روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (111)

{ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ } نصب على الظرفية ب { رحيم } [ النحل : 110 ] وقيل : على أنه مفعول به لأذكر محذوفاً ، ورجح الأول بارتباط النظم عليه ومقابلته لقوله تعالى : { فِى الاخرة هُمُ الخاسرون } [ النحل : 109 ] ولا يضر تقييد الرحمة بذلك اليوم لأن الرحمة في غيره تثبت بالطريق الأولى ، والمراد بهذا اليوم يوم القيامة { تجادل عَن نَّفْسِهَا } تدافع وتسعى في خلاصها بالاعتذار ولا يهمها شأن غيرها من ولد ووالد وقريب . أخرج أحمد في الزهد . وجماعة عن كعب قال : كنت عند عمر بن الخطاب فقال : خوفنا يا كعب فقلت : يا أمير المؤمنين أوليس فيكم كتاب الله تعالى وحكمة رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : بلى ولكن خوفنا قلت : يا أمير المؤمنين لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبياً لازدرأت عملك مما ترى قال : زدنا قلت : يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة/ لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل الآخر جاثياً إلى ركبتيه حتى أن إبراهيم خليله ليخر جاثياً على ركبتيه فيقول : رب نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي فأطرق عمر ملياً قلت : يا أمير المؤمنين أو ليس تجدون هذا في كتاب الله ؟ قال : كيف ؟ قلت : قول الله تعالى في هذه الآية : { يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ } الخ ، وجعل بعضهم هذا القول هو الجدال ولم يرتضه ابن عطية ، والحق أنه ليس فيه إلا الدلالة على عدم الاهتمام بشأن الغير وهو بغض ما تدل عليه الآية( {[547]} ) وعن ابن عباس أن هذه المجادلة بين الروح والجسد يقول الجسد : بك نطق لساني وأبصرت عيني ومشت رجلي ولولاك لكنت خشبة ملقاة وتقول الروح : أنت كسبت وعصيت لا أنا وأنت كنت الحامل وأنا المحمول فيقول الله تعالى : أضرب لكما مثلاً أعمى حمل مقعداً إلى بستان فأصابا من ثماره فالعذاب عليكما ، والظاهر عدم صحة هذا عن هذا الحبر وهو أجل من أن يحمل المجادلة في الآية على ما ذكر .

وضمير { نَفْسَهَا } عائد على النفس الأولى فكأنه قيل : عن نفس النفس ، وظاهره إضافة الشيء إلى نفسه ، فوجه بأن النفس الأولى هي الذات والجملة أي الشخص بأجزائه كما في قولك ، نفس كريمة ونفس مباركة ، والثانية عينها أي التي تجري مجرى التأكيد ويدل على حقيقة الشيء وهويته بحسب المقام ، والفرق بينهما أن الأجزاء ملاحظة في الأول دون الثاني ، والأصل هو الثاني لكن لعدم المغايرة في الحقيقة بين الذات وصاحبها استعمل بمعنى الصاحب ثم أضيف الذات إليه ، فوزان { كُلُّ نَفْسٍ } وزان قولك : كل أحد كذا في «الكشف » وفي «الفرائد » المغايرة شرط بين المضاف والمضاف إليه لامتناع النسبة بدون المنتسبين فلذلك قالوا : يمتنع إضافة الشيء إلى نفسه إلا أن المغايرة قبل الإضابة كافية وهي محققة ههنا لأنه لا يلزم من مطلق النفس نفسك ويلزم من نفسك مطلق النفس فلما أضيف ما لا يلزم أن يكون نفسك إلى نفسك صحت الإضافة وإن اتحدا بعد الإضافة ، ولذا جاز عين الشيء وكله ونفسه بخلاف أسد الليث وحبس المنع ونحوهما ، وقال ابن عطية : النفس الأولى هي المعروفة والثانية هي البدن ، وقال العسكري : الإنسان يسمى نفساً تقول العرب : ما جاءني إلا نفس واحدة أي إنسان واحدة ، والنفس في الحقيقة لا تأتي لأنها هي الشيء الذي يعيش به الإنسان فتأمل ففي النفس من بعض ما قالوه شيء ، والظاهر أن السؤال والجواب المشهورين في كل رجل وضيعته يجريان ههنا فتفطن .

