعالى وإن لم يشأ كما هو رأي المعتزلة وقال : المعنى لا أقدر على شيء من الضر والنفع إلا ما شاء الله تعالى أن أقدر عليه منهما فإني أقدر عليه بمشيئته سبحانه ، وقال بعضهم : إذا كان الملك بمعنى الاستطاعة يكون الاستثناء متصلاً وإذا أبقى على ظاهره تعين الانقطاع ، ولا يخفى أن الأصل الاتصال ولا ينبغي العدول عنه حيث أمكن من دون تعسف ، وأياً ما كان فظاهر كلامهم أن الاستثناء من المفعول إلا أنه على تقدير الانقطاع ليس المعنى على إخراج المستثنى من حكم المستثنى منه ولذا جعل الحكم على ذلك التقدير أنه كائن دون أملكه مثلاً فلا تدافع في كلام من حكم بالانقطاع وقال في بيان المعنى أي ولكن ما شاء الله تعالى من ذلك كائن مشيراً بذلك إلى النفع والضر فإنه صريح في كون المستثنى من جنس المستثنى منه المقتضى للاتصال لأن المدار عند المحققين في الأمرين على الإخراج من الحكم وعدمه .
ومما يقضي منه العجب زعم أن الاستثناء من فاعل { لا أَمْلِكُ } وجعل المعنى لا أملك أنا ولكن الله سبحانه هو المالك لكل ما يشاء يفعله بمشيئته { لِكُلّ أُمَّةٍ } من الأمم الذين أصروا على تكذيب رسلهم { أَجَلٌ } لعذابهم يحل بهم عند حلوله لا يتعدى إلى أمة أخرى { إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } أي أجل كل أمة على ما هو الظاهر ، ووضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التقرير ، والإضافة لإفادة كمال التعين ، وجوز أن يكون الضمير للأمم المدلول عليه بكل أمة ، ووجه إظهار الأجل مضافاً لذلك بأنه لإفادة المعنى المقصود الذي هو بلوغ كل أمة أجلها الخاص بها ومجيئه إياها بعينها من بين الأمم بواسطة اكتساب الأجل بإضافته عموماً يفيده معنى الجمعية كأنه قيل : إذا جاءتهم آجالهم بالجمع كما قرأ به ابن سيرين بأن يجىء كل واحد من تلك الأمم أجلها الخاص بها ، ويفسر الأجل بحد معين من الزمان والمجىء عليه ظاهر وبما امتد إليه من ذلك فمجيئه حينئذٍ عبارة عن انقضائه إذ هناك يتحقق مجيئه بتمامه أي إذا تم وانقضى أجلهم الخاص بهم { فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ } عنه { سَاعَةِ } أي شيئاً قليلاً من الزمان { وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } عليه ، والاستفعال عند جمع على أصله ، ونفى طلب التأخر والتقدم أبلغ ، وقال آخرون : إنه بمعنى التفعل أي لا يتأخرون ولا يتقدمون ، والجملة الثانية إما مستأنفة أو معطوفة على القيد والمقيد ومنعوا عطفها على { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } لئلا يرد أنه لا يتصور التقدم بعد مجىء الأجل فلا فائدة في نفيه ، وأجازه غير واحد والفائدة عنده في ذلك المبالغة في انتفاء التأخر لأنه لما نظم في سلكه أشعر بأنه بلغ في الاستحالة إلى مرتبته فهو مستحيل مثله للتقدير الإلهي وإن أمكن في نفسه ، قيل : وهذا هو السر في إيراد صيغة الاستفعال أي أنه بلغ في الاستحالة إلى أنه لا يطلب إذ المحال لا يطلب .
