روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ} (116)

ثم إنه تعالى أكد ما يفهم من الحصر بالنهي عن التحريم والتحليل بالأهواء فقال عز قائلاً : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ } الخ ، ولا ينافي ذلك العطف كما لا يخفى ، واللام صلة القول مثلها في قوله تعالى : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ في سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ } [ البقرة : 154 ] وقولك : لا تقل للنبيذ إنه حلال ، ومعناها الاختصاص ، و { مَا } موصولة والعائد محذوف أي لا تقولوا في شأن الذي تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم : { مَا في بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } [ الأنعام : 139 ] من غير ترتب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر فضلاً عن استناده إلى وحي أو قياس مبني عليه بل مجرد قول باللسان .

{ الكذب } منتصب على أنه مفعول به لتقولوا وقوله سبحانه : { هذا حلال وهذا حَرَامٌ } بدل منه بدل كل ، وقيل : منصوب بإضمار أعني ، وقيل : { الكذب } منتصب على المدرية و { هذا } مقول القول .

وجوز أن يكون بدل اشتمال ، وجوز أن يكون { الكذب } مقول القول المذكور ويضمر قول آخر بعد الوصف واللام على حالها أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام ، والجملة مبينة ومفسرة لقوله تعالى : { تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ } كما في قوله سبحانه : { فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 54 ] وجوز أن لا يضمر القول على المذهب الكوفي وأن يقدر قائله على أن المقدر حال من الألسنة ، ويجوز أن يكون اللام للتعليل و { مَا } مصدرية و { الكذب } مفعول الوصف و { هذا حلال } الخ مقول القول أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل وصف ألسنتكم الكذب ، وإلى هذا ذهب الكسائي . والزجاج ، وحاصله لا تحصلوا ولا تحرموا لمجرد وصف ألسنتكم الكذب وتصويرها له وتحقيقها لماهيته كأن ألسنتهم لكونها منشأ للكذب ومنبعاً للزور شخص عالم بكنهه ومحيط بحقيقته يصفه للناس ويعرفه أوضح وأبين تعريف ، ومثل هذا وارد في كلام العرب والعجل تقول : له وجه يصف الجمال وريق يصف السلاف وعين تصف السحر ، وتقدم بيت المعري ، وقد بولغ في الآية من حيث جعل قولهم كذباً ثم جعل اللسان الناطقة بتلك المقالة ينبوعه مصورة إياه التي هو عليها وهو من باب الاستعارة بالكناية وجعله بعضهم من باب الإسناد المجازي نحو نهاره صائم كأن ألسنتهم لكونها موصوفة بالكذب صارت كأنها حقيقة ومنبعه الذي يعرف منه حتى كأنه يصفه ويعرفه كقوله :

أضحت يمينك من جود مصورة . . . لإبل يمينك منها صور الجود

وقرأ الحسن . وابن يعمر . وطلحة . والأعرج . وابن إسحق . وابن عبيد . ونعيم بن ميسرة { الكذب } بالجر ، وخرج على أن يكون بدلاً من { مَا } مع مدخولها ، وجعله غير واحد صفة لما المصدرية مع صلتها .

وتعقبه أبو حيان بأن المصدر المسبوك من ما أوان أو كي مع الفعل معرفة كالمضمر لا يجوز نعته فلا يقال : أعجبني أن تقوم السريع كما يقال : أعجبني قيامك السريع ، وليس لكل مقدر حكم المنطوق به وإنما يتبع بذلك كلام العرب .

وقرأ معاذ . وابن أبي عبلة . وبعض أهل الشام { الكذب } بضم الثلاثة صفة للألسنة وهو جمع كذوب كصبور وصبر ، قال «صاحب اللوامح » أو جمع كذاب بكسر الكاف وتخفيف الذال مصدر كالقتال وصف به مبالغة وجمع فعل ككتاب وكتب أو جمع كاذب كشارف وشرف . وقرأ مسلمة بن محارب كما قال ابن عطية أو يعقوب كما قال «صاحب اللوامح » ونسب قراءة معاذ ومن معه إلى مسلمة { الكذب } بضمتين والنصب ، وخرج على أوجه . الأول : أن ذلك منصوب على الشتم والذم وهو نعت للألسنة مقطوع .

