روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (84)

{ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ } بمقابلتها { خَيْرٌ مّنْهَا } ذاتاً ووصفاً وقدراً على ما قيل ، وجوز كون { خَيْرٌ } واحد الخيور وليس بأفعل التفضيل و { مِنْ } سببية أي فله خير بسبب فعلها وهو خلاف الظاهر ، وقد تقدم الكلام في ذلك { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يَجْزِى الذين عَمِلُواْ السيئات } وضع فيه الموصول والظاهر موضع الضمير لتهجين حال المسيئين بتكرير إسناد السيئة إليهم ، وفي جمع السيئات دون الحسنة قيل إشارة إلى قلة المحسنين وكثرة المسيئين ، وقد يقال : إنه إشارة إلى أن ضم السيئة إلى السيئة لا يزيد جزاءها بل جزائها إذا انفردت مثل جزائها إذا انضم إليها غيرها وأن عدم ضم الحسنة إلى الحسنة لا يؤثر في مقابلتها بما هو خير منها ، ولعل قلة المحسنين يفهم من عدم اعتبار الجمعية في { مِنْ } في قوله تعالى : { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } وكثرة المسيئين تفهم من اعتبار الجمعية فيها إذ الموصول قائم مقام ضميرها في قوله تعالى : { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يَجْزِى الذين عَمِلُواْ السيئات } { إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي إلا مثل ما كانوا يعملون فحذف المثل وأقيم مقامه ما كانوا يعملون مبالغة في المماقلة ، وهذا لطف منه عز وجل إذ ضاعف الحسنة ولم يرض بزيادة جزاء السيئة مقدار ذرة ، وقيل : لا حاجة إلى اعتبار المضاف فإن أعمالهم أنفسها تظهر يوم القيامة في صورة ما يعذبون به ، ولا يخفى ما فيه ، وفي ذكر عملوا ثانياً دون جاؤوا إشارة إلى أن ما يجزون عليه ما كان عن قصد لأن العمل يخصه كما قال الراغب ، وفي التفسير الكبير للإمام الرازي في أثناء الكلام على تفسير قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أصحاب الكهف والرقيم } [ الكهف : 9 ] الآية أن في التعبير بجاء دون عمل بأن يقال : من عمل الحسنة فله خير منها ومن عمل السيئة الخ دلالة على أن استحقاق الثواب أي والعقاب مستفاد من الخاتمة لا من أول العمل ، ويؤكد ذلك أنه لو مضي عمره في الكفر ثم أسلم في آخر الأمر كان من أهل الثواب وبالضد ، ولا يخلو عن حسن ، ولعل نكتة التعبير بعملوا ثانياً تتأتى عليه أيضاً .

وفي قوله تعالى : { فَلا يَجْزِى } الخ دون فللذين عملوا السيئات ما كانوا يعملون أو فما للذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون إشارة إلى أنه قد يحصل العفو عن العقاب ، ولله تعالى در التنزيل ما أكثر أسراره ، واستشكل ما تدل عليه الآية من أن جزاء السيئة مثلها بأن من كفر فمات على الكفر يعذب عذاب الأبد ، وأين هو من كفر ساعة ؟ وأجيب بأن أمر المماثلة مجهول لنا لاسيما على القول بنفي الحسن والقبح العقليين للأفعال ، وقصارى ما نعلم أن الله تعالى جعل لكل ذنب جزاء أخبر عز وجل أنه مماثل له ، وقد أخبر سبحانه أن جزاء الكفر عذاب الأبد فنؤمن به وبأنه مما تقتضيه الحكمة وما علينا إذا لم نعلم جهة المماثلة ووجه الحكمة فيه ، وكذا يقال في الذنوب التي شرع الله تعالى لها حدوداً في الدنيا كالزنا وشرب الخمر وقذف المصون وحدودها التي شرعها جل شأنه لها فإنا لا نعلم وجه تخصيص كل ذنب منها بحد مخصوص من تلك الحدود المختلفة لكنا نجزم بأن ذلك لا يخلو عن الحكمة ، وأجاب الإمام عن مسألة الكفر وعذاب الأبد بأن ذلك لأن الكافر كان عازماً أنه لو عاش إلا الأبد لبقي على ذلك الكفر ، وقيل : في وجه تعذيب الكافر أبد الآباد إن جزاء المعصية يتفاوت حسبل تفاوت عظمة المعصى فكلما كان المعصى أعظم كان الجزاء أعظم ، فحيث كان الكفر معصية من لا تتناهي عظمته جل شأنه كان جزاؤه غير متناه ، وقياس ذلك أن يكون جزاء كل معصية كذلك إلا أنه لم يكن كذلك فيما عدا الكفر فضلاً منه تعالى شأنه لمكان الإيمان ، وقيل أيضاً : إن كل كفر قولاً كان أو فعلا يعود إلى نسبة النقص إليه عز وجل المانفي لوجوب الوجود المقتضى لوجوده سبحانه أزلا وأبداً وإذا توهم هناك زمان ممتد كان غير متناه فحيث كان الكفر مستلزماً نفي وجوده تعالى شأنه فيما لا يتناهى كان جزاؤه غير متناه ولا كذلك سائر المعاصي فتدبر .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (84)

يخبر تعالى عن مضاعفة فضله ، وتمام عدله فقال : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ } شرط فيها أن يأتي بها العامل ، لأنه قد يعملها ، ولكن يقترن بها ما لا تقبل منه أو يبطلها ، فهذا لم يجيء بالحسنة ، والحسنة : اسم جنس يشمل جميع ما أمر اللّه به ورسوله ، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ، المتعلقة بحق الله تعالى وحق{[617]}  عباده ، { فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا } [ أي : أعظم وأجل ، وفي الآية الأخرى { فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } ]{[618]}

