روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} (25)

{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام } وعيد لصنف من الكفرة ، وحسن عطف المضارع على الماضي لما أنه لم يرد بالمضارع حال أو استقبال كما في قولهم : فلان يحسن إلى الفقراء فإن المراد به استمرار وجود الإحسان ، وقيل : { يَصِدُّونَ } بمعنى صدوا إلا أنه عبر بالمضارع استحضاراً للصورة الماضية تهويلاً لأمر الصد ، وقيل لا عطف بل الجملة خبر مبتدأ محذوف والمجموع في موضع الحال من فاعل { كَفَرُواْ } أي وهم يصدون ، وجوز أن تكون الجملة حالا من غير تقدير مبتدأ لشبهها بالجملة الاسمية معنى وخبر إن محذوف لدلالة آخر الآية الكريمة عليه أي نذيقهم من عذاب اليم ، وقدره الزمخشري بعد { المسجد الحرام } وتعقبه أبو حيان بأنه لا يصح لما فيه من الفصل بين الصفة وهو { المسجد } والموصوف وهو { الذي }

وأجيب باحتمال أنه جعل { الذي } نعتاً مقطوعاً ، وقدره ابن عطية بعد { والباد } وهو أولى إلا أنه قدر خسروا أو هلكوا وتقدير نذيقهم الخ أولى منه ، وقيل الواو في { وَيَصُدُّونَ } زائدة والجملة بعده خبران .

وتعقبه ابن عطية بأنه مفسد للمعنى المراد وغيره بأن البصريين لا يجيزون زيادة الواو والقول بجواز زيادتها قول كوفي مرغوب عنه ، والظاهر أن { المسجد } عطف على { سَبِيلٍ } وجوز أن يكون معطوفاً على الاسم الجليل ، والآية على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم عام الحديبية عن المسجد الحرام فكره عليه الصلاة والسلام أن يقاتلهم وكان حرماً بعمرة ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل ، والمراد بالمسجد الحرام مكة وعبر به عنها لأنه المقصود المهم منها ، ويدل على ذلك قوله تعالى : { الذي جعلناه لِلنَّاسِ } أن كائناً من كان من غير فرق بين مكي وآفاقي { سَوَاء العاكف فِيهِ والباد } أي المقيم فيه والطارئ فإن الإقامة لا تكون في المسجد نفسه بل في منازل مكة وفي وصفه بذلك زيادة التشنيع على الصادين عنه ، وقد استشهد بعض الأئمة بالآية على عدم جواز بيع دور مكة وإجارتها وإلا لما استوى العاكف فيها والباد ، وقد ورد التصريح بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة ، فروي من عدة طرق أنه عليه الصلاة والسلام قال : «مكة حرمها الله تعالى لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها » وذكر ابن سابط أن دور أهل مكة كانت بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل بابا فأنكر عليه عمر رضي الله تعالى عنه قال : أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله تعالى ؟ فقال : إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة فتركه فاتخذ الناس الأبواب ، وأخرج ابن ماجه .

وابن أبي شيبة عن علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأبو بكر . وعمر رضي الله تعالى عنهما وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن ، وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : من أكل كراء بيوت مكة فإنما أكل ناراً في بطنه لأن الناس في الانتفاع بها سواء ، وجاء صدره من رواية الدارقطني مرفوعاً . وفي النهاية لا بأس ببيع بناء مكة ويكره بيع أرضها وهذا عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال : لا بأس ببيع أرضها وهو رواية عنه أيضاً وهو مذهب الشافعي عليه الرحمة وعليه الفتوى . وفي تنوير الأبصار وشرحه الدرر المختار وجار بيع بناء بيوت مكة وأرضها بلا كراهة وبه قال الشافعي وبه يفتي عيني . وفي البراهن في باب العشر ولا يكره بيع أرضها كبنائها وبه يعمل . وفي مختارات النوازل لصاحب الهداية لا بأس ببيع بنائها وإجارتها لكن في الزيلعي وغيره يكره إجارتها ، وفي آخر الفصل الخامس من التاتار خانية وإجارة الوهبانية قال أبو حنيفة : أكره إجارة بيوت مكة في أيام الموسم ؛ وكان يفتي لهم أن ينزلوا عليهم في دورهم لقوله تعالى : { سَوَاء العاكف فِيهِ والباد } ورخص فيها في غير أيام الموسم ؛ وكان يفتي لهم أن ينزلوا عليهم في دورهم لقوله تعالى : { سَوَاء العاكف فِيهِ والباد } ورخص فيها في غير أيام الموسى انتهى فليحفظ ، قلت : وبهذا يظهر الفرق والتوفيق انتهى .

