{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } برهان على ما أنكر من خلودهم وفيه تأكيد لقوله سبحانه : { وَمَا جَعَلْنَا } [ الأنبياء : 34 ] الخ ، والموت عند الشيخ الأشعري كيفية وجودية تضاد الحياة ، وعند الإسفرايني وعزي للأكثرين أنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة بالفعل فيكون عدم تلك الحياة كما في العمى الطارىء على البصر لا مطلق العمى فلا يلزم كون عدم الحياة عن الجنين عند استعداده للحساة موتاً ، وقيل عدم الحياة عما من شأنه الحياة مطلقاً فيلزم ذلك ولا ضير لقوله تعالى : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [ البقرة : 28 ] واستدل الأشعري على كونه وجودياً بقوله تعالى : { الذى خَلَقَ الموت والحياة } [ الملك : 2 ] فإن الخلق هو الإيجاد والإخراج من العدم وبأنه جائز والجائز لا بد له من فاعل والعدم لا يفعل . وأجيب عن الأول بأنه يجوز أن يكون بمعنى التقدير وهو أعم من الإيجاد ولو سلم كونه بمعنى الإيجاد فيجوز أن يراد بخلق الموت إيجاد أسبابه أو يقدر المضاف وهو غير عزيز في الكلام ، وعن الأستاذ أن المراد بالموت الآخرة والحياة الدنيا لما روى عن ابن عباس تفسيرهما بذلك ، وعن الثاني بأن الفاعل قد يريد العدم كما يريد الحياة فالفاعل يعدم الحياة كما يعدم البصر مثلاً .
وقال اللقاني : الظاهر قاض بما عليه الأشعري والعدول عن الظاهر من غير داع غير مرضي عند العدول ، وكلامه صريح في أنه عرض . وتوقف بعض العلماء القائلين بأنه وجودي في أنه جوهر أو عرض لما أن في بعض الأحاديث أنه معنى خلقه الله تعالى في كف ملك الموت ، وفي بعضها أن الله تعالى خلقه على صورة كبش لا يمر بشيء يجد ريحه إلا مات ، وجل عبارات العلماء أنه عرض يعقب الحياة أو فساد بنية الحيوان ، والأول غير مانع والثاني رسم بالثمرة ، وقريب منه ما قاله بعض الأفاضل : إنه تعطل القوى لانطفأ الحرارة الغريزية التي هي آلتها فإن كان ذلك لانطفأ الرطوبة الغريزية فهو الموت الطبيعي وإلا فهو الغير الطبيعي ، والناس لا يعرفون من الموت إلا انقطاع تعلق الروح بالبدن التعلق المخصوص ومفارقتها إياه ، والمراد بالنفس النفس الحيوانية وهي مطلقاً أعم من النفس الإنسانية كما أن الحيوان مطلقاً أعم من الإنسان .
والنفوس عند الفلاسفة ومن حذا حذوهم ثلاثة . النباتية . والحيوانية . والفلكية والنفس مقولة على الثلاثة بالاشتراك اللفظي على ما حكاه الإمام في الملخص عن المحققين . وبالاشتراك المعنوي على ما يقتضيه كلام الشيخ في الشفاء ، وتحقيق ذلك في محله ، وأرادة ما يشمل الجميع هنا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ، وقال بعضم : المراد بها النفس الإنسانية لأن الكلام مسوق لنفي خلود البشر ، واختير عمومها لتشمل نفوس البشر والجن وسائر أنواع الحيوان ولا يضر ذلك بالسوق بل هو أنفع فيه ، ولا شك في موت كل من أفراد تلك الأنواع ، نعم اختلف في أنه هل يصح إرادة عمومها بحيث تشمل نفس كل حي كالملك وغيره أم لا بناء على الاختلاف في موت الملائكة عليهم السلام والحور العين فقال بعضهم : إن الكل يموتون ولو لحظة لقوله تعالى : { كُلُّ شيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] وقال بعضهم : إنهم لا يموتون لدلالة بعض الأخبار على ذلك ، والمراد من كل نفس النفوس الأرضية والآية التي استدل بها مؤولة بما ستعلمه إن شاء الله تعالى وهم داخلون في المستثنى في قوله تعالى : { وَنُفِخَ في الصور فَصَعِقَ مَن في السموات وَمَن في الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله } [ الزمر : 68 ] أو لا يسلم أن كل صعق موت ، وقال بعضهم : إن الملائكة يموتون والحور لا تموت ، وقال آخرون : إن بعض الملائكة عليهم السلام يموتون وبعضهم لا يموت كجبريل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام ورجح قول البعض ، ولا يرد أن الموت يقتضي مفارقة الروح البدن والملائكة عليهم السلام لا أبدان لهم لأن القائل بموتهم يقول بأن لهم أبداناً لكنها لطيفة كما هو الحق الذي دلت عليه النصوص ، وربما يمنع اقتضاء الموت البدن .
