روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا} (35)

{ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } أي كل ما هو جنة له يتمتع بها بناءاً على أن الإضافة للاستغراق والعموم فتفيد ما أفادته التثنية مع زيادة وهي الإشارة إلى أنه لا جنة له غير ذلك ولا حظ له في الجنة التي وعد المتقون وإلى هذا ذهب الزمخشري وهو معنى لطيف دق تصوره على أبي حيان فتعقبه بما تعقبه . واختار أن الإفراد لأن الدخول لا يمكن أن يكون في الجنتين معاً في وقت واحد وإنما يكون في واحدة واحدة وهو خال عما أشير إليه من النكتة .

وكذا ما قيل إن الإفراد لاتصال إحداهما بالأخرى . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال في قوله تعالى : { جَعَلْنَا لاِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ } [ الكهف : 32 ] الخ الجنة البستان فكان له بستان واحد وجدار واحد وكان بينهما نهر فلذلك كان جنتين وسماه سبحانه جنة من قبل الجدار المحيط به وهو كما ترى ، والذي يدل عليه السياق والمحاورة أن المراد ودخل جنته مع صاحبه { وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ } جملة حالية أي وهو ضار لنفسه بكفره حيث عرضها للهلاك وعرض نعمتها للزوال أو واضع الشيء في غير موضعه حيث كان اللائق به الشكر والتواضع لا ما حكى عنه .

{ قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من ذكر دخول جنته حال ظلمه لنفسه كأنه قيل فماذا قال إذ ذاك ؟ فقيل قال : { مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ } أي تهلك وتفنى يقال باديبيد بيدا وبيودا وبيدودة إذا هلك { هذه } أي الجنة { أَبَدًا } أي طول الحياة فالمراد بالتأبيد طول المكث لا معناه المتبادر ، وقيل يجوز أن يكون أراد ذلك لأنه لجهله وإنكاره قيام الساعة ظن عدم فناء نوعها وإن فنى كل شخص من أشجارها نحو ما يقوله الفلاسفة القائلون بقدم العالم في الحركات الفكلية وليس بشيء ، وقيل ما قصد إلا أن هذه الجنة المشاهدة بشخصها لا تفنى على ما يقوله الفلاسفة على المشهور في الأفلاك أنفسها وكأن حب الدنيا والعجب بها غشي على عقله فقال ذلك وإلا فهو مما لا يقوله عاقل وهو مما لا يرتضيه فاضل ، وقيل { هذه } إشارة إلى الأجرام العلوية والأجسام السفلية من السموات والأرض وأنواع المخلوقات أو إشارة إلى الدنيا والمآل واحد والظاهر ما تقدم ، وأياً ما كان فلعل هذا القول كان منه بمقابلة موعظة صاحبه وتذكيره بفناء جنتيه ونهيه عن الاغترار بهما وأمره بتحصيل الصالحات الباقيات .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ } [ الكهف : 35 ] في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا} (35)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ودخل} الكافر {جنته}، وهو بستانه، {وهو ظالم لنفسه قال ما أظن}، يعني: ما أحسب، {أن تبيد}، يعني: أن تهلك، {هذه} الجنة {أبدا}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب دَخَلَ جَنّتَهُ وهي بستانه "وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ "وظلمه نفسه: كفره بالبعث، وشكه في قيام الساعة، ونسيانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله وأليم عقابه.

"قالَ ما أظُنّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدا" يقول جلّ ثناؤه: قال لما عاين جنته، ورآها وما فيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار المطردة شكا في المعاد إلى الله: ما أظنّ أن تبيد هذه الجنة أبدا، ولا تفنى ولا تخْرب، وما أظنّ الساعة التي وعد الله خلقه الحشر فيها تقوم فتحدث، ثم تمنى أمنية أخرى على شكّ منه، فقال: "وَلَئِنَ رُدِدْتُ إلى رّبي" فرجعت إليه -وهو غير موقن أنه راجع إليه- "لأَجِدَنّ خَيْرا مِنْها مُنْقَلَبا" يقول: لأجدنّ خيرا من جنتي هذه عند الله إن رددت إليه مرجعا ومردّا، يقول: لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ولي عنده أفضل منها في المعاد إن رددت إليه.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

... أخبر الله تعالى عن أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل، وهو صاحب الجنتين أنه دخل جنته وهي البستان الذي يجنه الشجر ويحفه الزهر، "وهو ظالم لنفسه "أي باخس لها حقها بارتكاب القبيح والإخلال بالواجب اللذين يستحق بهما العقاب ويفوته بهما الثواب، فلما رأى هذا الجاهل ما راقه وشاهد ما أعجبه، وكبر في نفسه توهم أنه يدوم، وأن مثله لا يفنى.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته ماله جنة غيرها، يعني أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما.

{وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} وهو معجب بما أوتي مفتخر به كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم. إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته لطول أمله واستيلاء الحرص عليه وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله. وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... في الكلام تساخف واغترار مفرط وقلة تحصيل، وكأنه من شدة العجب بل والسرور أفرط في وصفها بهذا القول.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة ماله فأخبر الله تعالى عن هذه الحالة فقال: {ودخل جنته} وأراه إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور وأخبره بصنوف ما يملكه من المال، فإن قيل: لم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلنا: المراد أنه ليس له جنة ولا نصيب في الجنة التي وعد المتقون المؤمنون وهذا الذي ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدا منهما، ثم قال تعالى: {وهو ظالم لنفسه} وهو اعتراض وقع في أثناء الكلام، والمراد التنبيه على أنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى الكفران والجحود لقدرته على البعث كان واضعا تلك النعم في غير موضعها، ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال: {وما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة} فجمع بين هذين، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد أبدا مع أنها متغيرة متبدلة.

فإن قيل: هب أنه شك في القيامة فكيف قال: ما أظن أن تبيد هذه أبدا مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية؟ قلنا: المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{ودخل جنته} وحد لإرادة الجنس ودلالة على ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة، وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه لا حظ له في الآخرة {وهو} أي والحال أنه {ظالم لنفسه} بالاعتماد على ماله والإعراض عن ربه؛ ثم استأنف بيان ظلمه بقوله: {قال} لما استولى عليه من طول أمله وشدة حرصه وتمادي غفلته واطراحه للنظر في العواقب بطول المهلة وسبوغ النعمة: {ما أظن أن تبيد} أي تهلك هلاكاً ظاهراً مستولياً {هذه أبداً}

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جملة {ودخل جنته} في موضع الحال من ضمير {قال}، أي قال ذلك وقد دخل جنته مرافقاً لصاحبه، أي دخل جنته بصاحبه، كما يدل عليه قوله: {قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً}، لأن القول لا يكون إلا خطاباً لآخر، أي قال له، ويدل عليه أيضاً قوله: {قال له صاحبه وهو يحاوره} [الكهف: 37]. ووقوع جواب قوله: {أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً} في خلال الحوار الجاري بينهما في تلك الجنة.

ومعنى {وهو ظالم لنفسه} وهو مشرك مكذب بالبعث بطر بنعمة الله عليه.

وإنما أفرد الجنة هنا وهما جنتان لأن الدخول إنما يكون لإحداها لأنه أول ما يدخل إنما يدخل إحداهما قبل أن ينتقل منها إلى الأخرى، فما دخل إلا إحدى الجنتين.

والظن بمعنى: الاعتقاد، وإذا انتفى الظن بذلك ثبت الظن بضده.

وتبيد: تهلك وتفنى.

والإشارة بهذا إلى الجنة التي هما فيها، أي لا أعتقد أنها تنتقض وتضمحل.

والأبَد: مراد منه طول المدة، أي هي باقية بقاء أمثالها لا يعتريها ما يبيدها. وهذا اغترار منه بغناه واغترار بما لتلك الجنة من وثوق الشجر وقوته وثبوته واجتماع أسباب نمائه ودوامه حولَه، من مياه وظلال.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} لأن أفكاره خيالية لا ترتكز على أساس من الواقع، وخطواته العملية لا تنطلق في الطريق المستقيم، ولا تلتقي بالإيمان بالله من قريبٍ أو من بعيدٍ. ومضى يسير في مشيته الزاهية بالكبَر والخيلاء، وهو يعيش أحلام الخلود في ذاته وفي ملكه، كما لو لم يكن هناك موت. {قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} فهذه الخضرة التي تزهو بالحياة بكل جنباتها، وهذه الينابيع المتدفقة في ساحاتها، وهذه الأشجار الشامخة في أجوائها... هي المظهر الحيّ على قوّة الحياة في داخلها، ما يجعل فكرة فنائها فكرةً لا تملك أيّة واقعيةٍ وأيّ احتمال.