والذي يفهم من غاية البيان أن القول بكراهة إجارة بيوتها أيام الموسم مما لم يتفرد به الإمام بل وافقه عليه صاحباه حيث نقل عن تقريب ازمام الكرخي ما نصه وروي هشام عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه كره إجارة بيوت مكة في الموسم ورخص في غيره ، وكذا قال أبو يوسف ، وقال هشام : أخبرني محمد عن أبي حنيفة أنه يكره كراء بيوت مكة في الموسم ويقول لهم ان ينزلوا عليهم في دورهم إن كان فيها فضل وإن لم يكن فلا وهو قول محمد انتهى .

والذي تحرر مما رأيناه من أكثر معتبرات . كتب ساداتنا الحنفية ان جواز بيع بناء البيوت متفق عليه لأنه ملك لمن بناه كمن بنى في أرض الوقف باذن المتولى ، ولا يقال : إنه بناء غاصب كمن بنى بيتاً في جامع لظهور الاذن هنا دونه ثمة ، وكذا كراهة الإجارة في أيام الموسم وأما بيع الأرض فعند الأمامين جائز بلا كراهة قولاً واحداً وعن الإمام روايتان الجواز وعدمه والمفتي به الجواز ، ومستند من يجوز من الكتاب الجليل هذه الآية . وأجاب أصحاب الشافعي عنها أن المسجد الحرام في المطاف والعاكف في المعتكف للعبادة المعدود من أهل المسجد لملازمته له أظهر ، وكذلك المساواة في أنه من شعائر الله تعالى المنصوبة لكل عاكف وباد أوضح وهو المقابل للموصوف بالصد عن سبيل الله تعالى والمسجد الحرام خاصة فما كانوا يصدون عن مكة ولا ان الصد عنها لغير مريد النسك معصية وأي مدخل لحديث التمليك وعدمه في هذا المساق .

والاستدراك بأن له مدخلاً على سبيل الادماج وإشارة النص كلام لا طائل تحته ، وقد فسر { سَوَآء } بما فسر كذا في الكشف ، وقد جرت مناظرة بمكة بين الشافعي . واسحق بن راهويه الحنظلي وكان اسحق لا يرخص في كراه دور مكة فاحتج الشافعي بقوله تعالى : { الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقّ } [ الحج : 40 ] فأضيفت الديار إلى مالكيها وقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة «مكن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن » وبأنه قد اشترى عمر رضي الله تعالى عنه دارء السجن أترى أنه اشترى من مالكيها أو غير مالكيها قال اسحق : فلما علمت أن الحجة قد لزمتني تركت قولي ، وأجاب بعضهم أن الإضافة إلى مالكي منفعة السكنى وأن عمر رضي الله تعالى عنه اشترى البناء دون الأرض وأرضى بالثمن من أنفق ما لا فيه لحاجة العامة وللإمام من ذكل ما ليس لغيره . وتعقب بأن الاستدلال بالظاهر والعدول عن الظاهر دون سند أقوى غير ملتفت إليه ، ولذا قال ابن راهويه : وهو أحد أركان المسلمين وعلم من أعلام الدين ما قال .

والظاهر أن الأخبار المصرحة بتحريم البيع والإجارة لم تصح عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وعند من قال بمثل قوله ؛ ونصب { سَوَآء } على أنه مفعول ثان لجعلنا ، والأول الضمير الغائب المتصل و { العاكف } مرتفع به لأنه بمعنى مستو وإن كان في الأصل مصدراً ، ومن كلامهم مررت برجل سواء هو والعدم ، واللام ظرف لما عنده .

وجوز أن يكون { لِلنَّاسِ } في موضع المفعول الثاني أي جعلناه مباحاً للناس أو معبداً لهم و { سَوَآء } حالا من الهاء وكذا يكون حالاً إذا لم يعد الجعل إلى مفعولين .

/ وقرأ الجمهور { سَوَآء } بالرفع على أنه خبر { والعاكف } مبتدأ ، وضعف العكس لما فيه من الأخبار بالمعرفة عن النكرة ، والجملة في موضع المفعول الثاني أو الحال ، وجوز أن تكون تفسيرية لجعله للناس ؛ وقرأت فرقة منهم الأعمش في رواية القطعي { فِيهِ سَوَآء } بالنصب { العاكف } فيه بالجر ، ووجه النصب ما تقدم ، ووجه جر { العاكف } أنه بدل تفصيل من الناس ، وقيل : هو عطف بيان . وقرئ { *والبادي } بإثبات الياء وصلا ووقفاً ، وقرئ بتركها فيهما وبإثباتها وصلا وحذفها وقفاً { والباد وَمَن يُرِدْ فِيهِ } مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول أي ومن يرد فيه شيئاً ما أو مراداً ما ، وقدر ابن عطية المفعول الناس أي ومن يرد فيه الناس .