الثاني : أنه مفعول به لتصف أو { تَقُولُواْ } والمراد الكلم الكواذب . الثالث : أنه مفعول مطلق لتصف من معناه على أنه جمع كذاب المصدر ، وأعرب { هذا حلال } الخ على ما مر ولا إشكال في إبداله لأنه كلم باعتبار مواده وكلامان ظاهراً { لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب } اللام لام العاقبة والصيرورة وللتعليل لأن ما صدر منهم ليس لأجل الافتراء على الله تعالى بل لأغراض أخر ويترتب على ذلك ما ذكر ، وإلى هذا ذهب الزمخشري وجماعة ، وقال بعضهم : يجوز أن تكون للتعليل ولا يبعد قصدهم لذلك كما قالوا : { وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا } [ الأعراف : 28 ] وفي «البحر » أنه الظاهر ولا يكون ذلك على سبيل التوكيد للتعليل السابق على احتمال كون اللام للتعليل وما مصدرية لأن في هذا التنبيه على من افتروا الكذب عليه وليس فيما مر بل فيه إثبات الكذب مطلقاً ففي ذلك إشارة إلى أنهم لتمرنهم على الكذب احترئا على الكذب على الله تعالى فنسبوا ما حللوا وحرموا إليه سبحانه ، وقال الواحدي : إن { لّتَفْتَرُواْ } بدل من { لِمَا تَصِفُ } الخ لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله تعالى ، وهو على ما في البحر أيضاً على تقدير كون ما مصدرية لأنها إذا جعلت موصولة لا تكون اللام للتعليل ليبدل من ذلك ما يفهم التعليل ، وقيل : لا مانع من التعليل على تقدير الموصولية فعند قصد التعليل يجوز الإبدال ، وحاصل معنى الآية على ما نص عليه العسكري لا تسموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حلالاً ولا حراماً فتكونوا كاذبين على الله تعالى لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا حكمة سبحانه ، ومن هنا قال أبو نضرة : لم أزل أخاف الفتيا منذ سمعت آية النحل إلى يوم هذا .

وقال ابن العربي كره مالك وقوم أن يقول المفتي هذا حلال وهذا حرام في المسائل الاجتهادية وإنما يقال ذلك فيما نص الله تعالى عليه ، ويقال في مسائل الاجتهاد ؛ إني أكره كذا وكذا ونحو ذلك فهو أبعد من أن يكون فيه ما يتوهم منه الافتراء على الله سبحانه { إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } في أمر من الأمور { لاَ يُفْلِحُونَ } لا يفوزون بمطلوب .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ} (116)

{ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ } ، أي : لا تحرموا وتحللوا من تلقاء أنفسكم ، كذبا وافتراء على الله وتقولا عليه .

{ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا بد أن يظهر الله خزيهم وإن تمتعوا في الدنيا فإنه { مَتَاعٌ قَلِيلٌ } ، ومصيرهم إلى النار ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، فالله تعالى ما حرم علينا إلا الخبيثات تفضلا منه ، وصيانة عن كل مستقذر .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ} (116)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم عاب من حرم ما أحل الله عز وجل، فقال سبحانه: {ولا تقولوا لما تصف}، يعني: لما تقول، {ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام}، يعني: ما حرموا للآلهة من الحرث والأنعام، وما أحلوا منها، {لتفتروا على الله الكذب}، يعني: يزعمون أن الله عز وجل أمرهم بتحريم الحرث والأنعام، ثم خوفهم، فقال سبحانه: {إن الذين يفترون على الله الكذب} بأنه أمر بتحريمه، {لا يفلحون} في الآخرة، يعني: لا يفوزون.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذبَ فيما رزق الله عباده من المطاعم: هذا حلال، وهذا حرام، كي تفتروا على الله بقيلكم ذلك الكذبَ، فإن الله لم يحرم من ذلك ما تحرّمون، ولا أحلّ كثيرا مما تُحِلّون. ثم تقدّم إليهم بالوعيد على كذبهم عليه، فقال: {إنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ على اللّهِ الكَذِبَ}، يقول: إن الذين يتخرّصون على الله الكذب ويختلقونه، لا يخلّدون في الدنيا ولا يبقون فيها، إنما يتمتعون فيها قليلاً...

