{ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى * ءاياتنا } بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها كما هو دأب قريش وديدنهم في أنديتهم وهم المراد بالموصول . وعن مجاهد أهل الكتاب فإن ديدنهم ذلك أيضاً ، ولذا أتى بإذا الدالة على التحقيق ، وهذا بخلاف النسيان الآتي ، وأصل الخوض من خاض القوم في الحديث وتخاوضوا إذا تفاوضوا فيه ، وقال الطبرسي : «الخوض التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب وترك التفهم والتبيين » ، وقال بعض المحققين : أصل معنى الخوض عبور الماء استعير للتفاوض في الأمور ، وأكثر ما ورد في القرآن للذم .
{ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } أي أتركهم ولا تجالسهم { حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ } أي كلام { غَيْرُهُ } أي غير آياتنا . والتذكير باعتبار كونها حديثاً فإن وصف الحديث بمغايرتها مشير إلى اعتبارها بعنوان الحديثية ، وقيل : باعتبار كونها قرآناً . والمراد بالخوض هنا التفاوض لا بقيد التكذيب والاستهزاء . وادعى بعضهم أن المعنى حتى يشتغلوا بحديث غيره وأن ذكر { يَخُوضُواْ } للمشاكلة ، واستظهر عود الضمير إلى الخوض . واستدل بعض العلماء بالآية على أن { إِذَا } تفيد التكرار لحرمة القعود مع الخائض كلما خاض ، ونظر فيه بأن التكرار ليس من إذا بل من ترتب الحكم على مأخذ الاشتقاق . واستدلال بعض الحشوية بها على النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته زاعماً أن ذلك خوض في آيات الله تعالى مما لا ينبغي أن يلتفت إليه .
{ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان } بأن يشغلك فتنسى الأمر بالإعراض عنهم فتجالسهم ابتداء أو بقاء ، وهذا على سبيل الفرض إذ لم يقع وأنى للشيطان سبيل إلى إشغال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذا عبر بأن الشرطية المزيدة ما بعدها . وذهب بعض المحققين أن الخطاب هنا وفيما قبل لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام والمراد غيره ، وقيل : لغيره ابتداء أي إذا رأيت أيها السامع وإن أنساك أيها السامع والمشهور عن الرافضة اختيار أن النبي صلى الله عليه وسلم منزه عن النسيان لقوله تعالى : { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى } [ الأعلى : 6 ] وأن غيرهم ذهب إلى جوازه وعلى نسبة الأول إليهم نص صاحب «الأحكام » والجبائي وغيرهما . وقال الأخير : إن الآية دليل على بطلان قولهم ذلك . والذي وقفت عليه في معتبرات كتبهم أنهم لا يجوزون النسيان ، وكذا السهو على النبي صلى الله عليه وسلم وكذا على سائر الأنبياء عليهم السلام فيما يؤديه عن الله تعالى من القرآن والوحي ، وأما ما سوى ذلك فيجوزون عليه عليه الصلاة والسلام أن ينساه ما لم يؤد إلى إخلال الدين .
وأنا أرى أن محل الخلاف النسيان الذي لا يكون منشؤه اشتغال السر بالوساوس والخطرات الشيطانية فإن ذلك مما لا يرتاب مؤمن في استحالته على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتفصيل الكلام في ذلك على ما في معتبرات كتبنا أن مذهب جمهور العلماء جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم في أحكام الشرع وهو ظاهر القرآن والأحاديث لكن اتفقوا على أنه عليه الصلاة والسلام لا يقر عليه بل يعلمه الله تعالى به ، ثم قال الأكثرون يشترط تنبهه عليه الصلاة والسلام على الفور متصلاً بالحادثة ولا يقع فيه تأخير ، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته صلى الله عليه وسلم واختاره إمام الحرمين ، ومنعت ذلك طائفة من العلماء في الأفعال البلاغية والعبادات كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه صلى الله عليه وسلم في الأقوال البلاغية ، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك .
وإليه مال الأستاذ أبو إسحق الإسفرائيني ، وصحح النووي الأول فإن ذلك لا ينافي النبوة ، وإذا لم يقر عليه لم يتحصل منه مفسدة ولا ينافي الأمر بالاتباع بل يحصل منه فائدة وهو بيان أحكام الناسي وتقرر الأحكام .
وذكر القاضي أنهم اختلفوا في جواز السهو عليه صلى الله عليه وسلم في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه فجوزه الجمهور . وأما السهو في الأقوال البلاغية فأجمعوا على منعه كما أجمعوا على امتناع تعمده ، وأما السهو في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحي فيجوزه قوم إذ لا مفسدة فيه ، ثم قال : والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من قال : يمتنع ذلك على الأنبياء عليهم السلام في كل خبر من الأخبار كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمداً ولا سهواً لا في صحة ولا مرض ولا رضى ولا غضب ، وحسبك في ذلك أن سِيَره صلى الله عليه وسلم وكلامه وأفعاله مجموعة يعتنى بها على مر الزمان ويتناولها الموافق والمخالف والمؤمن والمرتاب فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول ولا اعتراف بوهم في كلمة ولو كان لنقل كما نقل سهوه في الصلاة ونومه عليه الصلاة والسلام عنها واستدراكه رأيه في تلقيح النخل وفي نزوله بأدنى مياه بدر إلى غير ذلك . وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع . وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على هذا المبحث عند تفسير قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ } [ الحج : 52 ] الآية . وقرأ ابن عامر { يُنسِيَنَّكَ } بتشديد السين ونسي بمعنى أنسى ، وقال ابن عطية : نسي أبلغ من أنسى والنون في القراءتين مشددة وهي نون التوكيد ، والمشهور أنها لازمة في الفعل الواقع بعد أن الشرطية المصحوبة بما الزائدة ، وقيل : لا يلزم فيه ذلك ، وعليه قول ابن دريد
: أما ترى رأسي حاكي لونه *** طرة صبح تحت أذيال الدجى
{ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى } أي بعد تذكر الأمر بالإعراض كما عليه جمهور المفسرين . وقال أبو مسلم : المعنى بعد أن تذكرهم بدعائك إياهم إلى الدين ونهيك لهم عن الخوض في الآيات وليس بشيء . وجوز الزمخشري أن تكون { الذكرى } بمعنى تذكير الله تعالى إياه وأن المعنى «وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه » ، ولا يخفى أنه وجه بعيد مبني على قاعدة القبح والحسن التي هدمتها معاول أفكار العلماء الراسخين ، ثم إنا لا نسلم أن مجالسة المستهزئين مما ينكره العقول مطلقاً ، وذكر ابن المنير أن اللائق على ما قال وإن أنساك دون { أَمَّا * يُنسِيَنَّكَ } على أن إنساء الشيطان إن صح فعن السمعي أيسر ، وليس هذا أول خوض من الزمخشري في تأويل الآيات بل ذلك دأبه .
{ مَعَ القوم الظالمين } أي معهم فوضع المظهر موضع المضمر نعياً عليهم أنهم بذلك الخوض ظالمون واضعون للتكذيب والاستهزاء ، موضع التصديق والتعظيم راسخون في ذلك ، وفي الآية كما قال غير واحد إيذان بعدم تكليف الناسي ، وهذه من المسائل المتنازع فيها بينهم وعنونوها بمسألة تكليف الغافل وعدوا منه الناسي وللأشعري فيها قولان وصوب عدم التكليف لعدم الفائدة فيه أصلاً بخلاف التكليف بالمحال . ونقل ابن برهان في «الأوسط » عن الفقهاء القول بصحة تكليفه على معنى ثبوت الفعل بالذمة ، وعن المتكلمين المنع إذ لا يتصور ذلك عندهم ، وقد يظن أن الشافعي لنصه على تكليف السكران يرى تكليف الغافل وهو من بعض الظن فإنه إنما كلف السكران عقوبة له لأنه تسبب بمحرم حصل باختياره ولهذا وجب عليه الحد بخلاف الغافل . وأورد على القول بالامتناع أن العبد مكلف بمعرفة الله تعالى بدون العلم بالأمر وذلك لأن الأمر بمعرفته سبحانه وارد فلا جائز أن يكون وارداً بعد حصولها لامتناع تحصيل الحاصل فيكون وارداً قبله فيستحيل الإطلاق على هذا الأمر لأن معرفة أمره تعالى بدون معرفته سبحانه مستحيل فقد كلف معرفة الله تعالى مع غفلته عن ذلك التكليف .