وقوله تعالى : { بِإِلْحَادٍ } أي عدول عن القصد أي الاستقامة المعنوية ، وأصله إلحاد الحافر { بِظُلْمٍ } بغير حق حالان مترادفان أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار والباء فيهما للملابسة ، أو الأول حال والثاني متعلق به والباء فيه للسببية أي ملحداً بسبب الظلم كالإشراك واقتراف الآثام ، وقال أبو عبيدة : الباء زائدة و { إلحاد } مفعول { وَلَمْ يُرِدْ } وأنشد عليه قول الأعشى :

ضمنت برزق عيالنا أرماحنا ***

وأيد بقراءة الحسن { وَمَن يُرِدِ إلحاده بِظُلْمٍ } وهي على معنى إلحاداً فيه إلا أنه توسع فقيل إلحاده ، وقال أبو حيان : الأولى أن يضمن «يرد » معنى يتلبس وتجعل الباء للتعدية . وقرأت فرقة «يرد » بفتح الياء من الورود . وحكاها الكسائي . والفراء أي من أتى فيه بالحاد الخ ، وتفسير الإلحاد بما ذكر هو الظاهر فيشمل سائر الآثام لأن حاصل معناه الميل عن الحق إلى الباطل وهو محقق في جميع الآثام ، وكذا المراد بالظلم عند جمع وجمعهما على هذا للتأكيد ، وقيل : المراد بذلك الشرك ولم يرتضه ابن أبي مليكة ، فقد أخرج عبد بن حميد أنه سئل عن قوله تعالى : { وَمَن يُرِدِ } الخ فقال : ما كنا نشك أنها الذنوب حتى جاء أعلاج من أهل البصرة إلى أعلاج من أهل الكوفة فزعموا أنها الشرك . وأخرج أبو داود وغيره عن يعلى بن أمية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه ، وهو من ذكر بعض الأفراد لاقتضاء الحال إياه ، وجعل بعضهم من ذلك دخوله من غير إحرام ، وروي عن عطاء تفسير الإلحاد به . وأخرج ابن جرير . وجماعة عن مجاهد قال : كان لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يصلي صلى في الذي في الحرم وإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الذي في الحل فقيل له فقال : نحدث أن من الإلحاد فيه لا والله بلى والله { نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } جواب لمن الشرطية . والظاهر أن الوعيد على إرادة ذلك مطلقاً فيفيد أن من أراد سيئة في مكة ولم يعملها يحاسب على مجرد الإرادة وهو قول ابن مسعود . وعكرمة . وأبي الحجاج ، وقال الخفاجي : الوعيد على الإرادة المقارنة للفعل لا على مجرد الإرادة لكن في التعبير بها إشارة إلى مضاعفة السيئات هناك والإرادة المصممة مما يؤاخذ عليها أيضاً وإن قيل إنها ليست كبيرة ، وقد روي عن مالك كراهة المجاورة بمكة انتهى ، وإلى مضاعفة السيئة في مكة ذهب مجاهد ، فقد أخرج عنه ابن المنذر وغيره أنه قال : تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات ، وقال رحمه الله تعالى : سألت ابن عمر وكان منزله في الحل ومسجده في الحرم لم تفعل هذا ؟ فقال : لأن العمل في الحرم أفضل والخطيئة فيه أعظم فينبغي لمن كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد في جميع ما يهم به ويقصده .

والظاهر أن هذه الإذاقة في الآخرة ، وقيل كان قبل أن يستحله أهله تعجل العقوبة في الدنيا لمن قصده بسوء : وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال في الآية . حدثنا رجل سمعه من عقب المهاجرين والأنصار أنهم أخبروه أن ايما أحد أراد به ما أراد أصحاب الفيل عجل لهم العقوبة في الدنيا وقال : إنما يوفي استحلاله من قبل أهله ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما ينفعك في هذا المطلب ، وحد بعضهم الحرم بقوله :

وللحرم التحديد من أرض طيبة *** ثلاثة أميال إذا رمت اتقانه

وسبعة أميال عراق وطائف *** وجدة عشر ثم تسع جعرانه

ومن يمن سبع بتقديم سينه *** وقد كملت فاشكر لربك إحسانه

وأما المسجد الحرام فيطلق على الحرم كله عند عطاء فيكون حده ما ذكر . وفي البحر العميق عن أبي هريرة قال : إنا لنجد في كتاب الله تعالى أن حد المسجد الحرام إلى آخر المسعى ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : أساس المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام من الحزوة إلى مخرج مسيل جياد ، وقد ذكروا أن طول المسجد اليوم أربعمائة ذراع وأربعة أذرع وعرضه ثلثمائة ذراع . وحكى أنه لم يكن كذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن له جدار يحيط به فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وسع المسجد واشترى دوراً فهدمها وأدخلها فيه ثم أحاط عليه جداراً قصيراً دون القامة وكانت المصابيح توضع عليه ، ثم لما استخلف عثمان اشترى دوراً أيضاً ووسع بها وبنى المسجد والأروقة ، ثم إن عبد الله بن الزبير زاد سنة بضع وستين في المسجد زيادة كثيرة في خلافته ، ومن ذلك بعض دار الأزرقي اشتراه بسبعة آلاف دينار ، ثم عمره بعد ذلك عبد الملك بن مروان ولم يزيد فيه لكن رفع جدار المسجد وحمل إليه أعمدة الحجارة والرخام ، ثم إن المنصور زاد في شقة الشامي وبناه وجعل فيه أعمدة من الرخام ، ثم زاد المهدي بعده مرتين وكانت الكعبة في جانب المسجد فأحب أن تكون في الوسط فاشترى دوراً وزاد في المسجد ووسطها كذا ذكره النووي .