وقال: {مَتاعٌ قَلِيلٌ} فرفع، لأن المعنى الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل، أو لهم متاع قليل في الدنيا. وقوله: {ولَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ}، يقول: ثم إلينا مرجعهم ومعادهم، ولهم على كذبهم وافترائهم على الله بما كانوا يفترون عذاب عند مصيرهم إليه أليم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

وفي هذه الآية دلالة ألا يسع لأحد أن يقول: هذا مما أحله الله، وهذا مما حرمه الله إلا بإذن من الله...

وقوله تعالى: {لتفتروا على الله الكذب}، أي: تكونون مفترين على الله الكذب إذا قلتم هذا...

لأن التحليل والتحريم والأمر والنهي ربوبية، فإذا حرموا شيئا أحله الله، وأحلوا شيئا حرمه الله، فكأنهم على الله افتروا أنه حرم أو أحل، أو حرموا هم، أو أحلوا، فأضافوا ذلك إلى الله تعالى أنه هو الذي حرم أو أحل، فقد افتروا على الله؛ لأن من أحل شيئا، حرمه الله، أو حرم شيئا، أحله الله، فقد كفر...

وقوله تعالى: {لا يفلحون}، أي: {لا يفلحون} وهم مفترون على الله، وأما إذا انتزعوا أنفسهم من الافتراء، وتابوا، أفلحوا. أو {لا يفلحون} في الآخرة إذا كانوا مفترين على الله في الدنيا...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: {مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا} [الأنعام: 139]، من غير استناد ذلك الوصف إلى وحي من الله أو إلى قياس مستند إليه، واللام مثلها في قولك: ولا تقولوا لما أحل الله هو حرام.

وقوله: {هذا حلال وهذا حَرَامٌ} بدل من الكذب. ويجوز أن يتعلق بتصف على إرادة القول، أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، فتقول هذا حلال وهذا حرام. ولك أن تنصب الكذب بتصف، وتجعل «ما» مصدرية، وتعلق {هذا حلال وهذا حَرَامٌ} بلا تقولوا: على ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب، أي: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم، لا لأجل حجة وبينة، ولكن قول ساذج ودعوى فارغة.

فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته وصوّرته بصورته، كقولهم: وجهها يصف الجمال. وعينها تصف السحر... والمراد بالوصف: وصفها البهائم بالحل والحرمة...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذه الآية مخاطبة للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كانت ميتة، يدل على ذلك قوله حكاية عنهم: {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} [الأنعام: 139]، والآية تقتضي كل ما كان لهم من تحليل وتحريم فإنه كله افتراء منهم، ومنه ما جعلوه في الشهور...

وقوله: {وهذا حرام}، إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموا، وقوله: {لتفتروا على الله الكذب}، إشارة إلى قولهم في فواحشهم التي هذه إحداها، وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها.

ويحتمل أن يريد أنه كان شرعهم لاتباعهم سنناً لا يرضاها الله افتراء عليه؛ لأن من شرع أمراً فكأنه قال لأتباعه هذا هو الحق، وهذا مراد الله، ثم أخبرهم الله: {إن الذين يفترون على الله الكذب} لا يبلغون الأمل، و «الفلاح» بلوغ الأمل...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