هذا التضعيف للحسنة ، لا بد منه ، وقد يقترن بذلك من الأسباب ما تزيد به المضاعفة ، كما قال تعالى : { وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } بحسب حال العامل وعمله ، ونفعه ومحله ومكانه ، { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ } وهي كل ما نهى الشارع عنه ، نَهْيَ تحريم . { فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } كقوله تعالى : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ }


[617]:- في ب : وحقوق العباد.
[618]:- زيادة من هامش: ب.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (84)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{من جاء بالحسنة} يعني: بكلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، {فله خير منها} في التقديم، يقول: فله منها خير، {ومن جاء بالسيئة} يعني: الشرك يقول: من جاء في الآخرة بالشرك، {فلا يجزى الذين عملوا السيئات} يعني: الذين عملوا الشرك {إلا ما كانوا يعملون} من الشرك، فإن جزاء الشرك النار، فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: من جاء الله يوم القيامة بإخلاص التوحيد، فله خير، وذلك الخير هو الجنة والنعيم الدائم، ومن جاء بالسيئة، وهي الشرك بالله.. وقوله:"فَلا يُجْزَى الّذِين عَمِلُوا السّيّئاتِ" يقول: فلا يثاب الذين عملوا السيئات على أعمالهم السيئة "إلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ "يقول: إلاّ جزاء ما كانوا يعملون.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فله خير منها} أي ما أعطوا في الآخرة من الخير والثواب خير مما يعطون في الدنيا بصبرهم وحبسهم أنفسهم عن شهواتها وأمانيها...

{فله خير منها} أي ثواب الله وما أكرموا به خير مما عملوا في الدنيا...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ثم أخبر تعالى أن من جاء بطاعة من الطاعات وحسنة من الحسنات "فله خير منها "ثوابا عليها وجزاء عليها، لأن له بالواحدة عشرا.

"ومن جاء بالسيئة" يعني بالمعصية "فلا يجزى الذين عملوا السيئات" يعني الذين عملوا المعاصي إلا على قدر استحقاقهم على ما فعلوه من غير زيادة. كما قال "ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها".

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

معناه: فلا يجزون، فوضع {الذين عَمِلُواْ السيئات} موضع الضمير؛ لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين {إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} إلا مثل ما كانوا يعملون، وهذا من فضله العظيم وكرمه الواسع أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها، ويجزي الحسنة بعشر أمثالها وبسبعمائة، وهو معنى قوله: {فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا}.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} أي: يوم القيامة {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} أي: ثواب الله خير من حَسَنَة العبد، فكيف والله يضاعفه أضعافًا كثيرة فهذا مقام الفضل. ثم قال: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، كما قال في الآية الأخرى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90] وهذا مقام الفصل والعدل.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما تحرر الفرق بين أهل الدارين، وكان لا بد من إتيان الآخرة، وعلم أن الآخرة إنما هي جزاء الأعمال، وتقرر من كونها للخائفين أنها على الآمنين، فاستؤنف تفصيل ذلك جواباً لمن كأنه قال: ما لمن أحسن ومن أساء عند القدوم؟ بقوله: {من جاء...}.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يخبر تعالى عن مضاعفة فضله، وتمام عدله فقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} شرط فيها أن يأتي بها العامل، لأنه قد يعملها، ولكن يقترن بها ما لا تقبل منه أو يبطلها، فهذا لم يجيء بالحسنة، والحسنة: اسم جنس يشمل جميع ما أمر اللّه به ورسوله، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله تعالى وحق عباده، {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [أي: أعظم وأجل، وفي الآية الأخرى {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}] هذا التضعيف للحسنة، لا بد منه، وقد يقترن بذلك من الأسباب ما تزيد به المضاعفة، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} بحسب حال العامل وعمله، ونفعه ومحله ومكانه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

تتنزل جملة {من جاء بالحسنة} منزلة بدل الاشتمال لجملة {والعاقبة للمتقين} لأن العاقبة ذات أحوال من الخير ودرجات من النعيم وهي على حسب ما يجيء به المتقون من الحسنات فتفاوت درجاتهم بتفاوتها. وفي اختيار فعل {جاء} في الموضعين هنا إشارة إلى أن المراد من حضر بالحسنة ومن حضر بالسيئة يوم العرض على الحساب. ففيه إشارة إلى أن العبرة بخاتمة الأمر وهي مسألة الموافاة. وأما اختيار فعل {عملوا} في قوله {الذين عملوا السيئات} فلما فيه من التنبيه على أن عملهم هو علة جزائهم زيادة في التنبيه على عدل الله تعالى. ومعنى {فله خير منها} أن كل حسنة تحتوي على خير لا محالة يصل إلى نفس المحسن أو إلى غيره فللجائي بالحسنة خيرٌ أفضل مما في حسنته من الخير، أو فله من الله إحسان عليها خير من الإحسان الذي في الحسنة.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لأن مسألة العقوبة لا بد من أن تخضع للعدل الذي يوازن بين حجم العمل في طبيعته وتأثيره، وبين حجم الجزاء، فلا يمكن زيادة العقوبة على ما يقتضيه حجم العمل، لأن ذلك ظلم يتنزه الله عنه، بينما تكون الزيادة في الثواب حالة إحسان وتفضل، فلذلك اختلفت النتائج في الموضعين.