وفي البحر العميق أن زيادة المهدي هي التي تلي دار الندوة خلف مقام الحنفي ، ثم لما انتهى الدولة إلى سلاطين آل عثمان أبقى الله تعالى دولتهم ما دام الدوران لم يألوا جهداً في خدمته والسعي في مرمته .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} (25)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} يقول: ويمنعون الناس عن دين الله، عز وجل، {و} عن {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه} يعني: المقيم في الحرم، وهم أهل مكة {والباد} يعني: من دخل مكة من غير أهلها. {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} يقول: من لجأ إلى الحرم يميل فيه بشرك {نذقه من عذاب أليم}، يعني: وجيعا.

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

{سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25]. 642- ابن رشد: سئل مالك عن هذه الآية: {سواء العاكف فيه والباد} قال: سواء في الحق والسعة. والباد أهل البادية وغيرهم ممن يقدم عليهم. وكانت الفساطيط تضرب في الدور. ولقد سمعت أن عمر بن الخطاب كان ينزع أبواب مكة إذا قدم الناس.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا توحيد الله وكذّبوا رسله وأنكروا ما جاءهم به من عند ربهم، "ويَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ الله "يقول: ويمنعون الناس عن دين الله أن يدخلوا فيه، وعن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس الذين آمنوا به كافة لم يخصص منها بعضا دون بعض "سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ "يقول: معتدل في الواجب عليه من تعظيم حرمة المسجد الحرام، وقضاء نسكه به، والنزول فيه حيث شاء، العاكف فيه وهو المقيم به، والباد: وهو المنتاب إليه من غيره.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم: معناه: سواء العاكف فيه وهو المقيم فيه والباد، في أنه ليس أحدهما بأحقّ بالمنزل فيه من الآخر... عن ابن سابط، قال: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم، وكان الرجل إذا وجد سعة نزل. ففشا فيهم السرق، وكل إنسان يسرق من ناحيته، فاصطنع رجل بابا، فأرسل إليه عمر: أتخذت بابا من حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنما جعلته ليحرز متاعهم. وهو قوله: "سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ" قال: الباد فيه كالمقيم، ليس أحد أحقّ بمنزله من أحد إلا أن يكون أحد سبق إلى منزل...

عن مجاهد، قوله: سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ قال: الساكن، والبَادِ الجانب سواء حقّ الله عليهما فيه...

عن مجاهد وعطاء: "سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ" قالا: من أهله، "والبَادِ" الذي يأتونه من غير أهله هما في حرمته سواء.

وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك لأن الله تعالى ذكره ذكر في أوّل الآية صدّ من كفر به من أراد من المؤمنين قضاء نسكه في الحرم عن المسجد الحرام، فقال: "إنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ"، ثم ذكر جلّ ثناؤه صفة المسجد الحرام، فقال: "الّذِي جَعَلْناهُ للنّاسِ" فأخبر جلّ ثناؤه أنه جعله للناس كلهم، فالكافرون به يمنعون من أراده من المؤمنين به عنه. ثم قال: طسَوَاءً العاكِفُ فِيهِ وَالبادِ" فكان معلوما أن خبره عن استواء العاكف فيه والباد، إنما هو في المعنى الذي ابتدأ الله الخبر عن الكفار أنهم صدّوا عنه المؤمنين به وذلك لا شكّ طوافهم وقضاء مناسكهم به والمقام، لا الخبر عن ملكهم إياه وغير ملكهم. وقيل: "إنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ" فعطف ب «يصدّون» وهو مستقبل على «كفروا» وهو ماض، لأن الصدّ بمعنى الصفة لهم والدوام. وإذا كان ذلك معنى الكلام، لم يكن إلا بلفظ الاسم أو الاستقبال، ولا يكون بلفظ الماضي. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: إن الذين كفروا من صفتهم الصدّ عن سبيل الله، وذلك نظير قول الله: "الّذِين آمَنُوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوُبهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ"...

وقوله: "وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحادٍ بِظْلُمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ" يقول تعالى ذكره: ومن يرد فيه إلحادا بظلم نذقه من عذاب أليم، وهو أن يميل في البيت الحرام بظلم...

وأما بعض نحويي الكوفيين فإنه كان يقول: أدخلت الباء فيه، لأن تأويله: ومن يرد بأن يلحد فيه بظلم...

