روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ} (151)

{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ } متصل بما قبله ، فالكاف للتشبيه وهي في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف ، والتقدير : لأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة أو في الآخرة إتماماً مثل إتمام إرسال الرسول ، وذكر الإرسال وإرادة الإتمام من إقامة السبب مقام المسبب ، و{ فيكُمْ } متعلق بأرسلنا وقدم على المفعول الصريح تعجيلاً بإدخال السرور ولما في صفاته من الطول ، وقيل : متصل بما بعده أي اذكروني ذكراً مثل ذكري لكم بالإرسال ، أو اذكروني بدل إرسالنا فيكم رسولاً فالكاف للمقابلة متعلق باذكروني ، ومنها يستفاد التشبيه ؛ لأن المتقابلين متشابهان ومتبادلان ، وإيثار صيغة المتكلم مع الغير بعد التوحيد افتنان وجريان على سنن الكبرياء وإشارة إلى عظمة نعمة هذا الإرسال ، وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم { يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءاياتنا } صفة ( رسولاً ) وفيه إشارة إلى طريق إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام لأن تلاوة الأمي الآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها على الإخبار بالمغيبات والمصالح التي ينتظم بها أمر المعاد والمعاش أقوى دليل على نبوته { وَيُزَكِّيكُمْ } أي يطهركم من الشرك وهي صفة أخرى للرسول وأتى بها عقب التلاوة ؛ لأن التطهير عن ذلك ناشئ عن إظهار المعجزة لمن أراد الله تعالى توفيقه { وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب والحكمة } صفة إثر صفة وأخرت لأن تعليم الكتاب وتفهيم ما انطوى عليه من الحكمة الإلهية والأسرار الربانية إنما يكون بعد التخلي عن دنس الشرك ونجس الشك بالاتباع ، وأما قبل ذلك فالكفر حجاب ، وقدم التزكية على التعليم في هذه الآية وأخرها عنه في دعوة إبراهيم/ لاختلاف المراد بها في الموضعين ، ولكل مقام مقال ، وقيل : التزكية عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة إلا أنها وسطت بين التلاوة والتعليم المترتب عليها للإيذان بأن كلاً من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر ، ولو روعي ترتيب الوجود كما في دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لتبادر إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة ، وقيل : قدمت التزكية تارة وأخرت أخرى لأنها علة غائية لتعليم الكتاب والحكمة ، وهي مقدمة في القصد والتصور مؤخرة في الوجود والعمل فقدمت وأخرت رعاية لكل منهما ، واعترض بأن غاية التعليم صيرورتهم أزكياء عن الجهل لا تزكية الرسول عليه الصلاة والسلام إياها المفسرة بالحمل على ما يصيرون به أزكياء ؛ لأن ذلك إما بتعليمه إياهم أو بأمرهم بالعمل به فهي إما نفس التعليم أو أمر لا تعلق له به( {[186]} ) ، وغاية ما يمكن أن يقال : إن التعليم باعتبار أنه يترتب عليه زوال الشك وسائر الرذائل تزكيته إياهم ، فهو باعتبار غاية وباعتبار مغيا كالرمي . والقتل في قولهم : رماه فقتله فافهم { وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } مما لا طريق إلى معرفته سوى الوحي وكان الظاهر و{ مَّا لَمْ تَكُونُواْ } ليكون من عطف المفرد على المفرد إلا أنه تعالى كرر الفعل للدلالة على أنه جنس آخر غير مشارك لما قبله أصلاً فهو تخصيص بعد التعميم مبين لكون إرساله صلى الله عليه وسلم نعمة عظيمة ولولاه لكان الخلق متحيزين في أمر دينهم لا يدرون ماذا يصنعون .


[186]:_ قوله: "أو أمر لا تعلق له به" كذا بخطه ولعل حق العبارة له تعلق به تأمل اهـ مصححه.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ} (151)

{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ }

يقول تعالى : إن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع والنعم المتممة ، ليس ذلك ببدع من إحساننا ، ولا بأوله ، بل أنعمنا عليكم بأصول النعم ومتمماتها ، فأبلغها إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم ، تعرفون نسبه وصدقه ، وأمانته وكماله ونصحه .

{ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا } وهذا يعم الآيات القرآنية وغيرها ، فهو يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، التي دلتكم أولا ، على توحيد الله وكماله ، ثم على صدق رسوله ، ووجوب الإيمان به ، ثم على جميع ما أخبر به من المعاد والغيوب ، حتى حصل لكم الهداية التامة ، والعلم اليقيني .

{ وَيُزَكِّيكُمْ } أي : يطهر أخلاقكم ونفوسكم ، بتربيتها على الأخلاق الجميلة ، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة ، وذلك كتزكيتكم من الشرك ، إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن الخيانة إلى الأمانة ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق ، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع ، إلى التحاب والتواصل والتوادد ، وغير ذلك من أنواع التزكية .

{ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ } أي : القرآن ، ألفاظه ومعانيه ، { وَالْحِكْمَةَ } قيل : هي السنة ، وقيل : الحكمة ، معرفة أسرار الشريعة والفقه فيها ، وتنزيل الأمور منازلها .

فيكون - على هذا - تعليم السنة داخلا في تعليم الكتاب ، لأن السنة ، تبين القرآن وتفسره ، وتعبر عنه ، { وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } لأنهم كانوا قبل بعثته ، في ضلال مبين ، لا علم ولا عمل ، فكل علم أو عمل ، نالته هذه الأمة فعلى يده صلى الله عليه وسلم ، وبسببه كان ، فهذه النعم هي أصول النعم على الإطلاق ، ولهي أكبر نعم ينعم بها على عباده ، فوظيفتهم شكر الله عليها والقيام بها ، فلهذا قال تعالى : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ }

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ} (151)

قوله تعالى : { كما أرسلنا فيكم } . هذه الكاف للتشبيه ، ويحتاج إلى شيء يرجع إليه فقال بعضهم : يرجع إلى ما قبلها معناه ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا رسولاً منكم ، قال محمد بن جرير : دعا إبراهيم عليه السلام بدعوتين إحداهما قال : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) ، والثانية قوله : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) فبعث الله الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، ووعد إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل من ذريته أمة مسلمة ، كما أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية وقال مجاهد وعطاء والكلبي : هي متعلقة بما بعدها وهو قوله : ( فاذكروني أذكركم ) معناه كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم فاذكروني . وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب يعني كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب .

قوله تعالى : { رسولاً منكم } . يعني محمداً صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى : { يتلو عليكم آياتنا } . يعني القرآن .

قوله تعالى : { ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة } . قيل : الحكمة السنة ، وقيل : مواعظ القرآن .

قوله تعالى : { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } . من الأحكام وشرائع الإسلام .