روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (40)

{ إِنَّمَا قَوْلُنَا } استئناف لبيان التكوين على الإطلاق ابتداء أو إعادة بعد التنبيه على أنية البعث ومنه يعلم كيفيته فما كافة و { قَوْلُنَا } مبتدأ ، وقوله تعالى : { لشيء } متعلق به واللام للتبليغ كما في قولك : قلت لزيد قم فقام ، وقال الزجاج : هي لام السبب أي لأجل إيجاد شيء ، وتعقب بأنه ليس بواضح والمتبادر من الشيء هنا المعدوم وهو أحد إطلاقاته ، وقد برهن الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة على أن إطلاق الشيء على المعدوم حقيقة كإطلاقه على الموجود وألف ذلك رسالة جليلة سماها جلاء الفهوم ، ويعلم منها أن القول بذلك الإطلاق ليس خاصاً بالمعتزلة كما هو المشهور ، ولهذا أول هنا من لم يقف على التحقيق من الجماعة فقال : إن التعبير عنه بذلك باعتبار وجوده عند تعلق مشيئته تعالى به لا أنه كان شيئاً قبل ذلك .

وفي «البحر » نقلاً عن ابن عطية أن في قوله تعالى : { لشيء } وجهين : أحدهما : أنه لما كان وجوده حتماً جاز أن يسمى شيئاً وهو في حال العدم ، والثاني : أن ذلك تنبيه على الأمثلة التي ينظر فيها وأن ما كان منها موجوداً كان مراداً وقيل له كن فكان فصار مثالاً لما يتأخر من الأمور بما تقدم ، وفي هذا مخلص من تسمية المعدوم شيئاً اه ، وفيه من الخفاء ما فيه ، وأياً ما كان فالتنوين للتنكير أي لشيء أي شيء كان مما عز وهان { إِذَا } ظرف لقولنا أي وقت تعلق إرادتنا بإيجاده { أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ } في تأويل مصدر خبر للمبتدأ ، والسلام في { لَهُ } كاللام في { لشيء } { فَيَكُونُ } إما عطف على مقدر يفصح عنه الفاء وينسحب عليه الكلام أي فنقول ذلك فيكون ، وإما جواب لشرط محذوف أي فإذا قلنا ذلك فهو يكون ، وقيل : إنه بعد تقدير هو تكون الجملة خبراً لمبتدأ محذوف أي ما أردناه فهو يكون ، وكان في الموضعين تامة ، والذي ذهب إليه أكثر المحققين وذكره مقتصراً عليه شيخ الإسلام أنه ليس هناك قول ولا مقول له ولا أمر ولا مأمور حتى يقال : إنه يلزم أحد المحالين أما خطاب المعدوم أو تحصيل الحاصل ؛ أو يقال : { إِنَّمَا } مستدعية انحصار قوله تعالى في قوله تعالى : { كُنَّ } وليس يلزم منه انحصار أسباب التكوين فيه كما يفيده قوله سبحانه : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ يس : 82 ] فإن المراد بالأمر الشأن الشامل للقول والفعل ومن ضرورة انحصاره في كلمة كن انحصار أسبابه على الإطلاق في ذلك بل إنما هو تمثيل لسهولة تأتي المقدورات حسب تعلق مشيئته تعالى وتصوير لسرعة حدوثها بما هو علم في ذلك من طاعة المأمور المطيع لأمر الآمر المطاع ، فالمعنى إنما إيجادنا لشيء عند تعلق مشيئتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون ، ولما عبر عنه بالأمر الذي هو قول مخصوص وجب أن يعبر عن مطلق الإيجاد بالقول المطلق .

وقيل : إن الكلام على حقيقته وبذلك جرت العادة الإلهية ونسب إلى السلف ، وأجيب لهم عن حديث لزوم أحد المحذورين تارة بأن الخطاب تكويني ولا ضير في توجهه إلى المعدوم ، وتعقب بأنه قول بالتمثيل وتارة بأن المعدوم ثابت في العلم ويكفي في صحة خطابه ذلك حتى أن بعضهم قال بأنه مرئي له تعالى في حال عدمه ، وتعقب بما يطول ، وأما حديث الانحصار فقالوا إن الأمر فيه هين ، وقد مر بعض الكلام في هذا المقام .

واحتج بعض أهل السنة بالآية بناء على الحقيقة على قدم القرآن قال : إنها تدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فلو كان كن حادثاً لزم التسلسل وهو محال فيكون قديماً ومتى قيل بقدم البعض فليقل بقدم الكل ، وتعقب بأن كلمة إذا لا تفيد التكرار ولذا إذا قال لامرأته : إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرات لا تطلق إلا طلقة واحدة فلا يلزم أن يكون كل محدث محدثاً بكلمة كن فلا يلزم التسلسل على أن القول بقدم { كُنَّ } ضروري البطلان لما فيه من ترتب الحروف ، وكذا يقال في سائر الكلام اللفظي .