وفي «البحر » إنما لم تجىء تجادل عنها بدل { تجادل عَن نَّفْسِهَا } لأن الفعل إذا لم يكن من باب ظن وفقد لا يتعدى ظاهراً كان فاعله أو مضمراً إلى ضميره المتصل فلا يقال . ضربتها هند أو هند ضربتها وإنما يقال : ضربت نفسها هند وهند ضربت نفسه ، وتأنيث { تَأْتِى } مع إسناده إلى { كُلٌّ } وهو مذكر لرعاية المعنى ؛ وكذا يقال فيما بعد ، وعلى ذلك جاء قوله :

جادت عليها كل عين ثمرة . . . فتركن كل حديقة كالدرهم

{ وتوفى كُلُّ نَفْسٍ } أي تعطي وافياً كاملاً { مَّا عَمِلَتْ } أي جزاء عملها أو الذي عملته إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب إشعاراً بكمال الاتصال بين الأجزية والأعمال ، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير وللإيذان باختلاف وقتي المجادلة والتوفية وإن كانتا في يوم واحد .

{ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بزيادة العقاب أو بالعقاب بغير ذنب ، وقيل : بنقص أجورهم . وتعقب بأنه علم من السابق . وأجيب بأن القائل به لعله أراد بجزاء ما عملت العقاب ، وعلى تقدير إرادة الأعم فهذا تكرار للتأكيد ووجه ضمير الجمع ظاهر .


[547]:- رواه عكرمة . وقع في صفحة 239 سطر 8 "إلى الكذب" وصوابه "إلى الكسب".
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (111)

حين { تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا } ، كلٌّ يقول : نفسي نفسي ، لا يهمه سوى نفسه ، ففي ذلك اليوم يفتقر العبد إلى حصول مثقال ذرة من الخير .

{ وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ } ، من خير وشر ، { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } ، فلا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم ، { فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (111)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{يوم تأتي كل نفس تجادل}، يعني: تخاصم، {عن نفسها وتوفى}... {كل نفس}، بر وفاجر، {ما عملت} في الدنيا من خير أو شر،

{وهم لا يظلمون} في أعمالهم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: {إن ربك من بعدها لغفور رحيم يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تخاصم عن نفسها}، وتحتجّ عنها بما أسلفت في الدنيا من خير أو شرّ أو إيمان أو كفر. و {َتُوَفّى كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ} في الدنيا من طاعة ومعصية. {وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}: يقول: وهم لا يفعل بهم إلا ما يستحقونه ويستوجبونه بما قدّموه من خير أو شرّ، فلا يجزى المحسن إلا بالإحسان، ولا المسيء إلا بالذي أسلف من الإساءة، لا يعاقب محسن ولا يبخس جزاء إحسانه، ولا يثاب مسيء إلا ثواب عمله...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

المجادلة المخاصمة... ويشبه أن يكون مجادلتهم على غير هذا؛ وهو ما ذكر {حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون} {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} (فصلت: 20 و 21) فتلك مجادلتهم أنفسهم، وكقوله: {ثم لم تكن فتنتهم} (الأنعام: 23) وكذلك ما ذكر في المنافقين {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم} الآية (المجادلة: 18)، وذلك كله مجادلتهم أنفسهم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسي نفسي. ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها كقوله: {هَؤُلاء أَضَلُّونَا} [الأعراف: 38]، {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] ونحو ذلك...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