وبالغ بعضهم فادعى أن النفوس أنفسها تموت بعد مفارقتها للبدن وإن لم تكن بعد المفارقة ذات بدن ، وكأنه يلتزم تفسير الموت بالعدم والاضمحلال ، والحق أنها لا تموت سواء فسر الموت بما ذكر أم لا ، وقد أشار أحمد بن الحسين الكندي إلى هذا الاختلاف بقوله :
تنازع الناس حتى لا اتفاق لهم *** إلا على شجب والخلف في شجب
فقيل تخلص نفس المرء سالمة *** وقيل تشرك جسم المرء في العطب
وذهب الإمام إلى العموم في الآية إلا أنه قال : هو مخصوص فإن له تعالى نفساً كما قال سبحانه حكاية عن عيسى عليه السلام { تَعْلَمُ مَا في نفسي وَلاَ أَعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ } [ المائدة : 116 ] مع أن الموت مستحيل عليه سبحانه ، وكذا الجمادات لها نفوس وهي لا تموت ، ثم قال : والعام المخصوض حجة فيبقى معمولاً به على ظاهره فيما عدا ما أخرج منه ، وذلك يبطل قول الفلاسفة في الأرواح البشرية والعقول المفارقة والنفوس الفلكية أنها لا تموت اه ، وفيه أنه إن أراد بالنفس الجوهر المتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصريف كما قاله الفلاسفة ومن وافقهم أو الجسم النوراني الخفيف الحي المتحرك النافذ في الأعضاء الساري فيها سريان ماء الورد في الورد كما عليه جمهور المحدثين وذكر له ابن القيم مائة دليل فالله تعالى منزه عن ذلك أصلاً .
وكذا الجمادات لا تتصف بها على الشائع ، وأيضاً ليس للأرواح البشرية والعقول المفارقة عند الفلاسفة نفساً بأحد ذينك المعنيين فكيف يبطل بالآية الكريمة قولهم ، وإن أراد بها الذات كما هو أحد معانيها جاز أن تثبت لله تعالى وقد قيل به في الآية التي ذكرها ، وكذا هي ثابتة للجمادات لكن يرد عليه أنه إن أراد بالموت مفارقة الروح للبدن أو نحو ذلك يبطل قوله وذلك يبطل الخ لأن الأرواح والعقول المذكورة لا أبدان لها عند الفلاسفة فلا يتصور فيها الموت بذلك المعنى ، وإن أراد به العدم والاضمحلال يرد عليه أن الجمادات تتصف به فلا يصح قوله وهي لا تموت ، وبالجملة لا يخفى على المتذكر أن الإمام سها في هذا المقام ، ثم إن معنى كون النفس ذائقة الموت أنها تلابسه على وزجه تتألم به أو تلتذ من حيث أنها تخلص به من مضيق الدنيا الدنيئة إلى عالم الملكوت وحظائر القدس كذا قيل .
والظاهر أن كل نفس تتألم بالموت لكن ذلك مختلف شدة وضعفاً ، وفي الحديث «إن للموت سكرات » ولا يلزم من التخلص المذكور لبعض الناس عدم التألم ، ولعل في اختيار الذوق إيماء إلى ذلك لمن له ذوق فإن أكثر ما جاء في العذاب ، وقال الإمام : إن الذوق إدارك خاص وهو ههنا مجاز عن أصل الإدراك ولا يمكن إجراؤه على ظاهره لأن الموت ليس من جنس الطعام حتى يذاق ، وذكر أن المراد من الموت مقدماته من الآلام العظيمة لأنه قبل دخوله في الوجود ممتنع الإدراك وحال وجوده يصير الشخص ميتاً والميت لا يدرك . وتعقب بأن المدرك النفس المفارقة وتدرك ألم مفارقتها البدن { وَنَبْلُوكُم } الخطاب إما للناس كافة بطريق التلوين أو للكفرة بطريق الالتفات أي نعاملكم معاملة من يختبركم { بالشر والخير } بالمكروه والمحبوب هل تصبرون وتشكرون أولاً .
