روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (26)

{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت } أي اذكر لهؤلاء الكفرة الذين يصدون عن سبيل الله تعالى والمسجد الحرام وقت جعلنا مكان البيت مباءة لجدهم إبراهيم عليه السلام أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة ويقال بوأه منزلاً إذا أنزله فيه ولما لزمه جعل الثاني مباءة للأول جيء باللام فهي للتعدية ، و { مَّكَانَ } مفعول به .

وقال الزجاج : المعنى بينا له مكان البيت ليبنيه ويكون مباءة له ولعقبه يرجعون إليه ويحجونه ، والأول مروى عن ابن عباس ، وقيل : اللام زائدة في المفعول به و { مَّكَانَ } ظرف لبوأنا . واعترض بأن اللام إنما تزاد إذا قدم المعمول أو كان العامل فرعاً وشيء منهما غير متحقق هنا وأن { مَكَانَ البيت } ظرف معين فحقه أن يتعدى الفعل إليه بفي ، وفيه نظر كما يعلم من كتب العربية ، وقيل : مفعول { بَوَّأْنَا } محذوف أي بوأنا الناس واللام في { لإبراهيم } لام العلة أي لأجل إبراهيم أي كرامة له ، والمعول عليه ما قدمنا ، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المراد تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر غير مرة ، والمكان المتعارف ما يستقر عليه الشيء ويمنعه من النزول وللعلماء فيه مذاهب وليس هذا مكان تحقيقها ، وأصل البيت مأوى الإنسان بالليل نم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه وجمعه أبيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر أخص ، ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومن مدر ومن صوف ووبر ، ويعبر عن مكان الشيء ببيته ، والمراد بالبيت بيت الله عز وجل الكعبة المكرمة ، وقد بنيت خمس مرات ، إحداها بناء الملائكة عليهم السلام قبل آدم وكانت من ياقوتة حمراء ثم رفع ذلك البناء إلى السماء أيام الطوفان ، والثانية بناء إبراهيم عليه السلام . روي أنه تعالى لما أمره ببناء البيت لم يدر أين يبنى فأرسل الله تعالى له الريح الخجوج فكشفت عن أسه القديم فبنى عليه ، والثالثة بناء قريش في الجاهلية ، وقد حضره النبي صلى الله عليه وسلم وكان شابا فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فأراد كل قبيلة أن يتولى رفعه ثم توافقوا على أن يحكم بينهم أول رجل يخرج من هذه السكة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج فقضي بينهم أن يجعلوه في مرط ثم يرفعه جميع القبائل فرفعوه ثم ارتقى صلى الله عليه وسلم فرفعوه إليه فوضعه مكانه وكانوا يدعونه عليه السلام الأمين وكان ذلك قبل المبعث فيما قيل بخمس عشرة سنة ، والرابعة بناء عبد الله بن الزبير ، والخامسة بناء الحجاج وهو البناء الموجود اليوم وارتفاعها في السماء سبعة وعشرون ذراعاً وربع ذراع والذراع أربع وعشرون أصبعاً والأصبع ست شعيرات والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون : وأما طولها في الأرض فمن الركن اليماني إلى الركن الأسود خمسة وعشرون ذراعاً وكذا ما بين اليماني والغربي ، وأما عرضها فهو من الركن اليماني إلى الركن الأسود عشرون ذراعاً ، وطول الباب ستة أذرع وعشرة أصابه ، وعرضه أربعة أذرع والباب في جدارها الشرقي وهو من خشب الساج مضبب بالصفائح من الفضة ، وارتفاع ما تحت عتبة الباب من الأرض أربعة أذرع وثلاث أصابع ، والميزاب في وسط جدار الحجر .

