{ قُلْ } تبكيتاً لهم { قُلْ أَرَأيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ } أي آلهتكم ، والإضافة إليهم لأدنى ملابسة حيث أنهم هم الذين جعلوهم شركاء الله تعالى واعتقدوهم كذلك من غير أن يكون له أصل ما أصلاً .
وقيل : الإضافة حقيقية من حيث أنهم جعلوهم شركاء لأنفسهم فيما يملكونه أوجعلهم الله تعالى شركاء لهم في النار كما قال سبحانه { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 89 ] والصفة عليهما مقيدة لا مؤكدة ، وسياق النظم الكريم وسباقه ظاهران فيما تقدم { أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض } بدل اشتمال من { أَرَءيْتُمْ } لأنه بمعنى أخبروني كأنه قيل : أخبروني عن شركائكم أروني أي جزء خلقوا من الأرض حتى يستحقوا الإلهية والشركة .
وجوز أن يكون بدل كل ، وقال أبو حيان : لا تجوز البدلية لأنه إذا بدل مما دخل عليه الاستفهام فلا بد من دخول الاداة على البدل ، وأيضاً إبدال الجملة من الجملة لم يعهد في لسانهم ثم البدل على نية تكرار العامل ولا يتأنى ذلك ههنا لأنه لا عامل لا رأيتم ثم قال : والذي أذهب إليه أن { أَرَءيْتُمْ } بمعنى أخبروني وهي تطلب مفعولين أحدهما منصوب والآخر مشتمل على الاستفهام كقول العرب أرأيت زيداً ما صنع فالأول هنا { شُرَكَاؤُكُمُ } والثاني { مَاذَا خَلَقُواْ } و { أَرُونِىَ } جملة اعتراضية فيها تأكيد للكلام وتسديد ، ويحتمل أن يكون ذلك أيضاً من باب الأعمال لأنه توارد على { مَاذَا خَلَقُواْ } أرأيتم . وأروني لأن أروني قد تعلق عن مفعولها الثاني كما علقت رأي التي لم تدخل عليها همزة النقل عن مفعولها في قولهم . أما ترى أي برق ههنا ويكون قد اعمل الثاني على المختار عند البصريين انتهى ، وما ذكره احتمال في الآية الكريمة كما أن ما ذكر أولاً احتمال وما قاله في رده ليس بشيء ، أما الأول فلأن لزوم دخول الاداة على البدل فيما إذا كان الاستفهام باق على معناه أما إذا نسخ عنه كام هنا فليس ذلك بلازم ، وأما الثاني فلأن أهل العربية والمعاني نصوا على خلافه وقد ورد في كلام العرب كقوله :
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا *** وإلا فكن في السر والجهر مسلماً
وأما الثالث فلأن كون البدل على نية تكرار العامل إنما هو كما نقل الخفاجي عنهم في بدل المفردات .
وليس لك أن تقول العامل هنا موجود وهو { قُلْ } لأن العبرة بالمقول ولا عامل فيه إذ يقال وهو ظاهر ، وجوز أن لا يكون { أَرَءيْتُمْ } بمعنى أخبروني بل المراد حقيقة الاستفهام عن الرؤية وأروني أمر تعجزي للتبيين أي أعلمتم هذه التي تدعونها ما هي وعلى ما هي عليه من العجز أو تتوهمون فيها قدرة فإن كنتم تتعلمونها عاجرة فكيف تعبدونها أو كنتم توهمتم فيها قدرة فأروني أثرها ، وما تقدم أظهر { أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السموات } أي بل ألهم شركة مع الله عز وجل في خلق السماوات حتى يستحقوا ما زعمتم فيهم ، وقال بعضهم : الأولى أن لا يقدر مضاف على أن المعنى أم لهم شركة معه سبحانه في السماوات خلقاً وإبقاء وتصرفاً لأن المقصود نفي آيات الإلهية عن الشركاء وليست محصورة في الخلق والتقدير أوفق بما قبله ، والكلام قيل من باب التدرج من الاستقلال إلى إلى الشركة ثم منها إلى حجة وبينة مكتوبة بالشركة كأنه قيل : أخبروني عن الذين تدعون من دون الله هل استبدوا بخلق شيء من الأرض حتى يكونوا معبودين مثل الله تعالى بل ألهم شركة معه سبحانه في خلق السماوات { أم آتيناهم كتابا } أي بل آتيناهم كتاباً ينطق بأنا اتخذناهم شركاء { فَهُمْ على بينات مِنْهُ } أي حجة ظاهرة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة معنا .
