روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ} (31)

{ وَجَعَلْنَا في الأرض رواسي } أي جبالا ثوابت جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ ، ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مما لا ريب في صحته { أَن تَمِيدَ بِهِمْ } أي كراهة أن تتحرك وتضطرب بهم ألو لئلا تميد بهم فحذف اللام ولا لعدم الالباس ، وهذا مذهب الكوفيين والأول أولى ، وفي الانتصاف أولى من هذين الوجهين أن يكون مثل قولك أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط على ما قال سيبويه من أن معناه أعددتها أن أدعم الحائط بها إذا مال ، وقدم ذكر الميد عناية بأمره ولأنه السبب في الادعام والادعام سبب إعداد الخشبة فعومل سبب السبب معاملة السبب فكذا فيما نحو فيه يكون الأصل وجعلنا في الأرض رواسي أن نثبتها إذا مادت بهم فجعل الميد هو السبب كما جعل الميل في المثال سبباً وصار الكلام وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم فنثبتها ثم حذف فنثبتها لأمن الالباس إيجازاً ، وهذا أقرب إلى الواقع مما ذكر أولاً فإن مقتضاه أن لا تميد الأرض بأهلها لأن الله تعالى كره ذلك ومحال أن يقع ما يكرهه سبحانه والمشاهدة بخلافه فكم من زلزلة أمادت الأرض حتى كادت تنقلب وعلى ما ذكرنا يكون المراد أن الله تعالى يثبت الأرض بالجبال إذا مادت ، وهذا لا يأبى وقوع الميد لكنه ميد يستعقبه التثبيت ، وكذلك الواقع من الزلزال إنما هو كاللمحة ثم يثبتها الله تعالى انتهى .

وفي الكشف ان قولهم كراهة أن تميد بيان للمعنى لا أن هناك اضمار البتة ولهذا كان مذهب الكوفيين خليقا بالرد ، وما في الانتصاف من أن الأولى أن يكون من باب أعددت الخشبة أن يميل الحائط على ما قرر راجع إلى ما ذكرناه ولا مخالف له ، أما ما ذكره من الرد بمخالفة الواقع المشاهد فليس بالوجه لأن ميدودة الأرض غير كائنة البتة وليست هذه الزلازل منها في شيء انتهى ، وهو كلام رصين كما لا يخفى ، وقد طعن بعض الكفرة المعاصرين فيما دلت عليه الآية الكريمة بأن الأرض لطلبها المركز طبعاً ساكنة لا يتصور فيها الميد ولو لم يكن فيها الجبال . وأجيب أولاً بعد الاغماض عما في دعوى طلبها المركز طبعاً وسكونها عنده من القيل والقال يجوز أن يكون الله تعالى قد خلق الأرض يوم خلقها عرية عن الجبال مختلفة الأجزاء ثقلاً وخفة اختلافاً تاماً أو عرض لها الاختلاف المذكور ومع هذا لم يجعل سبحانه لمجموعها من الثقل ما لا يظهر بالنسبة إليه ثقل ما علم جل وعلا أنه يتحرك عليها من الأجسام الثقيلة فيكون لها مركزان متغايران مركز حجم ومركز ثقل وهي إنما تطلب بطبعها عندهم أن ينطبق مركز ثقلها على مركز العالم وذلك وان اقتضى سكونها إلا أنه يلزم أن تتحرك بتحرك هاتيك الأجسام فخلق جل جلاله الجبال فيها ليحصل لها من الثقل ما لا يظهر معهم ثقل المتحرك فلا تتحرك بتحركه أصلاً ، وكون نسبة ارتفاع أعظم الجبال إلى قطرها كنسبة سبع عرض شعيرة إلى ذراع إنما ينفع في أمر الكرية الحسية وأما أنه يلزم منه أن لا يكون لمجموع الجبال ثقل معتد به بالنسبة إلى ثقل الأرض فلا .