وتفسير الشر والخير بما ذكر مروي عن ابن زيد ، وروى عن ابن عباس أنهما الشدة والرخاء ، وقال الضحاك : الفقر والمرض والغنى والصحة ، والتعميم أولى ، وقدم الشر لأنه اللائق بالمنكر عليهم أو لأنه ألصق بالموت المذكور قبله . وذكر الراغب أن اختبار الله تعالى للعباد تار بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا فالمنحة والمحنة جميعاً بلاء فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر فالمنحة أعظم البلاءين ، وبهذا النظر قال عمر رضي الله تعالى عنه : بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر ، ولهذا قال علي كرم الله تعالى وجهه : من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله اه ، ولعله يعلم منه وجه لتقديم الشر { فِتْنَةً } أي ابتلاء فهو مصدر مؤكد لنبلوكم على غير لفظه .
وجوز أن يكون مفعولاً له أو حالاً على معنى نبلوكم بالشر والخير لأجل إظهار جودتكم ورداءتكم أو مظهرين ذلك فتأمل ولا تغفل { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } لا إلى غيرنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال ، فهو على الأول من وجهي الخطاب وعد ووعيد وعلى الثاني منهما وعيد محض . وفي الآية إيما إلى أن المراد من هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب . وقرئ { يَرْجِعُونَ } بياء الغيبة على الالتفات .
هذا ومن باب الإشارة : { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً } [ الأنبياء : 35 ] قيل أي بالقهر واللطف والفراق والوصال والإدبار والإقبال والجهل والعلم إلى غير ذلك ، ولا يخفى أنه كثيراً ما يمتحن السالك بالقبض والبسط فينبغي له التثبت في كل عما يحطه عن درجته ، ولعل فتنة البسط أشد من فتنة القبض فليتحفظ هناك أشد تحفظ
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{كل نفس ذائقة الموت} يعني: النبي صلى الله عليه وسلم وغيره.
{ونبلوكم}..: ونختبركم. {بالشر} يعني: بالشدة لتصبروا، {و} ب {الخير فتنة} يعني: بالرخاء لتشكروا.
"فتنة"، يقول: هما بلاء يبتليكم بهما. {وإلينا} في الآخرة {ترجعون} بعد الموت فنجزيكم بأعمالكم.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
قوله:"كُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ" يقول تعالى ذكره: كل نفس منفوسة من خلقه، معالجة غصص الموت ومتجرّعة كأسها.
وقوله: "وَنَبْلُوكُمْ بالشّرّ والخَيْرِ فِتْنَةً "يقول تعالى ذكره: ونختبركم أيها الناس بالشرّ وهو الشدّة نبتليكم بها، وبالخير وهو الرخاء والسعة [و] العافية فنفتنكم به...
قال ابن زيد، في قوله: "وَنَبْلُوكُمْ بالشّرّ والخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنا تُرْجَعُونَ" قال: نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون...
وقوله: "وَإلَيْنا تُرْجَعُونَ" يقول: وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيّئها.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
الموتُ به آفةُ قومٍ، وفيه راحة قوم؛ لقوم انتهاءُ مدة الاشتياق، والآخرين افتتاح باب الفراق، لقوم وقوع فتنتهم ولآخرين خلاصٌ من محنتهم، لقوم بلاء وقيامة ولآخرين شفاء وسلامة.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَنَبْلُوكُمْ} أي نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر، وإنما سمى ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم، لأنه في صورة الاختبار. و {فِتْنَةً} مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وفي قوله {وإلينا ترجعون} وعيد.