وعرض الملتزم وهو ما بين الباب والحجر الأسود أربعة أذرع ، وارتفاع الحجر الأسود من الأرض ثلاثة أذرع الاسبعا ، وعرض القدر الذي بدر منه شبر وأربع أصابع مضمومة ، وعرض المستجاد وهو بين الركن اليماني إلى الباب المسدود في ظهر الكعبة مقابلاً للمتلزم أربعة أذرع وخمس أصابع ، وعرض الباب المسدود ثلاثة أذرع ونصف ذراع وطوله أكثر من خمسة أذرع ، وأما الحجر ويسمى الحطيم والحظيرة فعلى هيئة نصف دائرة من صوب الشام والشمال بين الركن العراقي والشامي . وحده من جدار الكعبة الذي تحت الميزاب إلى جدار الحجر سبعة عشر ذراعاً وثماني أصابع منها سبعة أذرع أو ستة وشبر من أرض الكعبة ، والباقي كان زر بالغنم سيدنا اسماعيل عليه السلام فادخلوه في الحجر ، وما بين بابي الحجر عشرون ذراعاً ، وعرض جدار الحجر ذراعان ، وذرع تدوير جدار الحجر من داخله ثمانية وثلاثون ذراعاً ومن خارجه أربعون ذراعاً وست أصابع ، وارتفاع جدار الحجر ذراعان فذرع الطوق وحده حوالي الكعبة ، والحجر مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعاً واثنتا عشرة أصبعاً ، وهذا على ما ذكره الإمام حسين بن محمد الآمدي في رسالة له في ذلك والعهدة عليه ، وإنا لنرجو من رب البيت أن يوفقنا لزيارة بيته وتحقيق ذلك بلطفه وكرمه ، و { إن } في قوله تعالى { أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً } قيل مفسرة ، والتفسير باعتبار أن التبوئة من أجل العبادة فكأنه قيل أمرنا إبراهيم عليه السلام بالعبادة وذلك فيه معنى القول دون حروفه أو لأن بوأناه بمعنى قلنا له تبوأ ، وقال ابن عطية : مخففة من الثقيلة وكأنه لتأويل بوأناه بأعلمناه ، فلا يرد عليه أنه لا بد أن يتقدمها فعل تحقيق أو ترجيح .

/ وقال أبو حيان : الأولى أن تكون الناصبة وكما توصل بالمضارع توصل بالماضي والأمر والنهي انتهى ، وحينئذ لا تنصب لفظاً ، وقول أبي حاتم : لا بد من نصب الكاف على هذا رده في الدر المصون أي فعلنا ذلك لئلا تشرك بي في العبادة شيئاً ، والظاهر أن الخطاب لإبراهيم عليه السلام ، ويؤيده قراءة عكرمة . وأبى نهيك { أَن لاَّ يُشْرِكْنَ } بالياء التحتية ؛ وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم .

{ وَطَهّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ والقائمين والركع السجود } المراد بالطهارة ما يشمل الحسية والمعنوية أي وطهر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلى عنده ، ولعل التعبير عن الصلاة بأركانها من القيام والركوع والسجود للدلالة على أن كل واحد منها مستقل باقتضاء التطهير أو التبوئة على ما قيل : فكيف وقد اجتمعت أو للتنصيص على هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية إذ اجتماع هذه الأركان ليس إلا في صلاتهم ، ولم يعطف السجود لأنه من جنس الركوع في الخضوع ، ويجوز أن يكون { القائمين } بمعنى المقيمين و { الطائفين } بمعنى الطارئين فيكون المراد بالركع السجود فقط المصلين إلا أن المتبادر من الطائفين ما ذكر أولاً .

ومن باب الإشارة : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والركع السجود } [ الحج : 26 ] فيه من تعظيم أمر الكعبة ما فيه ، وقد جعلها الله تعالى مثالاً لعرشه وجعل الطائفين بها من البشر كالملائكة الحافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم إلا أن تسبيح البشر وثناءهم عليه عز وجل بكلمات إلهية قرآنية فيكونون من حيث تسبيحهم وثناؤهم بتلك الكلمات من حيث أنها كلماته تعالى نواباً عنه عز وجل في ذلك ويكون أهل القرآن وهم كما في الحديث أهل الله تعالى وخاصته ، وللكعبة أيضاً امتياز على العرش وسائر البيوت الأربعة عشر لأمر ما نقل إلينا أنه في العرش ولا في غيره من تلك البيوت وهو الحجر الأسود الذي جاء في الخبر أنه يمين الله عز وجل ثم إنه تعالى جعل لبيته أربعة أركان لسر إلهي وهي في الحقيقة ثلاثة لأنه شكل مكعب الركن الذي يلي الحجر كالحجر في الصورة مكعب الشكل ولذلك سمى الكعبة تشبيهاً بالكعب ، ولما جعل الله تعالى له بيتاً في العالم الكبير جعل نظيره في العالم الصغير وهو قلب المؤمن ، وقد ذكروا أنه أشرف من هذا البيت «ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن » وجعل الخواطر التي تمر عليه كالطائفين وفيها مثلهم المحمود والمذموم ، وجعل محل الخواطر فيه كالأركان التي للبيت فمحل الخاطر الإلهي كركن الحجر ومحل الخاطر الملكي كالركن اليماني ومحل الخاطر النفسي كالمكعب الذي في الحجر لا غير وليس للخاطر الشيطاني فيه محل ، وعلى هذا قلوب الأنبياء عليهم السلام ، وقد يقال : محل الخاطر النفسي كالركن الشامي ومحل الخاطر الشيطاني كالركن العراقي ، وإنما جعل ذلك للركن العراقي لأن الشارع شرع أن يقال عنده : أعوذ بالله تعالى من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق ، وعلى هذا قلوب المؤمنين ما عدا الأنبياء عليهم السلام ، وأودع سبحانه فيه كنزاً أراد صلى الله عليه وسلم أن يخرجه فلم يفعل لمصلحة رآها ، وكذا أراد عمر فامتنع اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم .

وكذلك أودع جل وعلا في قلب الكامل كنز العلم به عز وجل .

وارتفاع البيت على ما مر سبعة وعشرون ذراعاً وربع ذراع . وقال بعضهم : ثمانية وعشرون ذراعاً ، وعليه يكون ذلك نظير منازل القلب التي تقطعها كواكب الإيمان السيارة لإظهار حوادث تجري في النفس كما تقطع السيارة منازلها في الفلك لإظهار الحوادث في العالم العنصري إلى غير ذلك مما لا يعرفه إلا أهل الكشف .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (26)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مُعْلِمَه عظيم ما ركب من قومه قريش خاصة دون غيرهم من سائر خلقه بعبادتهم في حرمه، والبيت الذي أمر إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم ببنائه وتطهيره من الآفات والرّيَب والشرك: واذكر يا محمد كيف ابتدأنا هذا البيت الذي يعبد قومك فيه غيري، إذ بوأنا لخليلنا إبراهيم، يعني بقوله:"بوأنا": وطّأنا له مكان البيت... ويعني بالبيت: الكعبة، "أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئا "في عبادتك إياي، "وَطَهّرْ بَيْتِيَ "الذي بنيته من عبادة الأوثان... عن مجاهد، في قوله: "وَطَهّرْ بَيْتِيَ" قال: من الشرك... عن عبيد بن عمير، قال: من الآفات والرّيب...

وقوله: "للطّائِفِينَ" يعني للطائفين به، "والقَائِمِينَ" بمعنى المصلين الذين هم قيام في صلاتهم...قال ابن زيد، في قوله: "والقائمِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ" قال: القائم والراكع والساجد هو المصلي، والطائف هو الذي يطوف به. وقوله: "وَالرّكّعِ السّجُودِ" يقول: والركع السجود في صلاتهم حول البيت.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

بوأنا أي: هيأنا له مكان البيت لينزل فيه، والتَّبْوِيَةُ: الإنزال...

{وطهر بيتي للطائفين} وادع الناس أيضا إلى ألا يشركوا بالله شيئا...

وجائز أن يكون قوله: {وطهر بيتي} من جميع الخبائث ومن كل أنواع الأذى من الخصومات والبياعات وغيرها. وذلك المسجد الحرام كغيره من المساجد يُطهر، ويُجنب جميع أنواع الأذى والخبث والفحش.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{وَإِذْ بَوَّأنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} فيه وجهان: أحدهما: معناه وطأنا له مكان البيت، حكاه ابن عيسى. والثاني: معناه عرفناه مكان البيت بعلامة يستدل بها...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أصلحنا له مكانَ البيت وأسكنَّاه منه؛ وأرشدناه له، وهديناه إليه، وأَعنَّاه عليه،..

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

واذكر حين جعلنا {لإبراهيم مَكَانَ البيت} مباءة، أي: مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة...

فإن قلت: كيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيراً للتبوئة؟ قلت: كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة، فكأنه قيل: تعبدنا إبراهيم قلنا له: {لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ} من الأصنام والأوثان والأقذار أن تطرح حوله.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء وغير ذلك،... و«القائمون»، هم المصلون، وذكر تعالى من أركان الصلاة: أعظمها. وهي القيام والركوع والسجود...

جهود القرافي في التفسير 684 هـ :

أضاف البيت إليه تعالى ليشرفه بالإضافة إليه.

التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :

والأمر بالتطهير، لأن التبوئة إنما قصدت لأجل العبادة التي تقتضي ذلك...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله، وأشرك به من قريش، في البقعة التي أسسّتْ من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بَوأ إبراهيم مكانَ البيت، أي: أرشده إليه، وسلمه له، وأذن له في بنائه. واستدل به كثير ممن قال:"إن إبراهيم، عليه السلام، هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله"، كما ثبت في الصحيح عن أبي ذر قلت: يا رسول الله، أي مسجد وُضعَ أول؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "بيت المقدس". قلت كم بينهما؟ قال:"أربعون سنة". وقد قال الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيم} الآية [آل عمران: 96، 97]، وقال تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]. وقال تعالى هاهنا: {أَنْ لا تُشْرِكْ بِي} أي: ابْنه على اسمي وحدي {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} قال مجاهد وقتادة: من الشرك، {لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} أي: اجعله خالصا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له. فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، {وَالْقَائِمِينَ} أي: في الصلاة؛ ولهذا قال: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة وفي الحرب، وفي النافلة في السفر، والله أعلم.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

قال المبرد: كأنه قيل له: وحدني في هذا البيت، لأن معنى لا تشرك: بي وحدني...