ثم ليس خلق الجبال لهذه الحكمة فقط بل لحكم لا تحصى ومنافع لا تستقصى فلا يقال إنه يغنى عن الجبال خلقها بحيث لا يظهر للأجسام الثقيلة المتحركة عليها أثر بالنسبة إلى ثقلها ، وثانياً أنها بحسب طبعها تقتضي أن تكون مغمورة بالماء بحيث تكون الخطوط الخارجة من مركزها المنطبق على مركز العالم إلى محدب الماء متساوية من جميع الجوانب فبروز هذا المقدار المعمور منها قسرى ، ويجوز أن يكون للجبال مدخل في القسر باجتباس الابخرة فيها وصيرورة الأرض بسبب ذلك كزق في الماء نفخ نفخاً ظهر به شيء منه على وجه الماء ولولا ذلك لم يكن القسر قوياً بحيث لا يعارضنه ما يكون فوق الأرض من الحيوانات وغيرها وذلك يوجب الميد الذي قد يقضي بها إلى الانغمار فتأمل ، وقد مر لك ما يتعلق بهذا المطلق فتذكر { وَجَعَلْنَا فِيهَا } أي في الأرض ، وتكرير الفعل لاختلاف المجعولين مع ما فيه من الإشارة إلى كمال الامتنان أو في الرواسي على ما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر عن ابن عباس ويؤيده أنها المحتاجة لأن يجعل سبحانه فيها { فِجَاجاً } جمع فج قال الراغب : هو شقة يكتنفها جبلان ، وقال الزجاج : كل مخترق بين جبلين فهو فج ، وقال بعضهم : هو مطلق الواسع سواء كان طريقا بين جبلين أم لا ولذا يقال جرح فج ، والظاهر أن { فِجَاجاً } نصب على المفعولية لجعل ، وقوله سبحانه { سُبُلاً } بدل منه فيدل ضمناً على أنه تعالى خلقها ووسعها للسابلة مع ما فيه من التأكيد لأن البدل كالتكرار وعلى نية تكرار العامل والمبدل منه ليس في حكم السقوط مطلقاً ، وقال في الكشاف : هو حال من { سُبُلاً } ولو تأخر لكان صفة كما في قوله تعالى في سورة نوح ( 20 ) { لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } وإنما لم يؤت به كذلك بل قدم فصار حالاً ليدل على أنه في حال جعلها سبلاً كانت واسعة ولو أتى به صفة لم يدل على ذلك . وأوجب بعضهم كونه مفعولاً وكون { سُبُلاً } بدلا منه وكذا أوجب في قوله تعالى : { لّتَسْلُكُواْ } [ نوح : 20 ] الخ كون { سُبُلاً } مفعولا وكون { فِجَاجاً } بدلاً قائلاً إن الفج اسم لا صفة لدلالته على ذات معينة وهو الطريق الواسع والاسم يوصف ولا يوصف به ولذا وقع موصوفاً في قوله تعالى : { من كل فج عميق } [ الحج : 27 ] والحمل على تجريده عن دلالته على ذات معينة لا قرينة عليه .