مَعْنَى الْآيَةِ: لَا تَصِفُوا الْأَعْيَانَ بِأَنَّهَا حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ من قِبَلِ أَنْفُسِكُمْ؛ إنَّمَا الْمُحَرِّمُ الْمُحَلِّلُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَنَّ الْمَيْتَةَ حَلَالٌ، وَعَلَى الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا، وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا؛ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ بِضَلَالِهِمْ، وَاعْتِدَاءً، وَإِنْ أَمْهَلَهُمْ الْبَارِي فِي الدُّنْيَا فَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما حصر المحرمات في تلك الأربع بالغ في تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه الأشياء الأربعة تارة، وفي النقصان عنها أخرى، فإنهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكانوا يقولون ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضا في المحللات وذلك لأنهم حللوا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله تعالى، فالله تعالى بين أن المحرمات هي هذه الأربعة، وبين أن الأشياء التي يقولون إن هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على الله، ثم ذكر الوعيد الشديد على هذا الكذب، وأقول: إنه تعالى لما بين هذا الحصر في هذه السور الأربع، ثم ذكر في هذه الآية أن الزيادة عليها والنقصان عنها كذب وافتراء على الله تعالى وموجب للوعيد الشديد علمنا أنه لا مزيد على هذا الحصر، والله أعلم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما تبين بهذه الآية -كما مضى تقريره في الأنعام- جميع المحرم أكله من الحيوانات، فعلم بذلك جهلهم فيما حرموه على أنفسهم لأجل أصنامهم، صرح بالنهي عنه إبلاغاً في تأكيد ذلك الحصر فقال تعالى: {ولا تقولوا}، أي: بوجه من الوجوه في وقت ما. ولما كان تحليلهم وتحريمهم قولاً فارغاً ليس له حقيقة أصلاً؛ لأنه لا دليل عليه، عبر عنه بأنه وصف باللسان لا يستحق أن يدخل إلى القلب فقال تعالى: {لما تصف}، أي: لأجل الذي تصفه {ألسنتكم}، أي: من الأنعام والحروث والزروع. ولما حرك النفس إلى معرفة ما يقال لأجل ذلك، بين مقول ذلك القول فقال تعالى: {الكذب}، أي: القول الذي هو عين الكذب. ولما اشتد التشوف إلى تعيين ذلك المقول، أبدل منه فقال تعالى: {هذا حلال وهذا حرام}... ولما كانوا -كما تقدم يدعون أنهم أعقل الناس، فكان اللائق بهم إرخاءً للعنان النسبة إلى معرفة اللوازم عند الإقدام على الملزومات، قال تعالى: {لتفتروا على الله}، أي: الملك الأعلى، {الكذب}؛ لأن من قال على أحد ما لم يأذن فيه كان قوله كذباً، وكان كذبه لقصد افتراء الكذب، وإلا لكان في غاية الجهل، فدار أمرهم في مثل هذا بين الغباوة المفرطة أو قصد ما لا يقصده عاقل، وهذا باب من التهكم عجيب، فكأنه قيل: فما يستحقون على ذلك؟ فأجاب بقوله تعالى: {إن الذين يفترون}، أي: يقتطعون عمداً {على الله}، أي: الذي له الأمر كله، {الكذب}، منكم ومن غيركم {لا يفلحون}...

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

أي: ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام بالرأي والهوى... وإجمال ذلك: لا تسموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن الله ورسوله حلالا وحراما فتكونوا كاذبين عليه؛ لأن مدار الحل والحرمة عليه ليس إلا حكمه تعالى...

ثم أوعد المفترين وهددهم أشدّ التهديد فقال: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}، أي: إن الذين يتخرّصون الكذب على الله في أمورهم صغيرها وكبيرها لا يفوزون بخير في المطالب التي لأجلها كذبوا على ربهم، إذ هم متى عرفوا بالكذب مجّهم الناس وانصرفوا عنهم وعاشوا أذلة بينهم ممقوتين، ويكونون مضرب الأمثال في الهوان والصغار – إلى ما يصيبهم من الخزي والوبال يوم القيامة. ثم بين أن ما يحصل لهم من المنافع بالافتراء على الله ليس شيئا مذكورا إذا قيس بالمضارّ التي تنجم منه فقال:...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فالتحريم والتحليل لا يكونان إلا بأمر من الله. فهما تشريع. والتشريع لله وحده لا لأحد من البشر. وما يدعي أحد لنفسه حق التشريع بدون أمر من الله إلا مفتر، والمفترون على الله لا يفلحون:...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وفيه تعريض بتحذير المسلمين لأنهم كانوا قريبي عهد بجاهلية، فربّما بقيت في نفوس بعضهم كراهية أكل ما كانوا يتعفّفون عن أكله في الجاهلية.

وعلّق النهي بقولهم: {هذا حلال وهذا حرام}. ولم يعلّق بالأمر بأكل ما عدا ما حُرم لأن المقصود النهي عن جعل الحلال حراماً والحرام حلالاً لا أكل جميع الحلال وترك جميع الحرام حتى في حال الاضطرار، لأن إمساك المرء عن أكل شيء لكراهيَةٍ أو عَيْف هو عمل قاصر على ذاته. وأما قول: {وهذا حرام} فهو يفضي إلى التحجير على غيره ممن يشتهي أن يتناوله.

