روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ} (21)

{ قَالَ } أي الله عز وجل ، والجملة استئناف كما سبق { خُذْهَا } أي الحية وكانت على ما روي عن ابن عباس ذكراً ، وعن وهب أنه تعالى قال له : خذها بيمينك { وَلاَ تَخَفْ } منها ، ولعل ذلك الخوف مما اقتضته الطبيعة البشرية فإن البشر بمقتضى طبعه يخاف عند مشاهدة مثل ذلك وهو لا ينافي جلالة القدر .

وقيل : إنما خاف عليه السلام لأنه رأى أمراً هائلاً صدر من الله عز وجل بلا واسطة ولم يقف على حقيقة أمره وليس ذلك كنار إبراهيم عليه السلام لأنها صدرت على يد عدو الله تعالى وكانت حقيقة أمرها كنار على علم فلذلك لم يخف عليه السلام منها كما خاف موسى عليه السلام من الحية ، وقيل : إنما خاف لأنه عرف ما لقي من ذلك حيث كان له مدخل في خروج أبيه من الجنة ، وإنما عطف النهي على الأمر للاشعار بأن عدم المنهى عنه مقصود لذاته لا لتحقيق المأمور به فقط ، وقوله تعالى : { سَنُعِيدُهَا } أي بعد الأخذ { سِيَرتَهَا } أي حالتها { الاولى } التي هي العصوية استئناف مسوق لتعليل الامتثال بالأمر والنهي فإن إعادتها إلى ما كانت عليه من موجبات أخذها وعدم الخوف منها ، ودعوى أن فيه مع ذلك عدة كريمة بإظهار معجزة أخرى على يده عليه السلام وإيذاناً بكونها مسخرة له عليه السلام ليكون على طمأنينة من أمره ولا تعتريه شائبة تزلزل عند محاجة فرعون لا تخلو عن خفاء ، وذكر بعضهم أن حكمة انقلابها حية وأمره بأخذها ونهيه عن الخوف تأنيسه فيما يعلم سبحانه أنه سيقع منه مع فرعون ، ولعل هذا مأخذ تلك الدعوى .

قيل : بلغ عليه السلام عند هذا الخطاب من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها ويأخذ بلحييها ، وفي رواية الإمام أحمد . وغيره عن وهب أنه لما أمره الله تعالى بأخذها أدنى طرف المدرعة على يده وكانت عليه مدرعة من صوف قد خلها بخلال من عيدان فقال له مالك : أرأيت يا موسى لو أذن الله تعالى بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً ؟ قال : لا ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حس الاضراس والانياب ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها فيه إذا توكأ بين الشعبيتين ، والرواية الأولى أوفق بمنصبه الجليل عليه السلام . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام نودي المرة الأولى يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية { خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ } فلم يأخذها ثم نودي الثالثة { إِنَّكَ مِنَ الامنين } فأخذها ، وذكر مكي في تفسيره أنه قيل له في المرة الثالثة : { سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الاولى } ، ولا يخفى أن ما ذكر بعيد عن منصب النبوة فلعل الخبر غير صحيح .

والسيرة فعلة من السير تقال للهيئة والحالة الواقعة فيه ثم جردت لمطلق الهيئة والحالة التي يكون عليها الشيء ، ومن ذلك استعمالها في المذهب والطريقة في قولهم : سيرة السلف وقول الشاعر :

فلا تغضبن من سيرة أنت سرتها *** فأول راض سيرة من يسيرها

واختلف في توجيه نصبها في الآية فقيل : إنها منصوبة بنزع الخافض والأصل إلى سيرتها أو لسيرتها وهو كثير وإن قالوا : إنه ليس بمقيس ، وهذا ظاهر قول الحوفي : إنها مفعول ثان لسنعيدها على حذف الجار نحو { واختار موسى قَوْمَهُ } [ الأعراف : 155 ] وإليه ذهب ابن مالك وارتضاه ابن هشام ، وجوز الزمخشري أن يكون أعاد منقولا من عاده بمعنى عاد إليه ، ومنه قول زهير :

فصرم حبلها إذ صرمته *** وعادك أن تلاقيها عداء

فيتعدى إلى مفعولين ، والظاهر أنه غير التوجيه الأول لاعتبار النقل فيه والخافض يحذف من أعاد من غير نظر إلى ثلاثيه ؛ وتعدى عاد بنفسه مما صح به النقل ، فقد نقل الطيبي عن الأصمعي أن عادك في البيت متعد بمعنى صرفك ، وكذا نقل الفاضل اليمنى . وفي المغرب العود الصيرورة ابتداء وثانيا ويتعدى بنفسه وبإلى وعلى وفي واللام .