وتعقب بانا لا نسلم أن معناه ذلك بل معناه مطلق الواسع وتخصيصه بالطريق عارض وهو لا يمنع الوصفية ولو سلم فمراد من قال إنه وصف أنه في معنى الوصف بالنسبة إلى السبيل لأن السبيل الطريق وهو الطريق الواسع فإذا قدم عليه يكون ذكره بعد لغواً لو لم يكن حالاً ، وظاهر كلام الفاضل اليمني في المطلع أن { سبلا } عطف بيان وهو سائغ في النكرات حيث قال : هو تفسير للفجاج وبيان أن تلك الفجاج نافذة فقد يكون الفج غير نافذ وقدم هنا وأخر في آية سورة نوح لأن تلك الآية واردة للامتنان على سبيل الإجمال وهذه للاعتبار والحث على أمعان النظر وذلك يقتضي التفصيل ، ومن ثم ذكرت عقب قوله تعالى { كانتا رَتْقاً } [ الأنبياء : 30 ] الخ انتهى ، وأنت تعلم أن الاظهر نصب { فِجَاجاً } هنا على المفعولية لجعل ووجه التغاير بين الآيتين لا يخفى فتأمل { لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } إلى الاستدلال على التوحيد وكمال القدرة والحكمة ، وقيل : إلى مصالحهم ومهماتهم . ورد على ما تقدم بأنه يغنى عن ذلك قوله تعالى فيما بعد { وَهُمْ عَنْ ءاياتها مُعْرِضُونَ } [ الأنبياء : 23 ] وبأن خلق السبل لا تظهر دلالته على ما ذكر انتهى ، وفيه ما فيه ، وجوز أن يكون المراد ما هو أعم من الاهتداء إلى الاستدلال والاهتداء إلى المصالح .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ} (31)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وجعلنا في الأرض رواسي} يعني الجبال أرسيت في الأرض، فأُثبِتت الأرض بالجبال {أن تميد بهم} لئلا تزول الأرض بهم {وجعلنا فيها} يعني في الجبال {فجاجا} يعنى كل شعب في جبل فيه منفذ {سبلا} يعني: طرقا {لعلهم يهتدون}، يقول: لكي يعرفوا طرقها.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: أو لم ير هؤلاء الكفار أيضا من حججنا عليهم وعلى جميع خلقنا، أنا جعلنا في الأرض جبالاً راسية؟ والرواسي: جمع راسية، وهي الثابتة...

وقوله:"أنْ تَمِيدَ بِهِمْ" يقول: أن لا تتكفأ بهم. يقول جلّ ثناؤه: فجعلنا في هذه الأرض هذه الرواسي من الجبال، فثبتناها لئلا تتكفأ بالناس، وليقدروا بالثبات على ظهرها...

"وجَعَلْنَا فيها فِجَاجا سُبُلاً "يعني مسالك، واحدها فجّ... عن قتادة، قوله: "وَجَعَلْنا فِيها فِجاجا": أي أعلاما. وقوله: "سُبُلاً" أي: طرقا، وهي جمع السبيل.

وكان ابن عباس فيما ذكر عنه يقول: إنما عنى بقوله: "وَجَعَلْنا فِيها فِجاجا" وجعلنا في الرواسي، فالهاء والألف في قوله: "وَجَعَلْنا فِيها" من ذكر الرواسي... قوله: "وَجَعَلْنا فِيها فِجاجا سبلاً"، قال: بين الجبال.

وإنما اخترنا القول الآخر في ذلك وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها دخل في ذلك السهل والجبل، وذلك أن ذلك كله من الأرض، وقد جعل الله لخلقه في ذلك كله فجاجا سبلاً. ولا دلالة تدلّ على أنه عنى بذلك فجاج بعض الأرض التي جعلها لهم سبلاً دون بعض، فالعموم بها أولى.

وقوله: "لَعَلّهُمْ يَهْتَدُونَ" يقول تعالى ذكره: جعلنا هذه الفجاج في الأرض ليهتدوا إلى السير فيها.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

... لأن الأرض بها رست وثبتت...

الميد الاضطراب...

الفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع بين جبلين...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

«الرواسي» جمع راسية أي ثابتة يقال رسا يرسو إذا ثبت واستقر ولا يستعمل إلا في الأجرام الكبار كالجبال والسفينة ونحوه.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان من القدرة الباهرة ثبات الأرض من غير حركة، وكان الماء أدل دليل على ثباتها، وكانت الأرض أقرب في الذكر من السماء، أتبع ذلك قوله: {وجعلنا} بما لنا من العظمة {في الأرض} جبالاً {رواسي} أي ثوابت، كراهة {أن تميد بهم} وتضطرب فتهلك المياه كل شيء حي فيعود نفعها ضراً وخيرها شراً.