واللام في قوله: {لما تصف} هي إحدى اللامين اللّتين يتعدّى بهما فعل القول وهي التي بمعنى (عن) الداخلة على المتحدّث عنه فهي كاللام في قوله: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} [سورة آل عمران: 168]، أي قالوا عن إخوانهم. وليست هي لام التقوية الداخلة على المخاطب بالقول.

{وتصف} معناه تذكر وصْفاً وحالاً، كما في قوله تعالى: {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} [سورة النحل: 62]. وقد تقدم ذلك في هذه السورة، أي لا تقولوا ذلك وصفاً كَذباً لأنه تقَوّل لم يقله الذي له التحليل والتحريم وهو اللّهُ تعالى.

وانتصب {الكذب} على المفعول المطلق ل {تصف}، أي وصفاً كذباً، لأنه مخالف للواقع، لأن الذي له التحليل والتحريم لم ينبئهم بما قالوا ولا نصب لهم دَلِيلاً عليه.

وجملة {هذا حلال وهذا حرام} هي مقول {تقولوا}، واسم الإشارة حكاية بالمعنى لأوصافهم أشياء بالحِلّ وأشياء بالتحّريم.

و {لتفتروا} علة ل {تقولوا} باعتبار كون الافتراء حاصلاً، لا باعتبار كونه مقصوداً للقائلين، فهي لام العاقبة وليست لام العلّة. وقد تقدّم قريباً أن المقصد منها تنزيل الحاصل المحقّق حصولُه بعدَ الفعل منزلةَ الغرض المقصود من الفعل.

وافتراء الكذب تقدّم آنفاً. والذين يفترون هم المشركون الذين حرموا أشياء.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وما دام الحديث جاريا عن الحلال والحرام، والطيب والخبيث، فقد بين كتاب الله أن السلطة الإلهية العليا هي وحدها التي لها صلاحية الحكم بتحليل ما هو حلال وتحريم ما هو حرام، وأن القول الأول والأخير في هذا الشأن، مرجعه إلى الله لا إلى هوى الإنسان، {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54]، فليس للناس أن يحلوا ما حرم الله، ولا أن يحرموا ما أحل الله، تبعا لمجرد أهوائهم وشهواتهم. وحذر كتاب الله من الحكم على الأشياء بالتحليل والتحريم دون سند شرعي، واعتبر المغامرين بذلك من عند أنفسهم متطاولين على الشرع ومفترين على الله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وتأتي الآية التالية لتطرح موضوع تحريم المشركين لبعض اللحوم بلا سبب أو دليل، والذي تطرق القرآن إِليه سابقاً بشكل غير مباشر، فتأتي الآية لتطرحه صراحةً حيث تقول: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على اللّه الكذب).

أيْ: إِنّ ما جئتم به ليس إِلاّ كذبة صريحة أطلقتها ألسنتكم في تحليلكم أشياء بحسب ما تهوى أنفسكم، وتحريمكم لأخرى! (إشارة إلى الأنعام التي حرمها البعض على نفسه، والبعض الآخر حللها لنفسه بعد أنْ جعل قسماً منها لأصنامه).

فهل أعطاكم اللّه حقّ سنّ القوانين؟ أمْ أنّ أفكاركم المنحرفة وتقاليدكم العمياء هي التي دفعتكم لإِحداث هذه البدع؟.. أوَ ليس هذا كذباً وافتراءاً على اللّه؟!

وجاء في الآية (136) من سورة الأنعام بوضوح: (وجعلوا لله ممّا ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى اللّه وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون).

ويستفاد كذلك من الآية (148) من سورة الأنعام: (سيقول الذين أشركوا لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء)، أنّهم كانوا يجعلون لأنفسهم حق التشريع في التحليل والتحريم، ويظنون أنّ اللّه يؤيد بدعهم! (وعلى هذا فكانوا يضعون البدعة أوّلاً ويحللون ويحرمون ثمّ ينسبون ذلك إلى اللّه فيكون افتراءا آخر).

ويحذر القرآن في آخر الآية بقوله: (إِن الذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون)؛ لأنّ من مسببات الشقاء الأساسية الكذب والافتراء على أيِّ إِنسان، فكيف به إذا كان على اللّه عزَّ وجلّ!؟ فلا أقل والحال هذه من مضاعفة آثاره السيئة.