وقال في الكشف . الظاهر أن الكلام مبني على الترقي في إثبات الشركة لأن الاستبداد بخلق جزء من الأرض شركة ما معه عز وجل والاشتراك معه سبحانه في خلق السماوات أدل على إثباتها ثم إيتاء كتاب منه تعالى على أنهم شركاؤه أدل وأدل ، وقيل : هم في { ءاتيناهم } للمشركين وكذا في فنهم كما في قوله تعالى : { أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا } [ الروم : 5 3 ] الخ ففي الكلام التفات من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة إعراضا عن المشركين وتنزيلاً لهم منزلة الغيب .
والمعنى أن عبادة هؤلاء إما بالعقل ولا عقل يحكم بصحة عبادة من لا يخلق جزأ ما من الأرض دلالة شرك في السماء وإما بالنقل ولم نؤت المشركين كتاباً فيه الأمر بعبادة هؤلاء ، وفيه تفكيك للضمائر ، وقال بعضهم : ضمير { ءاتيناهم } للشركاء كالضمائر السابقة وضمير { فَهُمْ على بَيّنَةٍ } للمشركين و «أم » منقطعة للاضراب عن الكلام السابق وزعم أن لا التفات حينئذ ولا تفكيك فتأمل .
وقرأ نافع . وابن عامر . ويعقوب . وأبو بكر { على بينات } بالجمع فيكون إيماء إلى أن الشرك خطير لا بد فيه من تعاضد الدلائل وهو ضرب من التهكم { بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً } لما نفي سبحانه ما نفي من الحجج في ذلك أضرب عز وجل عنه بذكر ما حملهم على الشرك وهو تقرير الأسلاف للاخلاف وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم شفعاء عند الله تعالى يشفعون لهم بالتقرب إليهم ، والآية عند الكثير في عبدة الأصنام وحكمها عام ؛ وقيل : في عبدة غير الله عز وجل صنماً كان أو ملكاً أو غيرهما .
{ 40 } { قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا }
يقول تعالى مُعجِّزًا لآلهة المشركين ، ومبينا نقصها ، وبطلان شركهم من جميع الوجوه .
{ قُلْ } يا أيها الرسول لهم : { أَرَأَيْتُمْ } أي : أخبروني عن شركائكم { الذين تدعون من دون الله } هل هم مستحقون للدعاء والعبادة ، ف { أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا [ مِنَ الْأَرْضِ } هل خلقوا بحرا أم خلقوا جبالا أو خلقوا ] حيوانا ، أو خلقوا جمادا ؟ سيقرون أن الخالق لجميع الأشياء ، هو اللّه تعالى ، أَمْ لشركائكم شِرْكٌة { فِي السَّمَاوَاتِ } في خلقها وتدبيرها ؟ سيقولون : ليس لهم شركة .
فإذا لم يخلقوا شيئا ، ولم يشاركوا الخالق في خلقه ، فلم عبدتموهم ودعوتموهم مع إقراركم بعجزهم ؟ فانتفى الدليل العقلي على صحة عبادتهم ، ودل على بطلانها .