ودفع بعضهم ذلك بأن { جَاء } بمعنى قارب المجىء نحو قولك : إذا جاء الشتاء فتأهب له . وتعقب بأنه ليس في تقييد عدم الاستئخار بالقرب والدنو مزيد فائدة ، وأشار الزمخشري إلى جواب آخر وهو أن لا يتأخر ولا يتقدم كناية عن كونه له حد معين وأجل مضروب لا يتعداه بقطع النظر عن التقدم والتأخر كقول الحماسي
: وقف الهوى بى حيث أنت فليس لي . . . متقدم عنه ولا متأخر
فإنه أراد كما قال المرزوقي حبسني الهوى في موضع تستقرين فيه فألزمه ولا أفارقه وأنا معك مقيمة وظاعنة لا أعدل عنك ولا أميل إلى سواك ، ووجه تقديم بيان انتفاء الاستئخار على بيان انتفاء الاستقدام قد تقدم في آية الأعراف مع بسط كلام فيها ؛ ثم لا يخفى أن هذه الآية داخلة في حيز الجواب ولم تعطف على ما قبلها إيذاناً باستقلالها فيه . قال العلامة الطيبي طيب الله تعالى ثراه : إن الجواب بقوله سبحانه : { قُل لاَّ أَمْلِكُ } الخوارد على الأسلوب الحكيم لأنهم ما أرادوا بالسؤال إلا استبعاد أن الموعود من الله تعالى وأنه صلوات الله تعالى وسلامه عليه هو الذي يدعي أن ذلك منه فطلبوا منه تعيين الوقت تهكماً وسخرية فقيل في الجواب هذا التهكم إنما يتم إذا ادعيت بأني أنا الجالب لذلك الموعود : وإذا كنت مقراً بأني مثلكم في أني لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً كيف أدعي ما ليس لي بحق ؟ ثم شرع في الجواب الصحيح ولم يلتفت صلى الله عليه وسلم إلى تهكمهم واستبعادهم فقال : { لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } الخ ، وحاصله على ما في «الكشاف » إن عذابكم له أجل مضروب عند الله تعالى وحد محدود من الزمان إذا جاء ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة فلا تستعجلوا ، ومن هنا يعلم سر إسقاط الفاء من { إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } وزيادتها في { فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ } على عكس آية الأعراف حيث أتى بها أولاً ولم يؤت بها ثانياً ، وذلك أنه لما سيقت الآية جواباً عن استعجالهم العذاب الموعود حسبما علمت آنفاً اعتنى بأمر الشرطية ولزومها كمال الاعتناء فأتى بها غير متفرعة على شيء كأنها من الأمور الثابتة في نفسها الغير المتفرعة على غيرها وقوي لزوم التالي فيها للمقدم بزيادة الفاء التي بها يؤتى للربط في أمثال ذلك ولا كذلك آية الأعراف كما لا يخفى إلا على الأنعام فاحفظه فإنه من الأنفال ، ولا يأباه ما مر في تقرير الاستفهام في صدر الكلام كما هو ظاهر لدى ذوي الأفهام ، وكذا لا يأباه ما قيل في ربط هذه الآية بما قبلها من أنها بيان لما أبهم في الاستثناء وتقييد لما في القضاء السابق من الإطلاق المشعر بكون المقضي به أمراً منجزاً غير متوقف على شيء غير مجىء الرسول وتكذيب الأمة لأنه على ما فيه ما فيه إنكار المدخلية في الجواب ، ولعل الغرض يتم بمجرد ذلك لحصول التغاير بين مساقي الآيتين به أيضاً ، وقد يقال : إن إسقاط الفاء أولاً لتكون الجملة في موضع الصفة لأجل تهويلاً لأمره وتنويهاً بشأنه حسبما يقتضيه المقام ، أي لكل أمة أجل موصوف بأنه إذا جاء لا يستأخرون عنه ولا يستقدمون عليه البتة ، والإظهار في موضع ازضمار لزيادة التقرير مثل ما مر آنفاً وليس بذاك ، ومما تضحك منه الموتى ما قاله بعض العظاميين بعد أن كاد يقضي عليه فكراً من أن السر في اختلاف الآيتين الإشارة منه تعالى إلى جواز الأمرين عربية ولم يعلم عافاه الله تعالى أن القرآن الكريم لم ينزل معلماً للعربية مبيناً لقواعدها وشارحاً لما يجوز فيها وما لا يجوز ، بل نزل معجزاً بفصاحته وبلاغته وما تضمنه من الأسرار أقواماً كل منهم في ذلك الشأن الجذيل المحكك والعذيب المرجب .