ظاهر الآية أن كل نفس {تجادل} كانت مؤمنة أو كافرة، فإذا جادل الكفار بكذبهم وجحدهم للكفر، شهدت عليهم الجوارح والرسل وغير ذلك بحسب الطوائف، فحينئذ لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، فتجتمع آيات القرآن باختلاف المواطن...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما تقدم كثير من التحذير والتبشير، وتقدم أنه لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون، وختم ذلك بانحصار الخسار في الكفار، بيَّن اليوم الذي تظهر فيه تلك الآثار، ووصفه بغير الوصف المقدم باعتبار المواقف، فقال تعالى مبدلاً من: {يوم نبعث من كل أمة شهيداً}، {يوم تأتي}، أي: فيه، {كل نفس}، أي: إنسان وإن عظم جرمها. {تجادل}، أي: تعتذر، وعبر بالمجادلة إفهاماً للدفع بأقصى ما تقدر عليه، وأظهر في قوله: {عن نفسها}، أي: ذاتها بمفردها لا يهمها غير ذلك؛ لما يوهم الإضمار من أن كل أحد يجادل عن جميع الأنفس. ولما كان مطلق الجزاء مخوفاً مقلقاً، بني للمفعول قوله: {وتوفَّى كل نفس}، صالحة وغير صالحة، {ما عملت}، أي: جزاء من جنسه، {وهم}، ولما كان المرهوب مطلق الظلم، وكان البناء للمفعول أبلغ جزاء في نفيه قال تعالى: {لا يظلمون}، أي: لا يتجدد عليهم ظلم لا ظاهراً ولا باطناً، ليعلم بإبدال "يوم"، من ذلك المتقدم أن الخسارة بإقامة الحق عليهم لا بمجرد إسكاتهم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهو تعبير يلقي ظل الهول الذي يشغل كل امرئ بنفسه، يجادل عنها لعلها تنجو من العذاب. ولا غناء في انشغال ولا جدال. إنما هو الجزاء. كل نفس وما كسبت...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمجادلة: دفاع بالقول للتخلّص من تبعة فِعل... {وتُوفّى} تعطَى شيئاً وافياً، أي كاملاً غير منقوص... والظّلم: الاعتداء على الحقّ. وأطلق هنا على مجاوزة الحدّ المعيّن للجزاء في الشر والإجحاف عنه في الخير، لأن الله لما عيّن الجزاء على الشرّ ووعد بالجزاء على الخير صار ذلك كالحقّ لكل فريق. والعلمُ بمراتب هذا التحديد مفوّض لله تعالى: {ولا يظلم ربّك أحداً} [سورة الكهف: 49]...

وزيادة هذه الجملة للتصريح بمفهوم {وتوفى كل نفس ما عملت}، لأن توفية الجزاء على العمل تستلزم كون تلك التوفية عدلاً، فصرّح بهذا اللازم بطريقة نفي ضدّه وهو نفي الظلم عنهم، وللتّنبيه على أن العدل من صفات الله تعالى. وحصل مع ذلك تأكيد المعنى الأول...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}، أي يحضر الأنفس، وتسأل عما قدمت، وتنطق عليهم أيديهم وألسنتهم، فالحساب تكون أدلته مهيأة ثابتة، ولا يكون إلا الحكم، والحكم لله الواحد القهار فلا نقص لحكمه. {وتوفى كل نفس ما عملت}، والمراد جزاء ما عملت، ولكن لأن الجزاء عدل وفاق للعمل، ويساويه تمام المساواة عبر بالعمل بدل الجزاء، إذ هي شيء واحد، أو متساويان تساويا مطلقا، وأكد الله سبحانه المساواة والوفاق بين العمل وجزائه فقال، {وهم لا يظلمون}، أي لا ينقص من معملهم شيء، فلا يظلم؛ لأن الحاكم هو الله، وهو خير الفاصلين.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

أول آية في هذا الربع تؤكد عدل الله تعالى المطلق، بالنسبة لجزاء الأبرار والفجار، والأخيار والأشرار، وتنبه إلى أن كل نفس ستكون مسؤولة أمام الله عن عملها، مطالبة بالدفاع عن موقفها، إذ لا تقبل نيابة أحد عن أحد في عرصات يوم القيامة: {كل امرئ بما كسب رهين} [الطور: 21]، حتى إذا انتهى كل واحد من الدفاع عن نفسه نال جزاءه العادل، لا ينقص شيء من ثوابه إن كان خيرا، ولا يزاد شيء في عقابه إن كان شرا...