{ اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ } أي إنعامه تبارك وتعالى عليكم إن جعلت النعمة مصدراً أو كائنة عليكم أن جعلت اسماً أي راعوها واحفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وتخصيص العبادة والطاعة بموليها فليس المراد مجرد الذكر باللسان بل هو كناية عما ذكر ، وعن ابن عباس وقد جعل الخطاب لمن سمعت اذكروا نعمة الله عليكم حيث أسكنكم حرمه ومنعكم من جميع العالم والناس يتخطفون من حولكم ، وعنه أيضاً نعمة الله تعالى العافية ، والأولى عدم التخصيص ، ولما كانت نعم الله تعالى مع تشعب فنونها منحصرة في نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء نفي سبحانه أن يكون في الوجود شيء غيره سبحانه يصدر عنه إحدى النعمتين بطريق الاستفهام الذي هو لإنكار التصديق وتكذيب الحكم فقال عز وجل : { هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله } وهل تأتي لذلك كما في «المطول وحواشيه » ، وقول الرضى : إن هل لا تستعمل للإنكار أراد به الإنكار على مدعي الوقوع كما في قوله تعالى : { أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين } [ الإسراء : 0 4 ] ويلزمه النفي والإنكار على من أوقع الشيء كما في قولك أتضرب زيداً وهو أخوك أي هل خالق مغاير له تعالى موجود لكم أو للعالم على أن { خالق } مبتدأ محذوف الخبر زيدت عليه { مِنْ } لتأكيد العموم و { غَيْرُ الله } صفة له باعتبار محله ، وصحت الوصفية به مع إضافته إلى أعرف المعارف لتوغله في التنكير فلا يكتسب تعريفاً في مثل هذا التركيب ، وجوز أن يكون بدلاً من { خالق } بذلك الاعتبار ويعتبر الإنكار في حكم النفي ليكون غير الله هو الخالق المنفي ولأن المعنى على الاستثناء أي لا خالق إلا الله تعالى والبدلية في الاستثناء بغير إنما تكون في الكلام المنفي وبهذا الاعتبار زيدت { مِنْ } عند الجمهور وصح الابتداء بالنكرة ، وكذا جوز أن يكون فاعلاً بخالق لاعتماده على أداة الاستفهام نحو أقائم زيد في أحد وجهيه وهو حينئذ ساد مسد الخبر . وتعقبه أبو حيان بقوله فيه نظر وهو أن اسم الفاعل أو ما يجري مجراه إذا اعتمد على أداة الاستفهام وأجرى مجرى الفعل فرفع ما بعده هل يجوز أن تدخل عليه من التي للاستغراق فيقال هل من قائم الزيدون كما تقول هل قائم الزيدون ، والظاهر أنه لا يجوز ألا ترى أنه إذا أجرى مجرى الفعل لا يكون فيه عموم بخلافه إذا دخلت عليه من ولا أحفظ مثله في لسان العرب ، وينبغي أن لا يقدم على إجازة مثل هذا إلا بسماع من كلامهم ، وفيه أن شرط الزيادة والأعمال موجود ولم يبد مانعاً يعول عليه فالتوقف تعنت من غير توقف . وفي «الكشف » لا مانع من أن يكون { غَيْرِ } خبراً .
ومنعه الشهاب بأن المعنى ليس عليه ، وقرأ ابن وثاب . وشقيق . وأبو جعفر . وزيد بن علي . وحمزة . والكسائي { غَيْرِ } بالخفض صفة لخالق على اللفظ ، وهذا متعين في هذه القراءة ولأن توافق القراءتين أولى من تخالفهما كان الأظهر في القراءة الأولى كونه وصفاً لخالق أيضاً ، وقرأ الفضل بن إبراهيم النحوي . { غَيْرِ } بالنصب على الاستثناء ، وقوله تعالى : { يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض } بالمطر والنبات كلام مبتدأ لا محل له من الإعراب لا صفة { خالق } باعتبار لفظه أو محله ، قال في «الكشف » : لأن المعنى على التقريع والتذكير بما هم معترفون به فكأنه قيل : هل من خالق لتلك النعم التي أمرتم بذكرها أو مطلقاً وهو أولى وتدخل دخولاً أولياً { غَيْرُ الله } ثم تمم ذلك بأنه يرزقكم من السماء والأرض وذلك أيضاً يقتضي اختصاصه تعالى بالعبادة كما أن الخالقية تقتضي ذلك ، وفيه أن الخالق لا يكون إلا رازقاً ولو قيل هل من خالق رازق من السماء والأرض غير الله يخرج الكلام عن سننه المقصود .