واختلف أهل التأويل في معنى الظلم الذي من أراد الإلحاد به في المسجد الحرام أذاقه الله من العذاب الأليم؛

فقال بعضهم: ذلك هو الشرك بالله وعبادة غيره به أي بالبيت...

وقال آخرون: هو استحلال الحرام فيه أو ركوبه... وقال آخرون: بل معنى ذلك الظلم: استحلال الحرم متعمدا... وقال آخرون: بل ذلك احتكار الطعام بمكة...

وقال آخرون: بل ذلك كل ما كان منهيّا عنه من الفعل، حتى قول القائل: لا والله، وبلى والله...

وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب... أنه معنيّ بالظلم في هذا الموضع كلّ معصية لله، وذلك أن الله عمّ بقوله: "وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلحادٍ بِظُلْمٍ" ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ومن يرد فيه بإلحاد بظلم}... وأصل الإلحاد، هو العدول والميل عن الطريق. وتأويله: ومن يُلحد فيه إلحاد ظلم نذقه كذا.

وقال بعضهم: من هم فيه بإلحاد بظلم نذقه كذا.

ثم يحتمل تخصيص ذلك المكان بما ذكر وجوها:

أحدها: ليعلموا أن كثرة الخيرات وتضاعفها مما لا يعمل في إسقاط المساوئ فيه وهدمها لما روي: (إن الصلاة واحدة بمكة تعدل كذا صلاة في غيرها من الأماكن، وكذلك حسنة فيها) [بنحوه الطبراني في الكبير 1/907].

والثاني: خصت بالذكر على التغليظ والتشديد على ما خصت تلك البُقعة بتضاعف الحسنات... وجائز أن يكون ما ذكرنا من التغليظ والتشديد وتضاعف العقوبة. ولذلك كره قوم الجوار بمكة لما تتضاعف بها العقوبة إذا ارتكب [فيها مأثم، وألحد فيها...

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بظُلْمٍ}؛ فإن الإلحاد هو المَيْلُ عن الحق إلى الباطل؛ وإنما سُمّي اللّحد في القبر؛ لأنه مائل إلى شقّ القبر. ورُوي عن ابن عمر أنه قال: ظلم الخادم فما فوقه بمكة إلحاد.

قال أبو بكر: الإلحاد مذموم لأنه سام للمَيْلِ عن الحق، ولا يطلق في الميل عن الباطل إلى الحق، فالإلحاد اسم مذموم؛ وخَصَّ الله تعالى الحَرَمَ بالوعيد في الملحد فيه تعظيماً لحرمته.

ولم يختلف المتأولون للآية أن الوعيد في الإلحاد مرادٌ به من أَلْحَدَ في الحرم كله وأنه غير مخصوص به المسجد، وفي ذلك دليل على أن قوله: {وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ} قد أُريد به الحرم؛ لأن قوله: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} هذه "الهاء "كناية عن الحرم وليس للحرم ذكر متقدم إلا قوله: {وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ}، فثبت أن المراد بالمسجد ههنا الحرم كله. وقد رَوَى عمارة بن ثوبان قال: أخبرني موسى بن زياد قال: سمعت يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ"... وليس يمتنع أن يكون جميع الذنوب مراداً بقوله: {بِإِلْحَادٍ بظُلْمٍ} فيكون الاحتكار من ذلك وكذلك الظلم والشرك، وهذا يدل على أن الذنب في الحرم أعظم منه في غيره. ويشبه أن يكون من كَرِهَ الجوار بمكة ذهب إلى أنه لما كانت الذنوب بها تتضاعف عقوبتها آثروا السلامة في تَرْكِ الجوار بها مخافة مواقعة الذنوب التي تتضاعف عقوبتها.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الصدُّ عن المسجد الحرام بإخافة السُّبُل، وبِغَصْبِ المال الذي لو بقي في يد صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

{ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}. 735- قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما من بلد يؤاخذ فيه العبد بالنية قبل العمل إلا مكة، وتلا قوله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الإحياء: 1/290]...

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان. أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الآخر، فسئل عن ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله، وبلى والله.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} أي الصدود منهم مستمرّ دائم {لِلنَّاسِ} أي الذين يقع عليهم اسم الناس من غير فرق بين حاضر وباد وتانيء وطارئ ومكي وآفاقي..

{نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} يعني أَنّ الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

وَالظُّلْمُ فِي الْحَقِيقَةِ لُغَةً وَشَرْعًا وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالذُّنُوبِ الْمُطْلَقَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَنَفْسِهِ، وَبِالذُّنُوبِ الْمُتَعَدِّيَةِ إلَى الْخَلْقِ، وَهُوَ أَعْظَمُ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَهُ فُسْطَاطَانِ: أَحَدُهُمَا فِي الْحِلِّ، وَالْآخَرُ فِي الْحَرَمِ؛ فَكَانَ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ دَخَلَ فُسْطَاطَ الْحَرَمِ، وَإِذَا أَرَادَ الْأَمْرَ لِبَعْضِ شَأْنِهِ دَخَلَ فُسْطَاطَ الْحِلِّ، صِيَانَةً لِلْحَرَمِ عَنْ قَوْلِهِمْ: كَلًّا وَاَللَّهِ، وَبَلَى وَاَللَّهِ، حِينَ عَظَّمَ اللَّهُ الذَّنْبَ فِيهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَاتِ تُعَظَّمُ عَلَى قَدْرِ عِظَمِ الزَّمَانِ، كَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَعَلَى قَدْرِ عِظَمِ الْمَكَانِ، كَالْبَلَدِ الْحَرَامِ، فَتَكُونُ الْمَعْصِيَةُ مَعْصِيَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا بِنَفْسِ الْمُخَالَفَةِ، وَالثَّانِيَةُ بِإِسْقَاطِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، أَوْ الْبَلَدِ الْحَرَامِ.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

فإنَّ من ألحدَ في الحرمِ حيثُ عُوقب بالعذاب الأليم فلأنْ يُعاقبَ من جمعَ إليه الكفرَ والصَّدَّ عن سبيل الله بأشدَّ من ذلك أحقُّ وأولى.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

والحاصل: أن هذه الآية دلت على أن من كان في البيت الحرام مأخوذ بمجرّد الإرادة للظلم، فهي مخصصة لما ورد من أن الله غفر لهذه الأمة ما حدّثت به أنفسها، إلا أن يقال: إن الإرادة فيها زيادة على مجرّد حديث النفس.

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

وإلى مضاعفة السيئة في مكة ذهب مجاهد، فقد أخرج عنه ابن المنذر وغيره أنه قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات، وقال رحمه الله تعالى: سألت ابن عمر وكان منزله في الحل ومسجده في الحرم لم تفعل هذا؟ فقال: لأن العمل في الحرم أفضل والخطيئة فيه أعظم فينبغي لمن كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد في جميع ما يهم به ويقصده.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يخبر تعالى عن شناعة ما عليه المشركون الكافرون بربهم، وأنهم جمعوا بين الكفر بالله ورسوله، وبين الصد عن سبيل الله ومنع الناس من الإيمان، والصد أيضا عن المسجد الحرام، الذي ليس ملكا لهم ولا لآبائهم، بل الناس فيه سواء، المقيم فيه، والطارئ إليه، بل صدوا عنه أفضل الخلق محمدا وأصحابه، والحال أن هذا المسجد الحرام، من حرمته واحترامه وعظمته، أن من يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم...

وفي هذه الآية الكريمة، وجوب احترام الحرم، وشدة تعظيمه، والتحذير من إرادة المعاصي فيه وفعلها...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

انتهى الدرس الماضي بتصوير عاقبة الخصام في الله، ومشهد الجحيم الحارق للكافرين، والنعيم الوارف للمؤمنين. وبهذه النهاية يتصل الدرس الجديد، فيتحدث عن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام. وهم الذين كانوا يواجهون الدعوة الإسلامية في مكة، فيصدون الناس عنها؛ ويواجهون الرسول [صلى الله عليه وسلم] والمؤمنين فيمنعونهم من دخول المسجد الحرام. وبهذه المناسبة يتحدث عن الأساس الذي أقيم عليه ذلك المسجد يوم فوض الله إبراهيم -عليه السلام- في بنائه، والأذان في الناس بالحج إليه. ولقد كلف إبراهيم أن يقيم هذا البيت على التوحيد، وأن ينفي عنه الشرك، وأن يجعله للناس جميعا، سواء المقيم فيه والطارى ء عليه، لا يمنع عنه أحد، ولا يملكه أحد.. ويستطرد إلى بعض شعائر الحج وما وراءها من استجاشة القلوب للتقوى وذكر الله والاتصال به.. وينتهي إلى ضرورة حماية المسجد الحرام من عدوان المعتدين الذين يصدون عنه ويغيرون الأساس الذي قام عليه؛ وبوعد الله للمدافعين بالنصر متى نهضوا بالتكاليف التي تفرضها حماية العقيدة.

والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس، سواء العاكف فيه والباد...

ولقد كان هذا النهج الذي شرعه الله في بيته الحرام سابقا لكل محاولات البشر في إيجاد منطقة حرام. يلقى فيها السلاح، ويأمن فيها المتخاصمون، وتحقن فيها الدماء، ويجد كل أحد فيها مأواه. لا تفضلا من أحد، ولكن حقا يتساوى فيه الجميع...