وفي الآية طعن على ما أشرك من قطان البيت أي: هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده وأنتم فلم تفوا بل أشركتم.

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

{وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} أي واذكر أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين يصدون عن سبيل الله وعن دخول المسجد الحرام الوقت الذي جعلنا فيه هذا البيت مباءة للناس يرجعون إليه للعبادة، والمراد بذكر الوقت ذكر ما وقع فيه من حوادث جسام، ليتذكروا فيقلعوا عن غيهم و يرعووا إلى رشدهم، ويستبين لهم عظيم ما ارتكبوا من خطإ، وكبير ما اجترحوا من جرم بصدهم الناس عن بيت بناه أبوهم، وجعله الله قبلة للناس في الصلاة ومكانا للطواف حين أداء شعيرة الحج.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فللتوحيد أقيم هذا البيت منذ أول لحظة. عرف الله مكانه لإبراهيم -عليه السلام- وملكه أمره ليقيمه على هذا الأساس: ألا تشرك بي شيئا فهو بيت الله وحده دون سواه. وليطهره به من الحجيج، والقائمين فيه للصلاة: (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) فهؤلاء هم الذين أنشى ء البيت لهم، لا لمن يشركون بالله، ويتوجهون بالعبادة إلى سواه...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والتبوِئَة: الإسكان. و {البيت} معروف معهود عند نزول القرآن فلذلك عرف بلام العهد ولولا هذه النكتة لكان ذكر {مكان} حشواً. والمقصود أن يكون مأوى للدين، أي معهداً لإقامة شعائر الدين...

وكان أصل الدين هو نفي الإشراك بالله فعلم أن البيت جعل مَعْلَماً للتوحيد بحيث يشترط على الداخل إليه أن لا يكون مشركاً، فكانت الكعبة لذلك أول بيت وضع للناس، لإعلان التوحيد... والطواف: المشي حول الكعبة، وهو عبادة قديمة من زمن إبراهيم قررها الإسلام وقد كان أهل الجاهلية يطوفون حول أصنامهم كما يطوفون بالكعبة...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وهذه الآية تتضمن بطريق التعريض توبيخ مشركي قريش على ما هم فيه من المفارقات والتناقضات، فبينما هم يدعون البنوة لإبراهيم، إذا بهم يصرون على الشرك الذي كان إبراهيم أعدى عدو له حتى تبرأ من أبيه وقومه من أجله، وبينما إبراهيم كان يحرص على تطهير البيت من كل رجس و خبث-بما في ذلك رجس الأوثان والأصنام، وخبث الأوساخ والأقذار-إذا بمشركي قريش ينتهكون حرمة البيت الحرام، ويملأونه بالأوثان والأصنام، وبينما إبراهيم كان يعد للعدة ليكون البيت مكانا مقدسا يحج إليه عباد الرحمن، الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان، من جميع الأقاليم والأوطان، إذا بمشركي قريش ينزلون به إلى عبادة الأوثان.

والخطاب في قوله تعالى هنا {لا تشرك بي شيئا} {وطهر بيتي} {وأذن في الناس بالحج} موجه لإبراهيم الخليل عليه السلام، وكأن كتاب الله يعيد على مسامع رسوله والمؤمنين نفس الخطاب الإلهي الذي تلقاه إبراهيم الخليل، يوم وكل الله إليه وإلى ابنه إسماعيل إقامة البيت الحرام، وإذا كان هذا الخطاب موجها بالأصالة إلى إبراهيم الخليل عليه السلام فإنه موجه بالتبع إلى خاتم الأنبياء والرسل، مجدد ملة إبراهيم، الذي أمره الله بإعادة الحق إلى نصابه، عند تيسر أسبابه، وكأنما كان التذكير ببناء البيت الحرام، وبالحكمة التي من أجلها وضع للناس، تمهيدا لما ورد بعد ذلك في هذا الربع، من توجيه الخطاب إلى مشركي قريش ومن سلك مسلكهم، بقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق}.