وجوز أن يكون { خالق } فاعلاً لفعل مضمر يفسره المذكور والأصل هل يرزقكم خالق و { مِنْ } زائدة في الفاعل ، وتعقب بأن ما في النظم الجليل إن كان من باب هل رجل عرف فقد صرح السكاكي بقبح هذا التركيب لأن هل إنما تدخل على الجملة الخبرية فلا بد من صحتها قبل دخول هل ورجل عرف لا يصح بدون اعتبار التقديم والتأخير لعدم مصحح الإبتدائية سواه وإذا اعتبر التقديم والتأخير كان الكلام مفيداً لحصول التصديق بنفس الفعل فلا يصح دخول هل عليه لأنها لطلب التصديق وما حصل لا يطلق لئلا يلزم تحصيل الحاصل ولاحتمال أن يكون رجل فاعل فعل محذوف قال بالقبح دون الامتناع وإن كان من باب هل زيد عرف فقد صرح العلامة الثاني السعد التفتازاني بأنه قبيح باتفاق النحاة وأن ما ذكره صاحب المفصل من أن نحو هل زيد خرج على تقدير الفعل تصحيح للوجه القبيح البعيد لا أنه شائع حسن غاية ما في الباب أن سبب قبحه ليس ما ذكره في قبح هل زيد عرف عند السكاكي لعدم تأتيه فيه بل السبب أن هل بمعنى قد في الأصل وأصله أهل كقوله :
أهل عرفت الدار بالغرتين *** وترك الهمزة قبلها لكثرة وقوعها في الاستفهام فأقيمت هي مقام الهمزة وتطفلت عليها في الاستفهام ، وقد من لوازم الأفعال فكذا ما هي بمعناها ، ولم يقبح دخولها على الجملة الاسمية التي طرفاها اسمان لأنها إذا لم تر الفعل في حيزها تتسلى عنه ذاهلة وهذا بخلاف ما إذا رأته فإنها حينئذ تتذكر عهوداً بالحمى وتحن إلى الألف والمألوف وتطلق معانقته ولم ترض بافتراق الاسم بينهما ، ويعلم من هذا أنه لا فرق عند النحاة بني هل رجل عرف وهل زيد عرف في القبح لذلك .