وأجيب : بأن المعرفة الإجمالية كافية في انتفاء الغفلة والمكلف به هو المعرفة التفصيلية أو بأن شرط التكليف إنما هو فهم المكلف له بأن يفهم الخطاب قدر ما يتوقف عليه الامتثال لا بأن يصدق بتكليفه وإلا لزام الدور وعدم تكليف الكفار وهو هنا قد فهم ذلك وإن لم يصدق به . وصاحب «المنهاج » تبعاً لصاحب «الحاصل » أجاب بأن التكليف بمعرفة الله تعالى خارج عن القاعدة بالإجماع ، وتمام البحث يطلب من «كتب الأصول » .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا } بإظهار صفات نفوسهم وإثبات العلم والقدرة لها { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } [ الأنعام : 68 ] لأنهم محجوبون مشركون
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإذا رأيت}: سمعت يا محمد، {الذين يخوضون في آياتنا}: يستهزءون بالقرآن، وقالوا ما لا يصح، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره}: فقم عنهم لا تجالسهم حتى يكون حديثهم في غير أمر الله وذكره، {وإما ينسينك الشيطان}: فإن أنساك الشيطان فجالستهم بعد النهي، {فلا تقعد بعد الذكرى}، يقول: إذا ذكرت فلا تقعد، {مع القوم الظالمين}: المشركين. فقال المؤمنون عند ذلك: لو قمنا عنهم إذا خاضوا واستهزأوا، فإنا نخشى الإثم في مجالستهم، يعني حين لا نغير عليهم، فأنزل الله: {وما على الذين يتقون...}
- ابن العربي: قال مالك: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف. قال تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"وإذَا رأيْتَ" يا محمد المشركين "الّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنَا "التي أنزلناها إليك، ووحيْنا الذي أوحيناه إليك، وخوضهم فيها كان استهزاءهم بها وسَبّهم من أنزلها وتكلم بها وتكذيبهم بها. "فأعْرِضْ عَنْهُمْ": فصُدّ عنهم بوجهك، وقم عنهم ولا تجلس معهم، "حتى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غيرِهِ": حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم. "وإمّا يُنْسِيَنّكَ الشّيْطَانُ": وإن أنساك الشيطان نَهيْنا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا ثم ذكرت ذلك، فقم عنهم ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوض فيه لما خاضوا به فيه وذلك هو معنى ظلمهم في هذا الموضع.
عن السديّ قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبّوه واستهزأوا به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره.
"وإمّا يُنْسِيَنّكَ الشّيْطَانُ" يقول: نَسِيتَ فتقعد معهم، فإذا ذكرت فقم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يشبه أن يكون قوله: {يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} أي يكفرون بها، ويستهزئون بها كما قال في سورة النساء: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} [الآية: 140] فيكون الخوض في آيات [الله] الكفر بها والاستهزاء بها،... وقوله تعالى: {فأعرض عنهم} يحتمل النهي عن القعود معهم على ما ذكر من قوله: {فلا تقعدوا معهم}، ويحتمل الإعراض: الصفح عنهم وترك المجازاة لمساوئهم، كقوله تعالى: {فاصفح عنهم وقل سلام} [الزخرف: 89] وكقوله تعالى: {فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 63] [فيه النهي] عن القعود معهم، وفيه الأمر بالتبليغ.
وهذا يدل على أن علينا ترك مجالسة الملحدين وسائر الكفار عند إظهارهم الكفر والشرك وما لا يجوز على الله تعالى إذا لم يمكنّا إنكاره، وكنا في تقية من تغييره باليد أو اللسان؛ لأن علينا اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمره الله به، إلا أن تقوم الدلالة على أنه مخصوص بشيء منه.