وهكذا سبق الإسلام سبقا بعيدا بإنشاء واحة السلام، ومنطقة الأمان، ودار الإنسان المفتوحة لكل إنسان!... والقرآن الكريم يهدد من يريد اعوجاجا في هذا النهج المستقيم بالعذاب الأليم: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم تذقه من عذاب أليم).. فما بال من يريد ويفعل؟ إن التعبير يهدد ويتوعد على مجرد الإرادة زيادة في التحذير، ومبالغة في التوكيد. وذلك من دقائق التعبير...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمعنى: كما كان سبب استحقاق المؤمنين ذلك النعيم اتّباعهم صراط الله كذلك كان سبَبُ استحقاق المشركين ذلك العذَاب كفرَهم وصدّهم عن سبيل الله...

وفيه مع هذه المناسبة لما قبله تخلّص بديع إلى ما بعده من بيان حقّ المسلمين في المسجد الحرام، وتهويل أمر الإلحاد فيه، والتنويهُ به وتنزيههُ عن أن يكون مأوى للشرك ورجس الظلم والعُدوان...

والمعروف من ذلك أنهم مَنَعُوا المسلمين بعد الهجرة من زيارة البيت فقد قال أبو جهل لسَعْد بن معاذ لما جاء إلى مكّة معتمراً وقال لصاحبه أميّة بن خلف: انتظر لي ساعة من النهار لعلّي أطوف بالبيت، فبينما سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل وعَرَفَهُ. فقال له أبو جهل: أتطوف بالكعبة آمناً وقد أوتيتم الصْباة؟ (يعني المسلمين). ومن ذلك مَا صنعوه يوم الحديبية. وقد قيل: إنّ الآية نزلت في ذلك. وأحسب أنّ الآية نزلت قبل ذلك سواء نزلت بمكة أم بالمدينة... وفي ذكر العكوف تعريض بأنهم لا يستحقون بسكنى مكة مزية على غيرهم، وبأنهم حين يمنعون الخارجين عن مكة من الدخول للكعبة قد ظلموهم باستئثارهم بمكة...

.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن صورة مثيرة من صور الصراع القائم بين الحق والباطل، والكفر والإيمان، فقد كان الشرك بمكة في فترة من الدهر عاتيا طاغيا، فاستولى على مهد التوحيد وقاعدته الأولى في الحرم الشريف، واستبد بهما، حتى حرم من الكعبة ومقام إبراهيم وارث إبراهيم خاتم الأنبياء والمرسلين، وصده ومن معه من المؤمنين، عن الوصول إلى بيت الله الحرام وأداء مناسكهم فيه... وبذلك أكد كتاب الله ان بيت الله الحرام ليس ملكا لفريق دون آخر، وأن المقيمين بمكة، وهم "العاكفون "والوافدون عليها، وهم "البادون" سواسية فيما لهم في بيت الله من حقوق، بصفته منسكا وقبلة ومتعبدا. وأعلن كتاب الله أن صد الناس عن المسجد الحرام بأية وسيلة من الوسائل، وبأي عذر ينتحل من الأعذار، يعتبر إلحادا وظلما، إذ هو تحويل لصبغة المسجد الحرام، وخروج به عن أصله بالمرة، وتوعد كتاب الله كل من صد عن سبيله بالعذاب الأليم...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وكلمة (الحرام) وصف فيها بعض المكان وبعض الزمان، وهي خمسة أشياء: نقول: البيت الحرام وهو الكعبة، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، ثم المشعر الحرام. وهذه عبارة عن دوائر مركز الكعبة، هذه أماكن، ثم الخامس وهو زمن: الشهر الحرام الذي قال الله فيه: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...

وحرمة الزمان والمكان هنا لحكمة أرادها الخالق سبحانه، لأنه رب رحيم بخلقه يريد أن يجعل لهم فرصة لستر كبريائهم، والحد من غرورهم، وكانت تنتشر بين القوم الحروب والصراعات التي كانت تذكي نارها عادات قبلية وسعار الحرب، حتى أن كلا الفريقين يريد أن يفني الآخر، وربما استمروا في الحرب وهم كارهون لها، لكن يمنعهم كبرياؤهم من التراجع والانسحاب. لذلك جعل الله سبحانه لهذه الأماكن والأزمنة حرمة لتكون ستارا لهذا الكبرياء الزائف، ولهذه العزة البغيضة. وكل حدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، فحرم الله القتال في الأشهر الحرم، حتى إذا ما استعرت بينهم حرب جاء شهر حرام، فأنقذ الضعيف من قبضة القوي دون أن يجرح كبرياءه، وربما هز رأسه قائلا: لولا الشهر الحرام كنت فعلت بهم كذا وكذا. فهذه- إذن- رحمة من الله بعباده، وستار يحميهم من شرور أنفسهم ونزواتها ويحقن دماءهم...

{ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} الإلحاد قد يكون في الحق الأعلى، وهو الإلحاد في الله عز وجل، أما هنا فيراد بالإلحاد: الميل عن طريق الحق، وقوله: {بظلم} الظلم في الشيء لا يسمو إلى درجة الكفر، والإلحاد بظلم إن حدث في بيت الله فهو أمر عظيم، لأنك في بيت ربك، الكعبة، وكان يجب عليك أن تستحي من مجرد حديث النفس بمعصية، مجرد الإرادة هنا تعد ذنبا، لأنك في مقام يجب أن تستشعر فيه الجلال والمهابة، فكما أعطى الله لبيته ميزة في مضاعفة الحسنات، كذلك عظم أمر المعصية وأنت في رحاب بيته، فتنبه لهذه المسألة...

فللمكان حرمة بحرمة صاحبه، فإذا كان للمكان حرمة بحرمة صاحبه، والبيت منسوب إلى الله، فأنت تعصى ربك في عقر داره، وأي جرأة أعظم من الجرأة على الله؟. وهذه خاصية للمسجد الحرام، فكل المساجد في أي مكان بيوت الله، لكن هناك فرق بين بيت الله باختيار الله، وبيت الله باختيار عباد الله، لذلك جعل بيت الله باختيار الله البيت الحرام هو القبلة التي تتجه إليها كل بيوت الله في الأرض...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

انطلقت دعوة الله في مكة؛ البلد الذي جعله حرماً آمناً يأوي إليه الناس من كل مكان ليعبدوه في المسجد الحرام، حيث يصلّون ويطوفون بالبيت الحرام. ولكن أهل مكة، الذين كانوا يتخذون الشرك قاعدة لتفكيرهم ولعبادتهم ونهجاً في حياتهم، واجهوا هذه الدعوة الجديدة بكل أساليب التعسف والتمرّد والضغط والنكران. وجاءت هذه الآية لتحدّد لنا طبيعة هذه المواجهة، وما أعدّه الله لهم في الدار الآخرة...

{وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} فلم يكتفوا بالكفر الإشراكيّ في تفكيرهم وسلوكهم، بل عملوا على الوقوف ضد كل من يريدون الدخول في الإسلام ويتحركون في سبيل الوصول إلى الحق، الذي يبلغ بهم رضوان الله ورحمته، فكانوا يلاحقون المؤمنين ليعذبوهم، وليشرّدوهم، ويمنعون الذين يحبون الإيمان أن يدخلوا فيه بالضغوط الصعبة القاسية التي يوجهونها إليهم {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الذي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} لا فرق فيه بين فردٍ وآخر أو بين جماعةٍ وأخرى ممن يؤمن بالله ويريد أن يعبده فيه، أو ممن يريد أن يدخله ليؤمن بالإسلام، فهو بيت الله الذي أراده للناس كافة، {سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}، فالمقيم فيه والآتي من الخارج إليه سيّان، لا يملك من يقيم في مكة منع القادم إليها من دخول المسجد، لأن خالق الأرض ومالكها هو من يملك إعطاء الإذن بالمنع والدخول من موقع خلقه له، {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} ويميل عن الخط المستقيم، وذلك بالقيام بأيّ عملٍ يعيق وصول الناس إليه، ويضرّ بحياتهم في داخله، عبر استخدام ما يملكه من قوّة تمكّنه من مواجهة حالات الضعف التي تحيط بالآخرين من المقيمين به أو الداخلين إليه، {بِظُلْمٍ} أي بدون حق، فإن ذلك ليس من حقه مهما قدم لتصرفه من مبررات وأعذار، لأن للناس حرية الدخول إلى الكعبة التي تمثل بيت الله، فيحجون إليها، ويعبدونه فيها، ولم يجعل لأحد سلطة منع الناس من ذلك، إلا في نطاق حمايتهم من الخطر وحمايتها من الضغط القاسي، فمن أراد ذلك بدون حق {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} جزاءً له على تمرده وعصيانه وظلمه، تماماً كالكافرين والصادّين عن سبيل الله.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

تحدّثت الآيات السابقة عن عامّة الكفّار، وهذه الآية تشير إلى مجموعة خاصة منهم باءت بمخالفات وذنوب عظيمة، ذات علاقة بالمسجد الحرام ومراسم الحجّ العظيم... وهذه الفئة من الكفّار ترتكب ثلاث جرائم كبيرة، إضافةً إلى إنكارها الحقّ، وجرائمها هي: صدّ الناس عن سبيل الله والإيمان به والطاعة له.

صدّهم عن حجّ بيت الله الحرام، وتوهم أنّ لهم امتيازاً عن الآخرين.

ممارستهم للظلم وإرتكابهم الإثم في هذه الأرض المقدّسة، والله يعاقب هؤلاء بعذاب أليم..

يقصد بالصدّ عن سبيل الله كلّ عمل يحول دون إيمان الناس ودون قيامهم بالأعمال الصالحة، وهذا المفهوم الواسع يشمل البرامج الإعلامية والعلمية التي تتوخّى التضليل عن السبيل السوي والأعمال الصالحة.