وأجاب بعضهم بأن مجوز هذا الوجه الزمخشري ومتابعوه وهو لا يسلم ما ذكر لأن حرف الشرط كان مثلاً ألزم للفعل من هل لأنه لا يجوز دخوله على الجملة الاسمية التي طرفاها اسمان كما دخلت عليها هل وقد جاز بلا قبح عمل الفعل بعده على شريطة التفسير كقوله تعالى : { وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك } فيجوز في هل بالطريق الأولى ، وقيل : يجوز أن يكون { يَرْزُقُكُمْ } الخ مستأنفاً في جواب سؤال مقدر تقديره أي خالق يسأل عنه ، وأن يكون هو الخبر لخالق ، ولا يخفي على متأمل أن ما نقل عن الكشف قاض بمرجوحية هذه الأوجه جميعها فتأمل . وفي الآية على ما هو الأولى في تفسيرها وإعرابها رد على المعتزلة في قولهم : العبد خالق لأفعاله ونصرة لأهل السنة في قولهم لا خالق إلا الله تعالى { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } استئناف مقرر للنفي المفهوم مما تقدم قصداً ، ولم يجوز جار الله أن يجعل صفة لخالق كما جعل { يَرْزُقُكُمْ } صفة له حيث قال : ولو وصلت جملة { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } كما وصلت { يَرْزُقُكُمْ } لم يساعد عليه المعنى لأن قولك هل من خالق آخر سوى الله لا إله إلا ذلك الخالق غير مستقيم لأن قولك هل من خالق سوى الله إثبات لله تعالى فلو ذهبت تقول ذلك كنت مناقضاً بالنفي بعد الإثبات اه ، وبين «صاحب الكشاف » وجه المناقضة على تقدير أن يكون غير الله صفة بأن الكلام مسوق لنفي المشاركة في الصفة المحققة أعني الخلق فقولك هل من خالق آخر سوى الله إثبات لله تعالى ونفي المشارك له فيها ثم وصف الآخر بانحصار الإلهية فيه يكون لنفي خالقيته دون تفرد بالإلهية والتفرد بالإلهية مع مغايرته لله تعالى متناقضان لأن الأول ينفيه تعالى عن ذلك علوا كبيراً والثاني يثبته مع الغير جل عن كل شريك ونقص ، ثم قال : والتحقيق في هذا أن هل لإنكار ما يليها وما تلاه إن كان من تتمته ينسحب عليه حكم الإنكار بالبقية وإلا كان مبقي على حاله نفياً وإثباتاً ، ولما كان الكلام في الخالقية على ما مر لم يكن الوصفان أعني تفرد الآخر بالإلهية ومغايرته للقيوم الحق مصباً له وهما متناقضان في أنفسهما على ما بين فيلزم ما ذكره جار الله لزوماً بيناً اه ، وقد دفع بتقريره ذلك كثيراً من القاعل والقيل بيد أنه لا يخلو عن بحث ، ويمكن تقرير المناقضة على تقدير الوصفية بوجه أظهر لعله لا يخفي على المتأمل ، ويجوز أن يكون المانع من الوصفية النظم المعجز وحاكمه الذوق السليم والكلام في ذلك طويل فتأمل ، والفاء في قوله تعالى : { فأنى تُؤْفَكُونَ } لترتيب إنكار عدولهم عن التوكيد إلى الإشراك على ما قبلها كأنه قيل : وإذا تبين تفرده تعالى بالألوهية والخالقية والرازقية فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك .
{ 3 - 4 } { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }
يأمر تعالى ، جميع الناس أن يذكروا نعمته عليهم ، وهذا شامل لذكرها بالقلب اعترافا ، وباللسان ثناء ، وبالجوارح انقيادا ، فإن ذكر نعمه تعالى داع لشكره ، ثم نبههم على أصول النعم ، وهي الخلق والرزق ، فقال : { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ }
ولما كان من المعلوم أنه ليس أحد يخلق ويرزق إلا اللّه ، نتج من ذلك ، أن كان ذلك دليلا على ألوهيته وعبوديته ، ولهذا قال : { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } أي : تصرفون عن عبادة الخالق الرازق لعبادة المخلوق المرزوق .
قوله تعالى : { يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله } قرأ حمزة والكسائي غير بجر الراء ، وقرأ الآخرون برفعها على معنى هل خالق غير الله ، لأن من زيادة ، وهذا استفهام على طريق التقرير كأنه قال : لا خالق غير الله ، { يرزقكم من السماء والأرض } أي : من السماء المطر ومن الأرض النبات . { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون* }
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يا أيها الناس} يعني أهل مكة {اذكروا نعمت الله عليكم} ثم أخبرهم بالنعمة، فقال جل وعز:
{هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء} يعني المطر {والأرض} يعني النبات، ثم وحد جل جلاله، فقال: {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره للمشركين به من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قُرَيش:"يَا أيّهَا الناسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ" التي أنعمها "عَلَيْكُم "بفتحه لكم من خيراته ما فتح وبَسْطِه لكم من العيش ما بسط وفكّروا فانظروا هل من خالق سوى فاطر السموات والأرض الذي بيده مفاتيح أرزاقكم ومغالقها "يَرْزُقُكُم مِنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ" فتعبدوه دونه.
