روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ} (28)

{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } استئناف وقع تعليلاً لما قبله وتمهيداً لما بعده كأنه قيل إنما لم يقدموا على قول أو عمل بغير أمره تعالى لأنه سبحانه لا يخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا فلا يزالون يراقبون أحوالهم حيث أنهم يعلمون ذلك { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى } الله تعالى أن يشفع له .

وهو كما أخرج ابن جرير . وابن المنذر . والبيهقي في البعث . وابن أبي حاتم عن ابن عباس من قال لا إله إلا الله وشفاعتهم الاستغفار ، وهي كما في الصحيح تكون في الدنيا والآخرة ولا متمسك للمعتزلة في الآية على أن الشفاعة لا تكون لأصحاب الكبائر فإنها لا تدل على أكثر من أن لا يشفعوا لمن لا ترتضي الشفاعة له مع أن عدم شفاعة الملائكة لا تدل على عدم شفاعة غيرهم { وَهُمْ } مع ذلك { مّنْ خَشْيَتِهِ } أي بسبب خوف عذابه عز وجل { مُشْفِقُونَ } متوقعون من إمارة ضعيفة كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون مكر الله تعالى ؛ فمن تعليلية والكلام على حذف مضاف ، وقد يراد من خشيته تعالى ذلك فلا حاجة إليه .

وقيل : يحتمل أن يكون المعنى أنهم يخشون الله تعالى ومع ذلك يحذرون من وقوع تقصير في خشيتهم وعلى هذا تكون { مِنْ } صلة لمشفقون ، وفرق بين الخشية والإشفاق بأن الأول خوف مشوب بتعظيم ومهابة ولذلك خص به العلماء في قوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر : 28 ] والثاني خوف مع اعتناء ويعدي بمن كما يعدى الخوف وقد يعدى بعلى بملاحظة الحنو والعطف ، وزعم بعضهم أن الخشية ههنا مجاز عن سببها وأن المراد من الاشفاق شدة الخوف أي وهم من مهابته تعالى شديدو الخوف ، والحق أنه لا ضرورة لارتكاب المجاز ، وجوز أن تكون المعنى وهم خائفون من خوف عذابه تعالى على أن من صلة لما بعدها وإضافة خشية إلى المضاف المحذوف من إضافة الصفة إلى الموصوف أي خائفون من العذاب المخوف ، ولا يخفى ما قيه من التكلف المستغنى عنه ، ثم ان هذا الاشفاق صفة لهم دنيا وأخرى كما يشعر به الجملة الاسمية ، وقد كثرت الأخبار الدالة على شدة خوفهم ، ومن ذلك ما أخرج ابن أبي حاتم عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري بي «مررت بجبريل عليه السلام وهو بالملأ الأعلى ملقى كالحلس البالي من خشية الله تعالى » .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ} (28)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}: يعلم ما كان قبل أن يخلق الملائكة، ويعلم ما كان بعد خلقهم.

{ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} يقول: لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله أن يشفع له، يعني: من أهل التوحيد الذين لا يقولون إن الملائكة بنات الله عز وجل، لأن كفار مكة زعموا أن الملائكة تشفع لهم في الآخرة إلى الله عز وجل، ثم قال سبحانه يعني الملائكة: {وهم من خشيته مشفقون}، يعني: خائفين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: يعلم ما بين أيدي ملائكته ما لم يبلغوه ما هو وما هم فيه قائلون وعاملون، "وَمَا خَلْفَهُمْ "يقول: وما مضى من قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور ما عملوا فيه، قالوا: ذلك كله مُحْصًى لهم وعليهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء...

"وَلا يَشْفَعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضَى" يقول: ولا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه...

وقوله: "وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ" يقول: وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحلّ بهم مشفقون، يقول: حذرون أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} كقوله في آية أخرى: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ورضي له قولا} [طه: 109] فيكون تأويل قوله: {إلا لمن ارتضى} أي إلا لمن أذن له. ثم يتوجه قوله: {إلا لمن ارتضى} إلى الشفيع، أي لا يؤذن لأحد بالشفاعة إلا من كان مرضيا مرتضى دينا وعملا. ويتوجه قوله: {إلا لمن ارتضى} إلى المشفوع له {إلا لمن ارتضى} عنه الرب مذهبا وعملا حتى لم يدخل في عمله تقصير...

{وهم من خشيته مشفقون} هذا، والله أعلم، كأنه صلة قوله: {لا يسبقونه بالقول} أي من خشية عذابه وهيبته لا يتقدمون بقول، ولا فعل، ولا أمر، ولا نهي خوفا منه وهيبة، والله أعلم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

وجميع ما يأتون ويذرون مما قدّموا وأخروا بعين الله، وهو مجازيهم عليه، فلإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم، ويعمرون أوقاتهم. ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهَّله للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم، ثم أنهم مع هذا كله من خشية الله {مُشْفِقُونَ} أي متوقعون من أمارة ضعيفة، كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون مكر الله.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

«والمشفق»: البالغ في الخوف المحترق من الفزع على أمر ما.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

وحقيقة المعنى أنهم يتقلبون تحت قدرته في ملكوته وهو محيط بهم، وإذا كانت هذه حالتهم فكيف... يتقدمون بين يدي الله تعالى فيشفعون لمن لم يأذن الله تعالى له؟ ثم كشف عن هذا المعنى فقال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}.

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

{وهم من خشيته} عظمته ومهابته... وأصل الخشية خوف مع تعظيم ولذلك خص بها العلماء. والإشفاق خوف مع اعتناء، فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي بعلى فبالعكس.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

والإشفاق: الخوف مع التوقع والحذر.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} تخصيص بالذكر لبعض ما شمله قوله تعالى {لا يسبقونه بالقول} اهتماماً بشأنه لأنه مما كفروا بسببه إذ جعلوا الآلهة شفعاء لهم عند الله.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ومن بديع اللغة العربية، أنّ «الخشية» من ناحية الأصل اللغوي لا تعني كلّ خوف، بل الخوف المقترن بالتعظيم والاحترام.

وكلمة «مشفق» من مادّة الإشفاق، بمعنى التوجّه الممتزج بالخوف، لأنّها في الأصل مأخوذة من الشفق، وهو الضياء الممتزج بالظلمة.

فبناءً على هذا، فإنّ خوف الملائكة ليس كخوف الإنسان من حادثة مرعبة مخيفة، وكذلك إشفاقهم فإنّه لا يشبه خوف الإنسان من موجود خطر، بل إنّ خوفهم وإشفاقهم ممزوجان بالاحترام، والعناية والتوجّه، والمعرفة والإحساس بالمسؤولية.