وقال الإمام : إن الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه : الأول : أن قوله تعالى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لشيء إِذَا أَرَدْنَاهُ } يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث ، والثاني : أنه علق القول بكلمة { إِذَا } ولا شك أنها تدخل للاستقبال ، والثالث : أن قوله تعالى : { أن نَّقُولُ } لا خلاف في أنه يبنىء عن الاستقبال . والرابع : أن قوله سبحانه : { كُنْ فَيَكُونُ } كن فيه مقدمة على حدوث المكون ولو بزمان واحد والمقدم على المحدث كذلك محدث فلا بد من القول بحدوث الكلام . نعم إنها تشعر بحدوث الكلام اللفظي الذي يقول به الحنابلة ومن وافقهم ولا تشعر بحدوث الكلام النفسي . والأشاعرة في المشهور عنهم لا يدعون إلا قدم النفسي وينكرون قدم اللفظي ، وهو بحث أطالوا الكلام فيه فليراجع ، وما ذكر من دلالة { إِذَا } و { نَّقُولُ } على الاستقبال هو ما ذكره غير واحد ، لكن نقل أبو حيان عن ابن عطية أنه قال : ما في ألفاظ هذه الآية من معنى الاستقبال والاستئناف إنما هو راجع إلى المراد لا إلى الإرادة ، وذلك أن الأشياء المرادة المكونة في وجودها استئناف واستقبال لا في إرادة ذلك ولا في الأمر به لأن ذينك قديمان فمن أجل المراد عبر بإذا ونقول . وأنت تعلم أنه لا كلام في قدم الإرادة لكنهم اختلفوا في أنها هل لها تعلق حادث أم لا ؛ فقال بعضهم بالأول ، وقال آخرون : ليس لها إلا تعلق أزلي لكن بوجود الممكنات فيما لا يزال كل في وقته المقدر له .

فالله تعالى تعلقت إرادته في الأزل بوجود زيد مثلاً في يوم كذا وبوجود عمرو في يوم كذا وهكذا ، ولا حاجة إلى تعلق حادث في ذلك اليوم ، وأما الأمر فالنفسي منه قديم واللفظي حادث عن القائلين بحدوث الكلام اللفظي ، وأما الزمان فكثيراً ما لا يلاحظ في الأفعال المستندة إليه تعالى ، واعتبر كان الله تعالى ولا شيء معه وخلق الله تعالى العالم ونحو ذلك ولا أرى هذا الحكم مخصوصاً فيما إذا فسر الزمان بما ذهب إليه الفلاسفة بل يطر في ذلك وفيما إذا فسر بما ذهب إليه المتكلمون فتأمل والله تعالى الهادي .

وجعل غير واحد الآية لبيان إمكان البعث ، وتقريره أن تكوين الله تعالى بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق المواد والمدد وإلا لزم التسلسل ، وكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة ومثال أمكن له تكوينها إعادة بعده ، وظاهره أنه قول بإعادة المعدوم ، وظواهر كثير من النصوص أن البعث بجمع الأجزاء المتفرقة ، وسيأتي تحقيق ذلك كما وعدناك آنفاً إن شاء الله تعالى .

وقرأ ابن عامر . والكسائي ههنا وفي يس ( 82 ) { فَيَكُونُ } بالنصب ، وخرجه الزجاج على العطف على { نَّقُولُ } أي فإن يكون أو على أن يكون جواب { كُنَّ } ، وقد رد هذا الرضي وغيره بأن النصب في جواب الأمر مشروط بسببية مصدر الأول للثاني وهو لا يمكن هنا لاتحادهما فلا يستقيم ذاك ، ووجه بأن مراده أنه نصب لأنه مشابه لجواب الأمر لمجيئه بعده وليس بجواب له من حيث المعنى لأنه لا معنى لقولك : قلت لزيد اضرب تضرب .

وتعقب بأنه لا يخفى ضعفه وأنه يقتضي إلغاء الشرط المذكور ، ثم قيل : والظاهر أن يوجه بأنه إذا صدر مثله عن البليغ على قصد التمثيل لسرعة التأثير بسرة مبادرة المأمور إلى الامتثال يكون المعنى إن أقل لك اضرب تسرع إلى الامتثال فيكون المصدر المسبب عنه مسبوكاً من الهيئة لا من المادة ، ومصدر الثاني من المادة أو محصل المعنى وبه يحصل التغاير بين المصدرين ويتضح السببية والمسببية ، وقال بعضهم : إن مراد من قال إن النصب للمشابهة لجواب الأمر أن { فَيَكُونُ } كما في قراءة الرفع معطوف على ما ينسحب عليه الكلام أو هو بتقدير فهو يكون خبر لمبتدأ محذوف إلا أنه نصب لهذه المشابهة ، وفيه ما فيه .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (40)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال سبحانه: {إنما قولنا}، يعني أمرنا... {لشيء إذا أردناه أن نقول له} مرة واحدة {كن فيكون} لا يثني قوله مرتين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائناهم، ولا في غير ذلك مما نخلق ونكوّن ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه فإنما نقول له كن فيكون، لا معاناة فيه ولا كُلفة علينا...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (يحتمل وجهين:

أحدهما:) يخبر عن سرعة نفاذ أمره وسهولة الأمر عليه أنه يكون أسرع من لحظة بصر أو لمحة عين...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... {كُنْ فَيَكُونُ} من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له: احدث، فهو يحدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل لأنّ مراداً لا يمتنع عليه، وأنّ وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف، كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول ثم. والمعنى: أنّ إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

... كما قال {وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50] وقال: {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28]، وقال في هذه الآية الكريمة: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40].