"لا إلَهَ إلاّ هُوَ" يقول: لا معبود تنبغي له العبادة إلا الذي فطر السموات والأرض، القادر على كلّ شيء، الذي بيده مفاتح الأشياء وخزائنها، ومغالق ذلك كله، فلا تعبدوا أيها الناس شيئا سواه، فإنه لا يقدر على نفعكم وضرّكم سواه، فله فأخلصوا العبادة، وإياه فأفردوا بالألوهة.
"فَأنّى تُؤْفَكُونَ" يقول: فأيّ وجه عن خالقكم ورازقكم الذي بيده نفعكم وضرّكم تصرفون...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
هو صلة ما تقدم، ثم هو على التقرير والإيجاب، وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر، كأنه يقول: إنكم تعلمون أنه هو رازقكم دون من تعبدونه.
{لا إله إلا هو فأنّى تؤفكون} أي {لا إله إلا هو} فما الذي حملكم على إفككم وكذبكم أن ألهتكم شريكاته، وأنها آلهة، وأنها شفيعاتهم عند الله، وأن عبادتهم إياها تقرّبكم إلى الله زلفى أَلَها كتاب أو رسول؟ وأنتم لا تؤمنون بكتاب ولا رسول فمن أين تؤفكون، وتكذّبون...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
مَنْ ذَكَرَ النِّعمةَ فصاحبُ عبادةٍ، ونائِلُ زيادة، ومَنْ ذَكَرَ المُنْعِمَ فصاحبُ إرادةٍ، ونائِلُ زيادة...
والنعمة على قسمين: ما دَفَعَ عنه من المِحَن، وما نَفَعَ به من المِنَن؛ فَذِكْرُه لما دَفَعَ عنه يوجِبُ دوامَ العصمة، وذكره لم نَفَعَه به يوجب تمام النعمة.
{هَلْ مِنَ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ}؟ وفائدة هذا التعريف أنه إذا عَرَفَ أنه لا رازق غيره لم يُعلِّقْ قلبَه بأحدٍ في طلب شيءٍ، ولم يتذلل في ارتفاقٍ لمخلوقٍ، وكما لا يرى رِزْقَه من مخلوقٍ لا يراه من نفسه أيضاً؛ فيتخلَّصُ من ظلمات تدبيره واحتياله، ومن تَوَهُّم شيءٍ من أمثاله وأشكاله، ويستريح لشهود تقديره، ولا محالة يُخْلِصُ في توكله وتفويضه.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به وبالقلب، وحفظها من الكفران والغمط وشكرها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها.
والخطاب عام للجميع لأنّ جميعهم مغمورون في نعمة الله.
فإن قلت: ما محل {يَرْزُقُكُمْ}؟ قلت: يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة لخالق، وأن لا يكون له محل إذا رفعت محل من خالق، بإضمار يرزقكم، وأوقعت يرزقكم تفسيراً له، أو جعلته كلاماً مبتدأ بعد قوله: {هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله}،فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الخالق لا يطلق على غير الله تعالى؟ قلت: نعم إن جعلت {يَرْزُقُكُمْ} كلاماً مبتدأ وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة، وإمّا على الوجهين الآخرين: وهما الوصف والتفسير. فقد يقيد فيهما بالرزق من السماء والأرض، وخرج من الإطلاق، فكيف يستشهد به على اختصاصه، بالإطلاق؛ والرزق من السماء المطر، ومن الأرض النبات.
لما بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة التي تستوجب الحمد على سبيل التفصيل بين نعمه على سبيل الإجمال فقال: {اذكروا نعمت الله} وهي مع كثرتها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء.
{هل من خالق غير الله} إشارة إلى نعمة الإيجاد في الابتداء. وقال تعالى: {يرزقكم من السماء والأرض} إشارة إلى نعمة الإبقاء بالرزق إلى الانتهاء.