وذكر بعض من أحيا ميت الفضل علمه وصفاً عن تخليط أبناء العصر فهمه صفاء الدين عيسى البندنيجي أن مساق هذه الآية لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وشرح صدره عليه الصلاة والسلام عما عسى يضيق به بحسب البشرية من قولهم :
{ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين } [ يونس : 48 ] ولتلقينه صلى الله عليه وسلم رد قولهم ذلك كما يشعر به السباق فناسب قطع كل من الجملتين عن الأخرى ليستقل كل منهما في إفادة التثبيت والرد للتأكيد والمبالغة فيها ولذا لم يؤت بالفاء في صدر الشرطية وجىء بها في الجواب زيادة في ذلك لإفادتها تحقق ما بعدها عقيب ما يقتضيه بلا مهلة ، وآية الأعراف سيقت وعيداً لأهل مكة ، ومن البين أن محط الفائدة في إشعار أنه وعيد وأن ما هو أدخل في التخويف الجملة الشرطية ، لأنها النص في نزول العذاب عند حلول الأجل وأنه لا محيص لهم عن ذلك عنده دون { لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } فقط فكان المقام مقام ربط ووصل فجىء بالفاء لتدل على ذلك وتؤذن باتحاد الجملتين في كونهما وعيداً ولمسامحته سبحانه في الوعيد لم يؤت بالفاء في الجواب انتهى . ولعل ما قدمناه ليس بالبعيد عنه من وجه وإن خالفه من وجه آخر ولكل وجهة والله تعالى أعلم بأسرار كتابه .
( ومن باب الإشارة ) :{ قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء الله } [ يونس : 49 ] سلب لاستقلاله في التأثير وبيان لأنه لا يملك إلا ما أذن الله تعالى فيه ، وهذا نوع من توحيد الأفعال وفيه إرشاد لهم بأنه لا يملك استعجال ما وعدهم به
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لمستعجليك وَعيدَ الله، القائلين لك: متى يأتينا الوعد الذي تعدنا إن كنتم صادقين:"لا أمْلِكُ لَنْفِسي" أيها القوم أي لا أقدر لها على ضرّ ولا نفع في دنيا ولا دين "إلا ما شاء الله "أن أملكه فأجلبه إليها بأذنه. يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: فإذا كنت لا أقدر على ذلك إلا بإذنه، فأنا عن القدرة على الوصول إلى علم الغيب ومعرفة قيام الساعة أعجز وأعجز، إلاّ بمشيئته وإذنه لي في ذلك. "لكلّ أمةٍ أجَلٌ" يقول: لكلّ قوم ميقات لانقضاء مدتهم وأجلهم، فإذا جاء وقت انقضاء أجلهم وفناء أعمارهم، لا يستأخرون عنه ساعة فيُمْهَلُون وُيؤَخّرون، ولا يستقدمون قبل ذلك لأن الله قضى أن لا يتقدّم ذلك قبل الحين الذي قدّره وقضاه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قوله تعالى: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً)... يقول: لا أقدر على أن أدفع عن نفسي سوءا حين ينزل بي، ولا أملك أن أسوق إليها خيرا البتة. فإذا لم أملك هذا كيف أملك إنزال العذاب عليكم؟ إنما ذلك إلى الله هو المالك له والقادر على ذلك، لا يملك أحد ذلك سواه، وهو كقوله: (قل إنما أنا بشر مثلكم) [الكهف: 110].
وقوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) أي إذا جاء أجلهم لا يقدرون على تقديمه: ليس على أنهم لا يطلبون تأخيره ولا تقديمه، فيسألون ذلك، ولكن لا يؤخر إذا جاء، ولا يقدم قبل أجله.
وفيه دلالة ألا يهلك أحد قبل أجله...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
المملوكُ متى يكون له مِلْك؟! وإذا كان سيِّدُ البرايا- عليه الصلاة والسلام -لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.. فَمَنْ نَزَلَتْ رُتْبَتُه، وتقاصرَتْ حالتُه متى يملك ذرة أو تكون باختياره وإيثاره شمةٌ؟
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّا} من مرض أو فقر {وَلاَ نَفْعاً} من صحة أو غنى {إِلاَّ مَا شَاء الله} استثناء منقطع: أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب؟
{لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} يعني أن عذابكم له أجل مضروب عند الله وحدّ محدود من الزمان {إِذَا جَاء} ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة، فلا تستعجلوا...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{لكل أمة أجل} انفرد الله تعالى بعلم حده ووقته، فإذا جاء ذلك الأجل في موت أو هلاك أمة لم يتأخروا ساعة ولا أمكنهم التقدم عن حد الله عز وجل.