أي: أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف، لأنه [هو] الواحد القهار العظيم، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء، فلا إله إلا هو ولا رب سواه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

هذه الجملة متّصلة بجملة {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [سورة النحل: 38] لبيان أنّ جهلهم بمَدى قدرة الله تعالى هو الذي جرّأهم على إنكار البعث واستحالته عندهم، فهي بيان للجملة التي قبلها ولذلك فُصلت، ووقعتْ جملة {ليبين لهم الذين يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا} [سورة النحل: 39] إلى آخرها اعتراضاً بين البيان والمبيّن.

{إذا أردناه} إذا تعلّقت به الإرادة الإلهية تعلّقاً تنجيزياً، فإذا كان سبب التكوين ليس زائداً على قول {كن} فقد بطل تعذّر إحياء الموتى. ولذلك كان هذا قصر قلب لإبطال اعتقاد المشركين. والشيء: أطلق هنا على المعدوم باعتبار إرادة وجوده، فهو من إطلاق اسم ما يؤول إليه، أو المرادُ بالشيء مطلق الحقيقة المعلومة وإن كانت معدومة، وإطلاق الشيء على المعدوم مستعمل.

والمراد بقول {كن} توجّه القدرة إلى إيجاد المقدور. عُبر عن ذلك التوجّه بالقول بالكلام كما عبّر عنه بالأمر في قوله: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [سورة يس: 82] وشبّه الشيء الممكن حصوله بشخص مأمور، وشبّه انفعال الممكن لأمْرِ التكوين بامتثال المأمور لأمر الآمر. وكلّ ذلك تقريب للناس بما يعقلون، وليس هو خطاباً للمعدوم ولا أن للمعدوم سمعاً يعقل به الكلام فيمتثل للآمر.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

إذن: أمر البعث ليس علاجاً لجزئيات كل شخص وضم أجزائه وتسويته من آدم حتى قيام الساعة، بل المسألة منضبطة تماماً مع الأمر الإلهي (كن). وبمجرد صدوره، ودون حاجة لوقت ومزاولة يكون الجميع ماثلاً طائعاً، كل واحد منتظر دوره، منتظر الإشارة؛ ولذلك جاء في الخبر:"أمور يبديها ولا يبتديها". فالأمر يتوقف على الإذن: اظهر يظهر. ومثال ذلك ولله المثل الأعلى من يعد القنبلة الزمنية مثلاً، ويضبطها على وقت معين.. تظل القنبلة هذه إلى وقت الانفجار الذي وضع فيها، ثم تنفجر دون تدخل من صناعها.. مجرد الإذن لها بالانفجار تنفجر. وحتى كلمة (كن) نفسها تحتاج لزمن، ولكن ليس هناك أقرب منها في الإذن.. وإن كان الأمر في حقه تعالى لا يحتاج إلى كن ولا غيره.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

...ولعل المراد بالقول، الإرادة التكوينية لا الكلمة. ولكنها الكناية التي توحي بأن الأشياء حاضرةٌ للوجود أمامه سبحانه خاضعةٌ لإرادته بلسان استعدادها، كما لو كانت موجوداتٍ حيّةً عاقلةً تتلقى الأمر بالكلمة، فتستجيب بالممارسة.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ثمّ يشير القرآن إلى الفقرة الثّانية من بيان حقيقة المعاد، للرد على مَنْ يرى عدم إمكان إِعادة الإِنسان من جديد إلى الحياة من بعد موته: (إِنّما قولنا لشيء إِذا أردناه أن نقول له كن فيكون).

فمع هذه القدرة التامّة.. هل ثمّة شك أو ترديد في قدرته عز وجل على إِحياء الموتى؟!

ولعل لا حاجة لتبيان أنَّ «كن» إِنّما ذكرت لضرورة اللفظ، وإِلاّ لا حاجة في أمر اللّه ل «كن» أيضاً، فإرادته سبحانه وتعالى كافية في تحقيق ما يريد. ولو أردنا أن نضرب مثلا صغيراً ناقصاً من حياتنا (و لله المثل الأعلى)، فنستطيع أنْ نشبهه بانطباع صورة الشيء في أذهاننا لمجرد إِرادته، فإِنّنا لا نعاني من أية مشكلة في تصور جبل شامخ أو بحر متلاطم أو روضة غناء، ولا نحتاج في ذلك لجملة أو كلمة نطلقها حتى نتخيل ما نريد، فبمجرّد إِرادة التصور تظهر الصورة في ذهننا.