من خاض في آيات الله تركت مجالستُه وهُجر، مؤمنا كان أو كافرا.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
لفظ هذا الخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، واختلف في معناه فقيل إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه وهذا هو الصحيح، لأن علة النهي وهي سماع الخوض في آيات الله تشملهم وإياه، وقيل: بل المعنى أيضاً أريد به النبي صلى الله عليه وسلم وحده، لأن قيامه عن المشركين كان يشق عليهم وفراقه لهم على معارضته وإن لم يكن المؤمنون عندهم كذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينابذهم بالقيام عنهم إذا استهزأوا وخاضوا، ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض والاستهزاء، وهذا التأويل يتركب على كلام ابن جرير يرحمه الله. والخوض أصله في الماء، ثم يستعمل بعد في غمرات الأشياء التي هي مجاهل تشبيهاً بغمرات الماء،... و {الذكرى} والذكر واحد في المعنى، وإنما هو تأنيث لفظي، ووصفهم هنا ب {الظالمين} متمكن لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، و {أعرض} في هذه الآية بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض وأكمل وجوهه، ويدل على ذلك {فلا تقعد}.
ولفظ الخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه العبث واللعب، قال تعالى حكاية عن الكفار: {وكنا نخوض مع الخائضين}. وإذا سئل الرجل عن قوم فقال: تركتهم يخوضون، أفاد ذلك أنهم شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها. قوله: {وإذا رأيت} قيل إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، وقيل: الخطاب لغيره أي إذا رأيت أيها السامع الذين يخوضون في آياتنا.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
أنذر الله تعالى في الآيات السابقة هذه الأمة- أمة الدعوة- مثل العذاب الذي بعثه على مكذبي الرسل من الأولين وعلى المتفرقين المختلفين في دينهم من أهل الكتاب، وجعل ذلك مع ما قبله من حجج القرآن وآياته المثبتة لكونه من عند الله، لا من عند رسوله الأمي الذي لم يكن يعلم شيئا من أخبار الأمم ولا من سنن الله في مكذبي الرسل ومتبعيهم، تلك الآيات التي يرجى لمن تدبرها فقه الأمور وإدراك حقائق العلم. وذكر بعد هذا الإنذار والبيان تكذيب قريش بالقرآن، وكون الرسول مبلغا لا خالقا للإيمان، وإحالتهم في ظهور صدق أنبائه على الزمان. ثم بين في هذه الآيات كيف يعامل الذين يخوضون في آيات الله بالباطل من هذه الأمة – أعني أمة الدعوة والذين اتخذوا دينهم هزؤا ولعبا من كفارها الذين لم يجيبوا دعوتها، بما يعلم منه حكم من يدخل في عموم ذلك ممن أجابوهما، على نحو ما تقدم في الآيات التي قبلها.
وأصل الخوض وحقيقته الدخول في الماء والمرور فيه مشيا أو سباحة وجدح السويق أي لتَّ الدقيق باللبن، ويستعار لمرور الإبل في السراب، ووميض البرق في السحاب، وللاندفاع في الحديث والاسترسال فيه، وللدخول في الباطل مع أهله، وبهذين المعنيين استعمل في القرآن، وفسر الخوض هنا على القول الأول بالكفر بالآيات والاستهزاء بها...وفسر الخوض في الآيات على القول الآخر لمفسري السلف بالمراء والجدل والخصومة فيها اتباعا للأهواء، وانتصارا للمذاهب والأحزاب،... والصواب من القول في الآية أنها عامة، وأن المخاطب بها أولا بالذات سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم وكل من كان معه من المؤمنين، فكل ما ورد عن السلف في تفسيرها صحيح...