{لا إله إلا هو} نظرا إلى عظمته حيث هو عزيز حكيم قادر على كل شيء، قدير نافذ الإرادة في كل شيء ولا مثل لهذا ولا معبود لذاته غير هذا، ونظرا إلى نعمته حيث لا خالق غيره ولا رازق إلا هو.
{فأنى تؤفكون} أي كيف تصرفون عن هذا الظاهر، فكيف تشركون المنحوت بمن له الملكوت...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{يا أيها الناس} أي الذين فيهم أهلية الاضطراب عامة {اذكروا نعمت الله} أي الذي لا منعم في الحقيقة سواه، ولما كانت نعمه عامة غامرة من كل جانب قال: {عليكم} أي في دفع ما دفع من المحن، وصنع ما صنع من المنن، على ما تقدم في الفتح والإمساك لتشكروه ولا تكفروه.
ولما أمر بذكر نعمته، أكد التعريف بأنها منه وحده على وجه بين عزته وحكمته، فقال منبهاً لمن غفل، وموبخاً لمن جحد {هل} ولما كان الاستفهام بمعنى النفي أكده ب {من} فقال: {من خالق} أي للنعم وغيرها، ولما كانت {من} للتأكيد، فكان {خالق} في موضع رفع، قرأ الجمهور قوله: {غير الله} بالرفع، وجره حمزة والكسائي على اللفظ، وعبر بالجلالة إشارة إلى أنه المختص بصفات الكمال.
ولما كان الجواب قطعاً: لا، بل هو الخالق وحده، قال منبهاً على نعمة الإبقاء الأول: {يرزقكم} أي وحده.
ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد مع وحدة المنبع أدل على العظمة قال: {من السماء والأرض}.
ولما بين أنه الرزاق وحده انقطع أمل كل أحد من غيره حتى من نفسه فحصل الإخلاص فتعين أنه سبحانه الإله وحده فقال: {لا إله إلا هو} فتسبب الإنكار على من عبد غيره ظاهراً أو باطناً فقال: {فأنى} أي فمن أيّ وجه وكيف {تؤفكون} أي تصرفون وتقلبون عن وجه السداد في التوحيد بهذه الوجوه الظاهرة إلى الشرك الذي لا وجه له.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
ثم نبههم على أصول النعم، وهي الخلق والرزق... ولما كان من المعلوم أنه ليس أحد يخلق ويرزق إلا اللّه، نتج من ذلك، أن كان ذلك دليلا على ألوهيته وعبوديته، ولهذا قال: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
نعمة الله على الناس لا تتطلب إلا مجرد الذكر؛ فإذا هي واضحة بينة يرونها ويحسونها ويلمسونها، ولكنهم ينسون فلا يذكرون.
فهل من خالق غيره يرزقهم بما في أيديهم من هذا الفيض العميم؟ إنهم لا يملكون أن يقولوا هذا، وما كانوا يدعونه وهم في أغلظ شركهم وأضله. فإذا لم يكن هناك خالق رازق غير الله، فما لهم لا يذكرون ولا يشكرون؟ وما لهم ينصرفون عن حمد الله والتوجه إليه وحده بالحمد والابتهال؟ إنه (لا إله إلا هو) فكيف يصرفون عن الإيمان بهذا الحق الذي لا مراء فيه.. (فأنى تؤفكون؟)..
هذه الإيقاعات الثلاثة القوية العميقة هي المقطع الأول في السورة. وفي كل منها صورة تخلق الإنسان خلقاً جديداً حين تستقر في ضميره على حقيقتها العميقة. وهي في مجموعها متكاملة متناسقة في شتى الاتجاهات.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لما جرى ذكر رحمة الله التي تعم الناس كلهم، أقبل على خطابهم بأن يتذكروا نعمة الله عليهم الخاصة وهي النعمة التي تخص كل واحد بخاصته فيأتلف منها مجموع الرحمة العامة للناس كلهم، وما هي إلا بعض رحمة الله بمخلوقاته...