والجمع بين عبادة الأوثان وقول الزور هنا في قران واحد، والأمر باجتنابهما معا في آن واحد، مبني على ما يوجد بينهما من ارتباط وثيق، فالشرك في الحقيقة هو رأس الزور، لأن المشرك بالله يزعم زورا وبهتانا أن الوثن يستحق العبادة، ويشهد له بالقدرة على الضر والنفع وغيره من صفات الكمال، التي هي من صفات الله وحده دون سواه، وكل قول من أقوال الزور يلتقي مع الشرك في أنه كذب وباطل، وغير مطابق للحقيقة.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

لما أسكن إبراهيم ذريته عند البيت قال: {ربنا ليقيموا الصلاة.. (37)} [إبراهيم]: كأن المسألة من بدايتها مسألة عبادة وإقامة للصلاة، الصلاة للإله الحق والرب الصدق، لذلك أمره أولا: {أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} والمراد: طهر هذا المكان من كل ما يشعر بالشرك، فهذه هي البداية الصحيحة لإقامة بيت الله.

وهل كان يعقل أن يدخل إبراهيم- عليه السلام- في الشرك؟ بالطبع لا، وما أبعد إبراهيم عن الشرك، لكن حين يرسل الله رسولا، فإنه أول من يتلقى عن الله الأوامر ليبلغ أمته، فهو أول من يتلقى، وأول من ينفذ ليكون قدوة لقومه فيصدقونه ويثقوا به، لأنه أمرهم بأمر هو ليس بنجوة عنه.

ألا ترى قوله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم): {يا أيها النبي اتق الله.. (1)} [الأحزاب]: وهل خرج محمد (صلى الله عليه وسلم) عن تقوى الله؟ إنما الأمر للأمة في شخص رسولها، حتى يسهل علينا الأمر حين يأمرنا ربنا بتقواه، ولا نرى غضاضة في هذا الأمر الذي سبقنا إليه رسول الله...

إذن: قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام: {أن لا تشرك بي شيئا} لا تعني تصور حدوث الشرك من إبراهيم، وقال {شيئا} ليشمل النهي كل أنواع الشرك، أيا كانت صورته: شجر، أو حجر، أو وثن، أو نجوم، أو كواكب.

ويؤكد هذا المعنى بقوله: {وطهر بيتي} والتطهير يعني: الطهارة المعنوية بإزالة أسباب الشرك، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وطهارة حسية مما أصابه بمرور الزمن وحدوث الطوفان...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَطَهِّرْ بَيْتِي} طهارة كاملة بمعناها المادي الذي يستدعي النظافة من كل قذارة تسيء إلى جوّ التحليق في آفاق الطهارة الروحية التي تختزنها روحية العبادة وتخلقها داخل الإنسان، فإن الإسلام في كثير من تشريعاته يبتعد عن التجريد، ويعمل على إطلاق المعاني الروحية من حركة الأشياء المحيطة بحياة الإنسان عادة، ولذا، فإن الله شرّع الطهارة من الحدث والخبث، اللذين يمثلان القذارة المادية والمعنوية، كشرط لصحة الصلاة والطواف على سبيل الإلزام، واستحبّها لكثير من الأمور العبادية الأخرى، على سبيل الرخصة.. وهكذا أراد المسجد طاهراً في أرضه، كما أراد الإنسان فيه طاهراً في جسده وثيابه، لتعيش الطهارة الروحية في أجواء الطهارة المادية، ليتكامل المضمون الداخلي والشكل الخارجي {للطائفين} الذين يقصدون البيت للطواف حوله، بصفته الرمز المادي للتحرك في فلك رضى الله عبر احترام أوامره ونواهيه، في كل المجالات التي يطوف بها الإنسان في حياته، وعلى مستوى كل العلاقات التي يقيمها مع الناس من حوله، سواء من يتصل بهم وينتمي إليهم، أو من يتحرك في دوائرهم الفكرية والعملية، وفي كل الأماكن التي يتخذها الإنسان مواقع ثابتة أو متحركة لمشاريعه ولأوضاعه العامة والخاصة، ليكون ذلك كله مع الله في دائرة معينة يمثلها بيته، وله، في العبادة التي يخلص فيها الإنسان لربه تماماً كما هو الطواف بالبيت. {والقائمين} الذين يقومون لله في صلاتهم، كرمزٍ للقيام بين يديه في طاعتهم له في كل شيء، فهم يقومون له منتظرين أوامره ونواهيه ليطيعوها، وليخلصوا إليه الطاعة فيها وفي كل شيء، {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} الذين يتعبّدون له في ركوعهم وسجودهم، في ما يمثله الركوع والسجود من انحناء الإنسان أمام الله بجسده وانسحاقه أمامه بجبهته، كرمزٍ لانحناء كل حياته أمام إرادته، بعيداً عن الخضوع الكامل بكل أشكاله وبكل معانيه.