وسبب هذا النهي أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم وإغراء بالتمادي فيه، وأكبره أنه رضاء به ومشاركة فيه، والمشاركة في الكفر والاستهزاء كفر ظاهر، لا يقترفه باختياره إلا منافق مراء أو كافر مجاهر، وفي التأويل لنصر المذاهب أو الآراء، مزلقة في البدع واتباع الأهواء، وفتنته أشد من فتنة الأول، فإن أكثر الذين يخوضون في الجدل والمراء من أهل البدع وغيرهم تغشهم أنفسهم بأنهم ينصرون الحق ويخدمون الشرع، ويؤيدون الأئمة المهتدين، ويخذلون المبتدعين المضلين، ولذلك حذر السلف الصالحون من مجالسة أهل الأهواء، أشد مما حذروا من مجالسة الكفار، إذ لا يخشى على المؤمن من فتنة الكافر ما يخشى عليه من فتنة المبتدع، لأنه يحذر من الأول على ضعف شبهته، ما لا يحذر من الثاني وهو يجيئه من مأمنه، ولا يعقل أن يقعد المؤمن باختياره مع الكفار في حال استهزائهم بآيات الله وتكذيبهم بها وطعنهم فيها، كما يقعد مختارا مع المجادلين فيها المتأولين لها، وإنما يتصور قعود المؤمن مع الكافر المستهزئ في حال الإكراه وما يقرب منها، كشدة الضعف، ولا سيما إذا كان في دار الحرب، ولم تكن مكة دار إسلام عند نزول هذه الآيات.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف على جملة {وكذّب به قومك} [الأنعام: 66]. والعدول عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالاسم الظاهر وهو اسم الموصول، فلم يقل: وإذا رأيتهم فأعرض عنهم، يدلّ على أنّ الذي يخوضون في الآيات فريق خاص من القوم الذين كذّبوا بالقرآن أو بالعذاب. فعُمُوم القوم أنكروا وكذّبوا دون خَوض في آيات القرآن، فأولئك قسم، والذين يخوضون في الآيات قسم كان أبذَى وأقذَع، وأشدّ كفراً وأشنع، وهم المتصدّون للطعن في القرآن. وهؤلاء أُمِر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن مجادلتهم وترك مجالسهم حتَّى يرعُووا عن ذلك. ولو أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإعراض عن جميع المكذّبين لتعطَّلت الدّعوة والتبليغ.
ومعنى {إذا رأيتَ الذين يخوضون} إذا رأيتهم في حال خوضهم. وجاء تعريف هؤلاء بالموصولية دون أن يقال الخائضين أو قوماً خائضين لأنّ الموصول فيه إيماء إلى وجه الأمر بالإعراض لأنَّه أمر غريب، إذ شأن الرسول عليه الصلاة والسلام أن يمارس الناس لعرض دعوة الدين، فأمرُ الله إيَّاه بالإعراض عن فريق منهم يحتاج إلى توجيه واستئناس. وذلك بالتعليل الذي أفاده الموصول وصلته، أي فأعرض عنهم لأنَّهم يخوضون في آياتنا.
وهذه الآية أحسن ما يمثّل به، لمجيء الموصول للإيماء إلى إفادة تعليل ما بني عليه من خبر أو إنشاء، ألا ترى أنّ الأمر بالإعراض حُدّد بغاية حصول ضدّ الصلة. وهي أيضاً أعدل شاهد لصحة ما فسّر به القطب الشيرازي في « شرح المفتاح» قولَ السكاكي (أو أن تومئ بذلك إلى وجه بناء الخبر) بأنّ وجه بناء الخبر هو علَّته وسببه، وإن أبى التفتزاني ذلك التفسير.
والخوض حقيقته الدخول في الماء مشياً بالرّجْلين دون سباحة ثم استعير للتصرّف الذي فيه كلفة أو عنت، كما استعير التعسّف وهو المشي في الرمل لذلك. واستعير الخوض أيضاً للكلام الذي فيه تكلَّف الكذب والباطل لأنَّه يتكلَّف له قائله، قال الراغب: وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يُذمّ الشروع فيه، قال تعالى: {يخوضون في آياتنا}، {نخوض ونلعب} [التوبة: 65]، {وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69]، {ذرهم في خوضهم يلعبون} [الأنعام: 91]. فمعنى {يخوضون في آياتنا} يتكلَّمون فيها بالباطل والاستهزاء.
والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة وحكم بقية المسلمين كحكمه، كما قال في ذكر المنافقين في سورة النساء (140) {فلا تقعدوا معهم حتَّى يخوضوا في حديث غيره.} والإعراض تقدّم تفسيره عند قوله تعالى: {فأعرض عنهم وعِظهم} في سورة النساء (63). والإعراض عنهم هنا هو ترك الجلوس إلى مجالسهم، وهو مجاز قريب من الحقيقة لأنَّه يلزمه الإعراض الحقيقي غالباً، فإن هم غشُوا مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام فالإعراض عنهم أن يقوم عنهم وعن ابن جريج: فجَعَل إذَا استهزأوا قام فحذِروا وقالوا لا تستهزئوا فيقومَ.
وفائدة هذا الإعراض زجرهم وقطع الجدال معهم لعلَّهم يرجعون عن عنادهم.
و {حتَّى} غاية للإعراض لأنَّه إعراض فيه توقيف دعوتهم زماناً أوجبه رعي مصلحة أخرى هي من قبيل الدعوة فلا يضرّ توقيف الدعوة زماناً، فإذا زال موجب ذلك عادت محاولة هديهم إلى أصلهم لأنَّها تمحَّضت للمصلحة.
وإنَّما عبّر عن انتقالهم إلى حديث آخر بالخوض لأنَّهم لا يتحدّثون إلاّ فيما لا جدوى له من أحوال الشرك وأمور الجاهلية.
و {غيرِه} صفة لِ {حديث}. والضمير المضاف إليه عائد إلى الخوض باعتبار كونه حديثاً حسبما اقتضاه وصف {حديث} بأنَّه غيره.
وقوله {وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} عطف حالة النّسيان زيادة في تأكيد الأمر بالإعراض. وأسند الإنساء إلى الشيطان فدلّنا على أنّ النسيان من آثار الخلقة التي جعل الله فيها حظّاً العلم الشيطان. كما ورد أنّ التثاؤب من الشيطان، وليس هذا من وَسْوسة الشيطان في أعمال الإنسان لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من وسوسة الشيطان في ذلك، فالنسيان من الأعراض البشرية الجائزة على الأنبياء في غير تبليغ ما أمروا بتبليغه، عند جمهور علماء السنّة من الأشاعرة وغيرهم... وفي الحديث الصحيح: « إنّما أنا بَشَر أنسَى كما تنسَوْن فإذا نسيتُ فذكّروني» فذلك نسيان استحضارها بعد أن بلَّغها. وليس نظرنا في جواز ذلك وإنَّما نظرنا في إسناد ذلك إلى الشيطان فإنَّه يقتضي أنّ للشيطان حظّاً له أثر في نفس الرسول، فيجوز أن تكون بعض الأعراض البشرية التي يجوز طروّها على الأنبياء قد جعلها الله في أصل الخلقة من عمل الشياطين، كما جعل بعض الأعراض موكولة للملائكة، ويكون النسيان من جملة الأعراض الموكولة إلى الشياطين كما تكرّر إسناده إلى الشيطان في آيات كثيرة منها. وهذا مثل كون التثاؤب من الشيطان، وكوْن ذات الجَنْب من الشيطان. وقد قال أيّوب {أنِّي مسَّني الشيطان بنُصب وعَذَاب} [ص: 41]، وحينئذٍ فالوجه أنّ الأعراض البشرية الجائزة على الأنبياء التي لا تخلّ بتبليغ ولا تُوقعُ في المعصية قد يكون بعضها من أثر عمل الشيطان وأنّ الله عصمهم من الشيطان فيما عدا ذلك.
ويجوز أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد خصّ من بين الأنبياء بأن لا سلطة لعمل شيطاني عليه ولو كان ذلك من الأعراض الجائزة على مقام الرسالة، فإنَّما يتعلَّق به من تلك الأعراض ما لا أثر للشيطان فيه.