والمقصود من تذكر النعمة شكرها وقدرها قدرها. ومن أكبر تلك النعم نعمة الرسالة المحمدية التي هي وسيلة فوز الناس الذين يتبعونها بالنعيم الأبدي. فالمراد بالذكر هنا التذكر بالقلب وباللسان فهو من عموم المشترك أو من إرادة القدر المشترك فإن الذكر باللسان والذكر بالقلب يستلزم أحدُهما الآخرَ وإلا لكان الأول هذياناً والثاني كتماناً. قال عمر بن الخطاب: « أفضل من ذكر الله باللسان ذكرُ الله عند أمره ونهيه»، أي وفي كليهما فضل.
ووصفت النعمة ب {عليكم} لأن المقصود من التذكر التذكر الذي يترتب عليه الشكر، وليس المراد مطلق التذكر بمعنى الاعتبار والنظر في بديع فضل الله، فذلك له مقام آخر.
والاهتمام بالاستثناء، قُدّم في الذكر قبل ما هو في قوة المستثنى منه، وجعل صفة ل {خالق} لأن {غير} صالحة للاعتبارين ولذلك جرت القراءات المشهورة على اعتبار {غير} هنا وصفاً ل {خالق}، فجمهور القراء قرأوه برفع {غير} على اعتبار محلِّ {خالق} المجرور ب {من} لأن محله رفع بالابتداء.
وجُعل النفي متوجهاً إلى القيد وهو جملة الصفة كما هي سُنّته في الكلام المقيّد لأن المقصود التذكير بنعم الله تعالى ليشكروا، ويكون ذلك كناية عن الاستدلال على انتفاء وصف الخالقية عن غيره تعالى لأنه لو كان غيره خالقاً لكان رازقاً إذ الخلق بدون رزق قصور في الخالقية لأن المخلوق بدون رزق لا يلبث أن يصير إلى الهلاك والعدم فيكون خلقه عبثاً ينزه عنه الموصوف بالإِلهية المقتضية للحكمة فكانت الآية مذكرة بنعمتي الإِيجاد والإِمداد.
وزيادة {من السماء والأرض} تذكير بتعدد مصادر الأرزاق.
الحق سبحانه يمتنُّ على عباده ويُذكِّرهم بنعمه عليهم، ويذكر أول هذه النِّعم، وهي نعمة الخَلْق من عدم، وأراد سبحانه أنْ يبرز لهم هذه المسألة إبرازاً يشاركهم -سبحانه وتعالى- فيه، فلم يأت الأسلوب في صورة الخبر: أنا خلقتكم. إنما جاء في صورة الاستفهام ليقولوا هم ويُقِرُّوا {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ}.
ومعلوم أن الخبر عُرْضة لأنْ يُكذَّب، أمّا الاستفهام فلا تستطيع أن تكذبه، وأنت لا تستفهم عن شيء فعلْتَه إلا إذا كنتَ واثقاً أن الإجابة ستأتي على وَفْق مرادك، فحين ينكر شخصٌ جميلَك لا تقول له: فعلتُ لك كذا وكذا؛ لأنه ربما كذَّبك، إنما تقول: ألم أُقدِّم لك كذا يوم كذا؟ حينئذ لا يستطيع إلا أن يُقرَّ بجميلك، فلن يجد إجابة عن سؤالك إلا الإقرار.
كذلك الحق سبحانه يُقرِّرهم بنعمه ليكون الإقرارُ حجةً عليهم ويسألهم، وهو سبحانه أعلم {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ} ثم يذكر هو سبحانه النتيجة {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ولم يقولوها هم؛ لأنهم (مربوكون) وكان المنطق: ما دام هو سبحانه الخالق الرازق فعليهم أنْ يؤمنوا به، وقالها سبحانه بصيغة الغائب {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ولم يقُلْ إلا أنا، كأنه سبحانه هو الشاهد في هذه المسألة، كأنه يتكلم عن الغيب.
وقوله {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} يعني: كيف بعد هذا تُصرفون عن توحيده وعن الإيمان به...