الذوق ههنا لا يمكن إجراؤه على ظاهره؛ لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق، بل الذوق إدراك خاص فيجوز جعله مجازا عن أصل الإدراك، وأما الموت فالمراد منه ههنا مقدماته من الآلام العظيمة؛ لأن الموت قبل دخوله في الوجود يمتنع إدراكه، وحال وجوده يصير الشخص ميتا ولا يدرك شيئا...
الابتلاء لا يتحقق إلا مع التكليف، فالآية دالة على حصول التكليف، وتدل على أنه سبحانه وتعالى لم يقتصر بالمكلف على ما أمر ونهى، وإن كان فيه صعوبة، بل ابتلاه بأمرين: أحدهما: ما سماه خيرا وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور والتمكين من المرادات. والثاني: ما سماه شرا وهو المضار الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين، فبين تعالى أن العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين، لكي يشكر على المنح، ويصبر في المحن، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
وقدم الشر لأن الابتلاء به أكثر، ولأن العرب تقدم الأقل والأردأ، ومنه "لا يغادر صغيرة ولا كبيرة"، "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات".
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما تم ذلك، أنتج قطعاً: {كل نفس} أي منكم ومن غيركم {ذائقة الموت} أي فلا يفرح أحد ولا يحزن بموت أحد، بل يشتغل بما يهمه، وإليه الإشارة بقوله: {ونبلوكم} أي نعاملكم معاملة المبتلي المختبر المظهر في عالم الشهادة الشاكر والصابر والمؤمن والكافر كما هو عندنا في عالم الغيب بأن نخالطكم {بالشر} الذي هو طبع النفوس، فهي أسرع شيء إليه، فلا ينجو منه إلا من أخلصناه لنا {والخير} مخالطة كبيرة، وأكد البلاء بمصدر من معناه مقرون بالهاء تعظيماً له فقال: {فتنة} أي كما يفتن الذهب إذا أريدت تصفيته بمخالطة النار له، على حالة عظيمة محيلة مميلة لكم لا يثبت لها إلا الموفق {وإلينا} أي بعد الموت لا إلى غيرنا {ترجعون} للجزاء حيث لا حكم لأحد أصلاً لا ظاهراً ولا باطناً كما هذه الدار بنفوذ الحكم فلا يكون إلا ما نريد فاشتغلوا بما ينجيكم منا، ولا تلتفتوا إلى غيره، فإن الأمر صعب، وجدوا فإن الحال جد.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} لا إلى غيرنا، لا استقلالاً ولا اشتراكاً، فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال، فهو على الأول وعد ووعيدٌ، وعلى الثاني وعيدٌ محضٌ.
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت} برهان على ما أنكر من خلودهم وفيه تأكيد لقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا} [الأنبياء: 34]...
والظاهر أن كل نفس تتألم بالموت، لكن ذلك مختلف شدة وضعفاً، وفي الحديث «إن للموت سكرات». ولا يلزم من التخلص المذكور لبعض الناس عدم التألم، ولعل في اختيار الذوق إيماء إلى ذلك لمن له ذوق فإن [ــه] أكثر ما جاء في العذاب... [و] المدرك النفس المفارقة ويدرك ألم مفارقتها البدن...
وقدم الشر لأنه اللائق بالمنكر عليهم، أو لأنه ألصق بالموت المذكور قبله. وذكر الراغب أن اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا، فالمنحة والمحنة جميعاً بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر. والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فالمنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر رضي الله تعالى عنه: بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر، ولهذا قال علي كرم الله تعالى وجهه: من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله اهـ، ولعله يعلم منه وجه لتقديم الشر.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(كل نفس ذائقة الموت). هذا هو الناموس الذي يحكم الحياة. وهذه هي السنة التي ليس لها استثناء. فما أجدر الأحياء أن يحسبوا حساب هذا المذاق! إنه الموت نهاية كل حي، وعاقبة المطاف للرحلة القصيرة على الأرض. وإلى الله يرجع الجميع. فأما ما يصيب الإنسان في أثناء الرحلة من خير وشر فهو فتنة له وابتلاء: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة).. والابتلاء بالشر مفهوم أمره. ليتكشف مدى احتمال المبتلى، ومدى صبره على الضر، ومدى ثقته في ربه، ورجائه في رحمته.. فأما الابتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان.. إن الابتلاء بالخير أشد وطأة، وإن خيل للناس أنه دون الابتلاء بالشر.. إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر، ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير. كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف. ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة. ويكبحون جماح القوة الهائجة في كيانهم الجامحة في أوصالهم. كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل. ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الثراء والوجدان. وما يغريان به من متاع، وما يثيرانه من شهوات وأطماع! كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم. ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والمناصب والمتاع والثراء! كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح؛ ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الدعة والمراح. ثم لا يصابون بالحرص الذي يذل أعناق الرجال. وبالاسترخاء الذي يقعد الهمم ويذلل الأرواح!
إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء، ويستحث المقاومة ويجند الأعصاب، فتكون القوى كلها معبأة لاستقبال الشدة والصمود لها. أما الرخاء فيرخي الأعصاب وينيمها ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة! لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدة بنجاح، حتى إذا جاءهم الرخاء سقطوا في الابتلاء! وذلك شأن البشر.. إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم]:"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له".. وهم قليل!...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
جمل معترضات بين الجملتين المتعاطفتين. ومضمون الجملة الأولى مؤكد لمضمون الجملة المعطوف عليها، وهي {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} [الأنبياء: 34]. ووجه إعادتها اختلاف القصد فإن الأولى للرد على المشركين وهذه لتعليم المؤمنين. واستعير الذوق لمطلق الإحساس الباطني لأن الذوق إحساس باللسان يقارنه ازدراد إلى الباطن...
والمراد بالنفس النفوس الحالّة في الأجساد كالإنسان والحيوان. ولا يدخل فيه الملائكة لأن إطلاق النفوس عليهم غير متعارف في العربية، بل هو اصطلاح الحكماء وهو لا يطلق عندهم إلا مقيّداً بوصف المجرداتِ، أي التي لا تحل في الأجساد ولا تلابس المادة. وأما إطلاق النفس على الله تعالى فمشاكلة: إما لفظية كما في قوله تعالى {تَعْلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} في سورة المائدة (116). وإما تقديرية كما في قوله تعالى {ويحذركم الله نفسه} في آل عمران (28).
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ويذكر كتاب الله الناسين والغافلين بأن الدنيا ليست دار إقامة وقرار، وإنما هي دار سباق بين الرفاق، وقنطرة عبور يمر بها الأبرار والفجار: {كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} فالعاقل كل العاقل من اغتنم شبابه قبل هرمه، وصحته قبل سقمه، وفراغه قبل شغله، وحياته قبل موته، كما جاء في الحديث الشريف.
إذن: فالموت قضية كونية عامة، وهي في حقيقتها خير، فإن كانوا أخيارا نعجل لهم جزاءهم عند الله، وإن كانوا أشرارا فقد أراح الله منهم البلاد والعباد...
ثم يقول الحق سبحانه: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} أي: نختبركم، والابتلاء لا يذم في ذاته، إنما تذم غاية الابتلاء: أينجح فيه أم يفشل؟ كما نختبر الطلاب، فهل الاختبار في آخر العام شر؟ لكن هل الحق سبحانه في حاجة لأن يختبر عباده ليعلم حالهم؟ الحق يختبر الخلق لا ليعلم، ولكن ليقيم عليهم الحجة...
والمخاطب في {نبلوكم} الجميع: الغني والفقير، والصحيح، والسقيم، والحاكم والمحكوم...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
ويجب أن نذكّر بأنّ لفظة (النفس) قد استعملت في القرآن بمعان مختلفة، فأوّل معنى للنفس هو الذات، وهذا المعنى واسع يطلق حتّى على ذات الله المقدّسة، كما نقرأ: (كتب على نفسه الرحمة). ثمّ استعملت هذه الكلمة في الإنسان، أي مجموع جسمه وروحه، مثل: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً). واستعملت أحياناً في خصوص روح الإنسان كما في (أخرجوا أنفسكم). ومن الواضح أنّ المراد من النفس في الآيات التي نبحثها هو المعنى الثّاني، وبناءً على هذا فإنّ المراد هو بيان قانون الموت العام في حقّ البشر...