ثم أنه تعالى أمره بأن يجيب عن هذه الشبهة بجواب يحسم المادة وهو قوله: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله} والمراد أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار النصرة للأولياء لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه، وأنه تعالى ما عين لذلك الوعد والوعيد وقتا معينا حتى يقال: لما لم يحصل ذلك الموعود في ذلك الوقت، دل على حصول الخلف فكان تعيين الوقت مفوضا إلى الله سبحانه، إما بحسب مشيئته وإلهيته عند من لا يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح، وإما بحسب المصلحة المقدرة عند من يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته الله تعالى لحدوث ذلك الحادث، فإنه لا بد وأن يحدث فيه، ويمتنع عليه التقدم والتأخر...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
أي: لا أقول إلا ما علَّمني، ولا أقدر على شيء مما استأثر به إلا أن يُطلعني عليه، فأنا عبده ورسوله إليكم، وقد أخبرتكم بمجيء الساعة وأنها كائنة، ولم يطلعني على وقتها...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما تضمن قولهم هذا استعجاله صلى الله عليه وسلم بما يتوعدهم به، أمره بأن يتبرأ من القدرة على شيء لم يقدره الله عليه بقوله: {قل} أي لقومك المستهزئين {لا أملك لنفسي} فضلاً عن غيري؛ ولما كان السياق للنقمة، قدم الضر منبهاً على أن نعمه أكثر من نقمه؛ وأنهم في نعمه، عليهم أن يقيدوها بالشكر خوفاً من زوالها فضلاً عن أن يتمنوه فقال: {ضراً ولا نفعاً}.
ولما كان من المشاهد أن كل حيوان يتصرف في نفسه وغيره ببعض ذلك قال: {إلا ما شاء الله} أي المحيط علماً وقدرة أن أملكه من ذلك، فكأنه قيل: فما لك لا تدعوه بأن يشاء ذلك و يقدرك عليه؟ فقيل: {لكل أمة أجل} فكأنه قيل: و ماذا يكون فيه؟ فقيل: {إذا جاء أجلهم} هلكوا؛ ولما كان قطع رجائهم من الفسحة في الأجل من أشد عذابهم، قدم قوله: {فلا يستأخرون} أي عنه {ساعة} ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها {ولا يستقدمون} فلا تستعجلوه فإن الوفاء بالوعد لا بد منه. والسين فيهما بمعنى الوجدان، أي لا يوجد لهم المعنى الذي صيغ منه الفعل مثل: استشكل الشيء واستثقله، ويجوز كون المعنى: لا يوجدون التأخر ولا التقدم وإن اجتهدوا في الطلب، فيكون في السين معنى الطلب والملك قوة يتمكن بها من تصريف الشيء أتم تصريف، والنفع: إيجاب اللذة بفعلها والتسبب المؤدي إليها؛ والضر: إيجاب الألم بفعله أو التسبب إليه؛ والأجل: الوقت المضروب لوقوع أمر.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
وفي هذه أعظم واعظ، وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وكذلك من صار يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه.
فإن هذا مقام ربّ العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين، وجميع المخلوقين، ورزقهم، وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبيّ من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين، ما هو عاجز عنه غير قادر عليه، ويترك الطلب لربّ الأرباب القادر على كل شيء، الخالق الرازق المعطي المانع؟ وحسبك بما في هذه الآية موعظة، فإن هذا سيد ولد آدم، وخاتم الرسل، يأمره الله بأن يقول لعباده: لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً، فكيف يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه، فضلاً عن أن يملكه لغيره، فيا عجباً لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله عزّ وجلّ؟ كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا يتنبهون لما حلّ بهم من المخالفة لمعنى: لا إله إلا الله، ومدلول: {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ}؟ وأعجب من هذا: اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء، ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشدّ منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق، المحيي المميت، الضارّ النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومقرّبين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضرّ والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شرّ سماعه، والله ناصر دينه، ومطهر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقرّ به عينه، وينثلج به صدره، من كفر كثير من هذه الأمة المباركة {وَهُمْ يَحْسبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} {إنا لله وإنا إليه راجعون}.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
وههنا لقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب بقوله: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً ولاَ نَفْعاً} أي إني بشر رسول لا أملك لنفسي فضلا عن غيرها شيئا من التصرف في الضر فأدفعه عنها، ولا النفع فأجلبه لها، من غير طريق الأسباب التي يقدر غيري عليها، وليس منها إنزال العذاب بالكفار المعاندين، ولا هبة النصر للمؤمنين.
{إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ} أي لكن ما شاء الله من ذلك كان متى شاء، لا شأن لي فيه؛ لأنه خاص بالربوبية دون الرسالة التي وظيفتها التبليغ لا التكوين. هكذا قال جمهور المفسرين: إن الاستثناء هنا منقطع، وله أمثال تقدم بعضها، كقوله تعالى -وهو من أظهرها الصريح في هذا المقام- {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ ولَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ومَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].