/ وفي مشارق اللغة للقاضي عياض مثله ، ونقل عن الحديث «أعدت فتانا يا معاذ ؟ » . وقال أبو البقاء : هي بدل من ضمير المفعول بدل اشتمال ، وجوز أن يكون النصب على الظرفية أي سنعيدها في طريقتها الأولى .

وتعقبه أبو حيان قائلاً : إن سيرتها وطريقتها ظرف مختص فلا يتعدى إليه الفعل على طريقة الظرفية إلا بوساطة في ولا يجوز الحذف إلا في ضرورة أو فيما شذت فيه العرب ، وحاصله أن شرط الانتصاب على الظرفية هنا وهو الإبهام مفقود ، وفي شرح التسهيل عن نحاة المغرب أنهم قسموا المبهم إلى أقسام منها المشتق من الفعل كالمذهب والمصدر الموضوع موضع الظرف نحو قصدك ولم يفرقوا بين المختوم بالتاء وغيره فالنصب على الظرفية فيما ذكر غير شاذ ولا ضرورة ، وجوز الزمخشري واستحسنه أن يكون { سَنُعِيدُهَا } مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى أنها أنشئت أول ما أنشئت عصا ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية فسنعيدها بعد الذهاب كما أنشأناها أولا ، و { سِيَرتَهَا } منصوبا على أنه مفعول مطلق لفعل مقدر أي تسير سيرتها الأولى أي سنعيدها سائرة سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها وتهش بها على غنمك ولك فيها المآرب التي عرفتها انتهى .

والظاهر أنه جعل الجملة من الفعل المقدر وفاعله حالا ، ويجوز أن يكون استئنافاً ، ولا يخفى عليك أن ما ذكره وإن حس معنى إلا أنه خلاف المتبادر ، هذا والآية ظاهرة في جواز انقلاب الشيء عن حقيقته كانقلاب النحاس إلى الذهب وبه قال جمع ، ولا مانع في القدرة من توجه الأمر التكويني إلى ذلك وتخصيص الإرادة له ، وقيل : لا يجوز لأن قلب الحقائق محال والقدرة لا تتعلق به والحق الأول بمعنى أنه تعالى يخلق بدل النحاس مثلاً ذهباً على ما هو رأي بعض المحققين أو بأن يسلب عن أجزاء النجاس الوصف الذي صار به نحاساً ويخلق فيه الوصف الذي يصير به ذهباً على ما هو رأي بعض المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات ، والمحال إنما هو انقلابه ذهباً مع كونه نحاساً لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاساً وذهباً ، وانقلاب العصا حية كان بأحد هذين الاعتبارين والله تعالى أعلم بأيهما كان ، والذي أميل إليه الثاني فإن في كون خلق البدل انقلاباً خفاء كما لا يخفى .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ} (21)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

قوله:"قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ" يقول تعالى ذكره: قال الله لموسى: خذ الحية... "وَلا تَخَفْ "يقول: ولا تخف من هذه الحية، "سَنُعِيدُها سِيرَتها الأُولى"، يقول: فإنا سنعيدها لهيئتها الأولى التي كانت عليها قبل أن نصيّرها حية، ونردّها عصا كما كانت. يقال لكل من كان على أمر فتركه، وتحوّل عنه ثم راجعه: عاد فلان سيرته الأولى، وعاد لسيرته الأولى، وعاد إلى سيرته الأولى... عن مجاهد "سِيرَتها الأُولى" قال: هيئتها.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... كأن موسى خاف حين صارت حية، وهو ما قال في آية أخرى: {فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا} [النمل: 10 والقصص: 31] فعند ذلك قال له: {خذها ولا تخف} وأخبره أنه يعيدها عصا على ما كانت.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

لما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفار ما يملك البشر عند الأهوال والمخاوف...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

لما نودي موسى وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه معبوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلم خاف؟.

والجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك قط...

وعند الفزع الشديد قد يذهل الإنسان عنه...

وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان ذلك أمراً مخيفاً، استشرف السامع إلى ما يكون من حاله عند مثل هذا بعد ذلك، فاستأنف إخباره بقوله: {قال} أي الله تبارك وتعالى على ما يكون منها عند فرعون لأجل التدريب: {خذها ولا تخف} مشيراً إلى أنه خاف منها على عادة الطبع البشريّ؛ ثم علل له النهي عن الخوف بقوله {سنعيدها} أي بعظمتنا عند أخذك لها بوعد لا خلف فيه {سيرتها} أي طريقتها {الأولى} من كونها عصا، فهذه آية بينة على أن الذي يخاطبك هو ربك الذي له الأسماء الحسنى، فنزلت عليه السكينة، وبلغ من طمأنينته أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيتها، فإذا هي عصاه، ويده بين شعبتيها.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وقعت المعجزة فدهش لها موسى وخاف: (قال: خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) ونردها عصا. والسياق هنا لا يذكر ما ذكره في سورة أخرى من أنه ولى مدبرا ولم يعقب. إنما يكتفي بالإشارة الخفيفة إلى ما نال موسى -عليه السلام- من خوف: ذلك أن ظل هذه السورة ظل أمن وطمأنينة، فلا يشوبه بحركة الفزع والجري والتولي بعيدا. واطمأن موسى والتقط الحية، فإذا هي تعود سيرتها الأولى! عصا!.. ووقعت المعجزة في صورتها الأخرى. صورة سلب الحياة من الحي، فإذا هو جامد ميت، كما كان قبل أن تدركه المعجزة الأولى..

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

كانت هذه المسألة تدريبا لموسى –عليه السلام – وتجربة، فللعصا مهمة في رسالته، وسوف تكون هي معجزته في صراعه مع فرعون حين يضرب بها البحر وفي دعوته لبني إسرائيل حين يضرب بها الحجر فيتفجر منه الماء. وقد عالج القرآن هذه القصة في لقطات مختلفة، فمرة يقول عن العصا كأنها ثعبان، ومرة يقول: حية. وأخرى يقول: جان، لذلك اعترض البعض على هذه الاختلافات، فأيها كانت العصا؟ الحقيقة أنها صور مختلفة للعصا حينما انقلبت، فمن ناحية قتلتها المميتة هي حية، ومن ناحية ضخامتها هي ثعبان، ومن ناحية خفة حركتها هي جان، وكل هذه الخصائص كانت في العصا، وحين تجمع كل هذه اللقطات تعطيك الصورة الكاملة للعصا بعد أن صارت حية. فآيات القرآن – إذن – تتكامل لترسم الصورة المرادة للحق تبارك وتعالى.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وبالرغم من أن خوف موسى هنا قد أثار التساؤل لدى بعض المفسّرين بأن هذه الحالة كيف تناسب موسى مع الشجاعة التي عهدناها لدى موسى، وأثبتها عملياً طوال عمره عند محاربته الفراعنة؟ إِضافة إِلى صفات وشروط الأنبياء بصورة عامّة. إِلاّ أنّ الجواب عن هذا السؤال يتّضح بملاحظة نكتة واحدة، وهي أن من الطبيعي أن كل إِنسان، مهما كان شجاعاً وغير هياب، إِذا رأى فجأة قطعة خشب تتحول إِلى حية عظيمة وتتحرك بسرعة، فلابدّ أن يرتبك ويخاف ولو لمدّة قصيرة ويسحب نفسه جانباً توقياً، إِلاّ أن يكون هذا المشهد قد تكرر أمامه مراراً، ورد الفعل الطبيعي هذا لا يكون نقطة ضعف ضد موسى أبداً. ولا تنافي الآية (39) من سورة الأحزاب حيث تقول: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إِلاّ الله) فإِن هذا الخوف طبيعي ومؤقت وسريع الزوال أمام حادثة لم تحدث من قبل قط، وخارق للعادة.