وقد يدلّ لهذا ما ورد في حديث شقّ الصدر: أنّ جبريل لمَّا استخرج العلقة قال: هذا حظّ الشيطان منك، يعني مركز تصرّفاته، فيكون الشيطان لا يتوصّل إلى شيء يقع في نفس نبيّنا صلى الله عليه وسلم إلاّ بواسطة تدبير شيء يشغل النبي حتَّى ينسى مثل ما ورد في حديث « الموطأ» حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووكَّل بلالاً بأن يكلأ لهم الفجر، فنام بلال حتَّى طلعت الشمس، فإنّ النبي قال:"إنّ الشيطَان أتى بلالاً فلم يزل يُهَدّئُه كما يُهَدّأ الصبيّ حتّى نام" فأمّا نوم النبي والمسلمين عدا بلالاً فكان نوماً معتاداً ليس من عمل الشيطان. وإلى هذا الوجه أشار عياض في « الشفاء». وقريب منه ما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ليلة القدر، فخرج ليُعلم الناس فتَلاحَى رجلان فرُفعت. فإنّ التلاحي من عمل الشيطان، ولم يكن يستطيع رفع ليلة القدر بنفسه فوسوس بالتلاحي.
والحاصل أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الوسوسة، وأمّا ما دونها مثل الإنساء والنزْغ فلا يلزم أن يعصم منه. وقد يفرّق بين الأمرين: أنّ الوسوسة آثارها وجودية والإنساء والنزغ آثارهما عدمية، وهي الذهول والشغل ونحو ذلك:
فالمعنى إن أنساك الشيطان الإعراض عنهم فإن تذكّرتَ فلا تقعد معهم، فهذا النسيان ينتقل به الرسول صلى الله عليه وسلم من عبادة إلى عبادة، ومن أسلوب في الدّعوة إلى أسلوب آخر، فليس إنساء الشيطان إيَّاه إيقاعاً في معصية إذ لا مفسدة في ارتكاب ذلك ولا يحصل به غرض من كيد الشيطان في الضلال، وقد رفع الله المؤاخذة بالنسيان، ولذلك قال: {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}، أي بعد أن تتذكَّر الأمر بالإعراض. فالذكرى اسم للتذكّر وهو ضدّ النّسيان، فهي اسم مصدر، أي إذا أغفلت بَعد هذا فقعدت إليهم فإذا تذكَّرت فلا تقعد، وهو ضدّ فأعرض، وذلك أنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه.
وقرأ الجمهور: {يُنْسِيَنّك} بسكون النون وتخفيف السين. وقرأه ابن عامر بفتح النون وتشديد السين من التنسية، وهي مبالغة في أنساه. ومن العلماء من تأوّل هذه الآية بأنَّها مما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمَّته، كقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطنّ عملك} [الزمر: 65] قال أبو بكر بن العربي إذا عذرنا أصحابنا في قولهم ذلك في {لئن أشركت ليحبطنّ عملك} لاستحالة الشرك عليه فلا عذر لهم في هذه الآية لجواز النسيان عليه.
والقوم الظالمون هم الذين يخوضون في آيات الله، فهذا من الإظهار في مقام الإضمار لزيادة فائدة وصفهم بالظلم، فيعلم أنّ خوضهم في آيات الله ظلم، فيعلم أنَّه خوض إنكار للحقّ ومكابرة للمشاهدة.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
ولأجل بيان بعض مرامي النص نتكلم في النواحي الآتية: الأولى: أن التأكيد إنما هو في النسيان، وأن السبب هو الشيطان. وإذا كان الشيطان هو السبب في الوسوسة التي أدت إلى ذلك النسيان فإنه يجب التوقي منه ومحاربته وعدم الأخذ بما يدعو إليه، والتوبة والإقلاع عما دعا. الثانية: أن النهي جاء بعد التذكر، فلا نهى في حال النسيان، لأنه رفع عن الامة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وقال سبحانه: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)، عبر سبحانه وتعالى عن الذكر بالذكرى ومعنى الذكرى كثرة الذكر، والتحري له والحرص عليه، وذلك فيه إيماء إلى وجوب التحرز من النسيان ما أمكن، حتى لا يزداد الداعي تعبا، ويزداد لجاجة، فلا دعوة إلى الحق مع الإعراض عنه واللجاجة في الإعراض.