والاختلاف بين الآيتين في تقديم ذكر الضر على النفع وتأخيره لاختلاف المقام، فقد قدم الضر في آية يونس لأنها جواب للمشركين عن ميعاد العذاب الذي أنذروا به، وهو من الضر، وقدم النفع في آية الأعراف لأن المقام بيان الحقيقة في نفسها، وهو أن الرسول لا يملك لنفسه شيئا من التصرف في الكون بغير الأسباب العامة فضلا عن ملكه لغيره، والمناسب في هذا تقديم النفع لأنه هو المقصود بالذات من تصرف الإنسان وسعيه لنفسه. وقيل: إن الاستثناء متصل، وحينئذ يكون المنفي المستثنى منه عالما لما يملكه الإنسان بالأسباب العادية، فيكون المعنى إلا ما شاء الله تعالى أن أملكه بما أعطاني من الكسب الاختياري مع تيسير أسبابه لي، وأما الآيات الخارقة للعادة فهي لله وحده، ولا مما يملكه رسله.
وقد أجاب سبحانه عن هذا السؤال بقوله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} لبقائها وهلاكها علِمه الله وقدره لها، لا يعلمه ولا يقدر عليه غيره.
{إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي فلا يملك رسولهم -من دونه تعالى- أن يقدمه ولا أن يؤخره ساعة عن الزمان المقدر له وإن قلّت، ولا أن يطلب ذلك منه تعالى، وهو معنى ما تدل عليه السين والتاء في الأصل، وقد حققنا معنى هذا النص في آية سورة الأعراف بلفظه فاستغرق أربع ورقات من جزء التفسير الثامن فليراجعه من شاء، إلا أنه قال هنالك {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون} [الأعراف: 34] الخ، وقال هنا {إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون} الخ والفرق بينهما أن ما هنا أبلغ في نفي تأخير الوعيد؛ لأنه تفنيد لاستعجالهم به، وذلك أنه جعل الجملة الشرطية وصفا للأجل مرتبطا به مباشرة لا يتخلف عنه، وما هنالك إخبار بآجال الأمم مبتدأ، وما بعده تفريع عليه، فهو لا يدل على لزومه له بلا مهملة كالذي هنا. وقد تكرر هذا السؤال من المشركين مع جوابه في سور أخرى، وأشبهه بما هنا سياق سورة النمل وأجيب فيها بقوله: {قل عسى أن يكون رديف لكم بعض الذي تستعجلون} [النمل: 72] وهو من ردفه إذا لحقه وتبعه، وعدى باللام لتأكيده أو تضمينه معنى يناسبه.
وقد بلغ من جهل الخرافيين من المسلمين بتوحيد الله أن مثل هذه النصوص من آيات التوحيد لم تصد الجاهلين به منهم عن دعوى قدرة الأنبياء والصالحين -حتى الميتين منهم- على كل شيء من التصرف في نفعهم وضرهم، مما لم يجعله الله تعالى من الكسب المقدور لهم بمقتضى سننه في الأسباب، بل يعتقدون أن منهم من يتصرفون في الكون كله...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والأجل قد ينتهي بالهلاك الحسي. هلاك الاستئصال كما وقع لبعض الأمم الخالية. وقد ينتهي بالهلاك المعنوي. هلاك الهزيمة والضياع. وهو ما يقع للأمم، إما لفترة تعود بعدها للحياة، وإما دائماً فتضمحل وتنمحي شخصيتها وتنتهي إلى اندثارها كأمة، وإن بقيت كأفراد.. وكل أولئك وفق سنة الله التي لا تتبدل، لا مصادفة ولا جزافا ولا ظلماً ولا محاباة. فالأمم التي تأخذ بأسباب الحياة تحيا والأمم التي تنحرف عنها تضعف أو تضمحل أو تموت بحسب انحرافها. والأمة الإسلامية منصوص على أن حياتها في اتباع رسولها، والرسول يدعوها لما يحييها. لا بمجرد الاعتقاد، ولكن بالعمل الذي تنص عليه العقيدة في شتى مرافق الحياة. وبالحياة وفق المنهج الذي شرعه اللّه لها، والشريعة التي أنزلها، والقيم التي قررها. وإلا جاءها الأجل وفق سنة اللّه...