{ فاصبر } أي إذا عرفت ما قصصناه عليك للتأسي فاصبر على ما نالك من أذية المشركين { إِنَّ وَعْدَ الله } إياك والمؤمنين بالنصر المشار إليه بقوله سبحانه : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءامَنُواْ } [ غافر : 51 ] أو جميع مواعيده تعالى ويدخل فيه وعده سبحانه بالنصر دخولاً أولياً { حَقّ } لا يخلفه سبحانه أصلاً فلا بد من وقوع نصره جل شأنه لك وللمؤمنين ، واستشهد بحال موسى ومن معه وفرعون ومن تبعه { واستغفر لِذَنبِكَ } أقبل على أمر الدين وتلاف ما ربما يفرط مما يعد بالنسبة إليك ذنباً وإن لم يكنه ، ولعل ذلك هو الاهتمام بأمر العدا بالاستغفار فإن الله تعالى كافيك في النصر وإظهار الأمر ، وقيل : { لِذَنبِكِ } لذنب أمتك في حقك ، قيل : فإضافة المصدر للمفعول { وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بالعشى والابكار } أي ودم على التسبيح والتحميد لربك على أنه عبر بالطرفين وأريد جميع الأوقات ، وجوز أن يراد خصوص الوقتين ، والمراد بالتسبيح معناه الحقيقي كما في الوجه الأول أو الصلاة ، قال قتادة : أريد صلاة الغداة وصلاة العصر ، وعن الحسن أريد ركعتان بكرة وركعتان عشياً ، قيل : لأن الواجب بمكة كان ذلك ، وقد قدمنا إن الحس لا يقول بفرضية الصلوات الخمس بمكة فقيل : كان يقول بفرضية ركعتين بكرة وركعتين عشياً .
وقيل : إنه يقول كان الواجب ركعتين في أي وقت اتفق ، والكل مخالف للصريح المشهور ، وجوز على إرادة الدوام أن يراد بالتسبيح الصلاة ويراد بذلك الصلوات الخمس ، وحكى ذلك في «البحر » عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .
ثم ختم - سبحانه الآيات الكريمة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى أعدائه . فقال : { فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ . . } .
أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أننا سننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا { وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد . . } فاصبر على ما أصابك من أعدائك ، فإن ما وعدك الله - تعالى - به من النصر ثابت لا شك فيه ، وحق لا باطل معه .
{ واستغفر لِذَنبِكَ } فإن استغفارك هذا وأنت المصعوم من كل ما يغضبنا - يجعل أمتك تقتدى بك فى ذلك ، وتسير على نهجك فى الإكثار من فعل الطاعات .
{ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعشي والإبكار } أى : وبجانب استغفارك من الذنوب ، أكثر من تسبيح ربك ومن تنزيهه عن كل مالا يليق به عند حلول الليل ، وعند تباكير الصباح ، فإن هذا الاستغفار ، وذلك التسبيح ، خير زاد للوصول إلى السعادة والفوز فى الدنيا والآخرة .
قال الإمام الرازى ما ملخصه : واعلم أن مجامع الطاعات محصورة فى قسمين : التوبة عما لا ينبغى ، والاشتغال بما ينبغى ، والأول مقدم على الثانى بحسب الرتبة الذاتية . فوجب أن يكون مقدما عليه فى الذكر . .
أما التوبة عما لا ينبغى ، فنراها فى قوله - تعالى - : { واستغفر لِذَنبِكَ } .
وأما الاشتغال بما ينبغى ، فنراه فى قوله - تعالى - { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعشي والإبكار } .
والتسبيح عبارة عن تنزيه الله - تعالى - عن كل ما لا يليق به ، والعشى والإبكار ، قيل صلاة العصر وصلاة الفجر . وقيل : الإِبكار عبارة عن أول النهار إلى النصف . والعشى عبارة عن النصف إلى آخر النهار ، فيدخل فيه كل الأوقات ، وبالجملة فالمراد منه المواظبة على ذكر الله . وأن لا يفتر اللسان عنه . .
قوله : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } ذلك تحريض من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم على الصبر على البلاء واحتمال المكاره وما يضعه الظالمون والمشركون في طريقه من أسباب الصد والأذى ؛ فإن الله مُنجِزٌ له ما وعده من النصر والغلبة وظهور دينه الإسلام .
قوله : { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } استغفر الله لذنب أمتك { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } أمره الله بالديمومة على عبادته والثناء عليه . أو أن يقول : سبحان الله وبحمده . وذلك بالعشي أي أواخر النهار وأوائل الليل . { والإبكار } أي أوائل النهار وأواخر الليل . وقيل : عبّر بالطرفين وأريد جميع الأوقات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.