ولما كان المراد من المراسي الشدة والحزونة لتقوى على الثبات والتثبيت، وكان ذلك مقتضياً لإبعادها وحفظها عن الذلة و الليونة، بين أنه أخرق فيها العادة ليعلم أنه قادر مختار لكل ما يريد فقال: {وجعلنا} بما لنا من القدرة الباهرة والحكمة البالغة {فيها} أي الجبال مع حزونتها {فجاجاً} أي مسالك واسعة سهلة؛ ثم أبدل منها قوله: {سبلاً} أي مذللة للسلوك، ولولا ذلك لتعسر أو تعذر الوصول إلى بعض البلاد {لعلهم يهتدون} إلى منافعهم في ديارهم وغيرها، وإلى ما فيها من دلائل الوحدانية وغيرها فيعلموا أن وجودها لو كان بالطبيعة كانت على نمط واحد مساوية للأرض متساوية في الوصف، وأن كونها على غير ذلك دال على أن صانعها قادر مختار متفرد بأوصاف الكمال.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

ومن الأدلة على قدرته وكماله ووحدانيته ورحمته، أنه لما كانت الأرض لا تستقر إلا بالجبال، أرساها بها وأوتدها، لئلا تميد بالعباد، أي: لئلا تضطرب، فلا يتمكن العباد من السكون فيها، ولا حرثها، ولا الاستقرار بها، فأرساها بالجبال، فحصل بسبب ذلك، من المصالح والمنافع، ما حصل، ولما كانت الجبال المتصل بعضها ببعض، قد تتصل اتصالا كثيرا جدا، فلو بقيت بحالها، جبالا شامخات، وقللا باذخات، لتعطل الاتصال بين كثير من البلدان. فمن حكمة الله ورحمته، أن جعل بين تلك الجبال فجاجا سبلا، أي: طرقا سهلة لا حزنة، لعلهم يهتدون إلى الوصول، إلى مطالبهم من البلدان، ولعلهم يهتدون بالاستدلال بذلك على وحدانية المنان...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فيقرر أن هذه الجبال الرواسي تحفظ توازن الأرض فلا تميد بهم ولا تضطرب. وحفظ التوازن يتحقق في صور شتى. فقد يكون توازنا بين الضغط الخارجي على الأرض والضغط الداخلي في جوفها، وهو يختلف من بقعة إلى بقعة: وقد يكون بروز الجبال في موضع معادلا لانخفاض الأرض في موضع آخر.. وعلى أية حال فهذا النص يثبت أن للجبال علاقة بتوازن الأرض واستقرارها. فلنترك للبحوث العلمية كشف الطريقة التي يتم بها هذا التوازن فذلك مجالها الأصيل. ولنكتف من النص القرآني الصادق باللمسة الوجدانية والتأمل الموحي، وبتتبع يد القدرة المبدعة المدبرة لهذا الكون الكبير...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

والجعل خلق لأمر موصوف بوصف معين، والخلق مجرد الإنشاء، أما الجعل فهو خلق لأمر أراده الله تعالى في التكوين، وهو أن يكون لأمر نافع للعباد، كما قال تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} (الإسراء 12)...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

{لعلهم يهتدون} والهداية هنا تحتمل معنيين: يهتدون لخالقها ومكونها، ويستدلون بها على الصانع المبدع سبحانه، أو يهتدون إلى البلاد والأماكن والاتجاهات...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وأشارت الآية التالية إلى جانب آخر من آيات التوحيد ونعم الله الكبيرة، فقالت: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) وقلنا فيما مضى: إنّ الجبال كالدرع الذي يحمي الأرض، وهذا هو الذي يمنع إلى حدّ كبير من الزلازل الأرضيّة الشديدة التي تحدث نتيجة ضغط الغازات الداخلية. إضافةً إلى أنّ وضع الجبال هذا يقلّل من حركات القشرة الأرضيّة أمام ظاهرة المدّ والجزر الناشئة بواسطة القمر إلى الحدّ الأدنى. ومن جهة أُخرى فلولا الجبال، فإنّ سطح الأرض سيكون معرّضاً للرياح القويّة دائماً، وسوف لا تستقرّ على حال أبداً، كما هي حال الصحاري المقفرة المحرقة.