ثم ذكر الدليل السمعي ، وأنه أيضا منتف ، فلهذا قال : { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا } يتكلم بما كانوا به يشركون ، يأمرهم بالشرك وعبادة الأوثان . { فَهُمْ } في شركهم { عَلَى بَيِّنَةٍ } من ذلك الكتاب الذي نزل عليهم في صحة الشرك ؟
ليس الأمر كذلك ؟ فإنهم ما نزل عليهم كتاب قبل القرآن ، ولا جاءهم نذير قبل رسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولو قدر نزول كتاب إليهم ، وإرسال رسول إليهم ، وزعموا أنه أمرهم بشركهم ، فإنا نجزم بكذبهم ، لأن اللّه قال : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } فالرسل والكتب ، كلها متفقة على الأمر بإخلاص الدين للّه تعالى ، { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ }
فإن قيل : إذا كان الدليل العقلي ، والنقلي قد دلا على بطلان الشرك ، فما الذي حمل المشركين على الشرك ، وفيهم ذوو العقول والذكاء والفطنة ؟
أجاب تعالى بقوله : { بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا } أي : ذلك الذي مشوا عليه ، ليس لهم فيه حجة ، فإنما ذلك توصية بعضهم لبعض به ، وتزيين بعضهم لبعض ، واقتداء المتأخر بالمتقدم الضال ، وأمانيّ مَنَّاها الشيطان ، وزين لهم [ سوء ] أعمالهم ، فنشأت في قلوبهم ، وصارت صفة من صفاتها ، فعسر زوالها ، وتعسر انفصالها ، فحصل ما حصل من الإقامة على الكفر والشرك الباطل المضمحل .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحدى هؤلاء المشركين ، وأن يوبخهم على عنادهم وجحودهم فقال : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض . . . } .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل التبكيت والتأنيث لهؤلاء المشركين . أخبرونى وأنبئونى عن حال شركائكم الذين عبدتموهم من دون الله ، ماذا فعلوا لكم من خير أو شر ، وأرونى أى جزء خلقوه من الأرض حتى استحقوا منكم الألوهية والشركة مع الله - تعالى - فى العبادة ؟
إنهم لم يفعلوا - ولن يفعلوا - شيئاً من ذلك ، فكيف أبحتم لأنفسكم عبادتهم ؟
وقوله { أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات } تبكيت آخر لهم . أى : وقل لهم : إذا كانوا لم يخلقوا شيئاً من الأرض ، فهل لهم معنى شركة فى خلق السماوات أو فى التصرف فيها ، حتى يستحقوا لذلك مشاركتنا فى العبادة والطاعة .
وقوله : { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ على بَيِّنَةٍ مِّنْهُ } تبكيت ثالث لهم . أى : وقل لهم إذا كانوا لم يخلقوا شيئاً من الأرض ، ولم يشاركونا فى خلق السماوات ، فهل نحن أنزلنا عليهم كتاباً أقررنا لهم فيه بمشاركتنا ، فتكون لهم الحجة الظاهرة البينة على صدق ما يدعون ؟
والاستفهام فى جميع أجزاء الاية الكريمة للإِنكار والتوبيخ .
والمقصود بها قطع كل حجة يتذرعون بها فى شركهم ، وإزهاق باطلهم بألوان من الأدلة الواضحة التى تثبت جهالاتهم ، حيث أشركوا مع الله - تعالى - ما لا يضر ولا ينفع ، وما لا يوجد دليل أو ما يشبه الدليل على صحة ما ذهبوا إليه من كفر وشرك .
ولذا ختمت الآية الكريمة بالإِضراب عن أهامهم وبيان الأسباب التى حمتلهم على الشرك ، فقال - تعالى - : { بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً } .
أى : أن هؤلاء الشركاء لم يخلقوا شيئاً من الأرض ولا من السماء ، ولم نؤتهم كتاباً بأنهم شركاء لنا فى شئ ، بل الحق أن الظالمين يخدع بعضهم بعضاً ، ويعد بعضهم بعضاً بالوعود الباطلة ، بأن يقول الزعماء لأتباعهم : إن هؤلاء الآلهم هم شفعاؤنا عند الله ، وأننا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فيترتب على قولهم هذا ، أن ينساق الأتباع وراءهم كما تنساق الأنعام وراء راعيها .