{ اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضًا } الظاهر أن هذا من جملة ما حكى بعد قوله سبحانه : { إِذْ قَالُواْ } [ يوسف : 8 ] وقد قاله بعض منهم مخاطباً للباقين وكانوا راضين بذلك إلا من قال : { لاَ تَقْتُلُواْ } [ يوسف : 10 ] الخ ، ويحتمل أنه قاله كل منهم مخاطباً للبقية ، والاستثناء هو الاستثناء ، وزعم بعضهم أن القائل رجل غيرهم شاوروه في ذلك وهو خلاف الظاهر ولا ثبت له ، والظاهر أن القائل خيرهم بين الأمرين القتل والطرح .
وجوز أن يكون المراد قال بعض : { اقتلوا يُوسُفَ } وبعض { اطرحوه } والطرح رمي الشيء وإلقاؤه ، ويقال : طرحت الشيء أبعدته ، ومنه قول عروة بن الورد
: ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا *** من المال يطرح نفسه كل مطرح
ونصب { أَرْضًا } على إسقاط حرف الجر كما ذهب إليه الحوفي . وابن عطية أي ألقوه في أرض بعيدة عن الأرض التي هو فيها ، وقيل : نصب على أنه مفعول ثان لاطرحوه لتضمينه معنى أنزلوه فهو كقوله تعالى : { أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً } [ المؤمنون : 29 ] ، وقيل : منصوب على الظرفية ، ورده ابن عطية . وغيره بأن ما ينتصب على الظرفية المكانية لا يكون إلا مبهماً وحيث كان المراد أرضاً بعيدة عن أرضه لم يكن هناك إبهام ، ودفع بما لا يخلو عن نظر ، وحاصل المعنى اقتلوه أو غربوه فإن التغريب كالقتل في حصول المقصود مع السلامة من إثمه ، ولعمري لقد ذكروا أمرين مرين فإن الغربة كربة أية كربة ؛ ولله تعالى در من قال
: حسنوا القول وقالوا غربة *** إنما الغربة للاحرار ذبح {
يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } بالجزم جواب الأمر ، والوجه الجارحة المعروفة ، وفي الكلام كناية تلويحية عن خلوص المحبة ، ومن هنا قيل : أي يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم ، والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها ، وقد فسر الوجه بالذات والكناية بحالها خلا أن الانتقال إلى المقصود بمرتبتين : على الأول وبمرتبة على هذا ، وقيل : الوجه بمعنى الذات ، وفي الكلام كناية عن التوجه والتقيد بنظم أحوالهم وتدبير أمورهم لأن خلوه لهم يدل على فراغه عن شغل يوسف عليه السلام فيشتغل بهم وينظم أمورهم ، ولعل الوجه الأوجه هو الأول { وَتَكُونُواْ } بالجزم عطفاً على جواب الأمر . وبالنصب بعد الواو بإضمار أن( {[341]} ) أي يجتمع لكم خلو وجهه والكون { من بَعْده } أي بعد يوسف على معنى بعد الفراغ من أمره . أو من بعد قتله . أو طرحه ، فالضمير إما ليوسف أو لأحد المصدرين المفهومين من الفعلين .
{ { قَوْمًا صالحين } بالتوبة والتنصل إلى الله تعالى عما جئتم به من الذنب كما روي عن الكلبي وإليه ذهب الجمهور ، فالمراد بالصلاح الصلاح الديني بينهم وبين الله تعالى ، ويحتمل أن المراد ذلك لكن بينهم وبين أبيهم بالعذر وهو وإن كان مخالفاً للدين لكونه كذباً لكنه موافق له من جهة أنهم يرجون عفو أبيهم وصفحه به ليخلصوا من العقوق على ما قيل ، ويحتمل أن يراد الصلاح الدنيوي أن صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم ، وإيثار الخطاب في { لَكُمْ } وما بعده للمبالغة في حملهم على القبول فإن اعتناء المرء بشأن نفسه واهتمامه بتحصيل منافعه أتم وأكمل .
ثم أخبر - سبحانه - عما اقترحوه للقضاء على يوسف فقال - تعالى - : { اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ } .
ولفظ " اطرحوه " مأخوذ من الطرح ، ومعناه رمى الشئ وإلقاؤه بعيداً ، ولفظ " أرضاً " منصوب على نزع الخافض ، والتنوين فيه للإِبهام . أى : أرضا مجهولة .
والمعنى : لقد بالغ أبونا في تفضيل يوسف وأخيه علينا ، مع أننا أولى بذلك منهما ؛ وما دام هو مصراً على ذلك ، فالحل أن تقتلوا يوسف ، أو أن تلقوا به في أرض بعيدة مجهولة حتى يموت فيها غريبا .
قال الآلوسى : " وحاصل المعنى : اقتلوه أو غربوه ، فإن التغريب كالقتل في حصول المقصود ، ولعمرى لقد ذكروا أمرين مرين ، فإن الغربة كربة اية كبرة ، ولله - تعالى - در القائل :
حسنوا القول وقالوا غربة . . . إنما الغربة للأحرار ذبح
والخلو : معناه الفراغ . يقال خلا المكان يخلو خلوا وخلاء ، إذا لم يكن به أحد .
والمعنى : اقتلوا يوسف أو اقذفوا به في أرض بعيدة مجهولة حتى يموت ، فإنكم إن فعلتم ذلك ، خلصت لكم محبة أبيكم دون أن يشارككم فيها أحد ، فيقبل عليكم بكليته ، ويكن كل توجهه إليكم وحدكم ، بعد أن كان كل توجهه إلى يوسف .
قال صاحب الكشاف : { يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } أى : يقبل عليكم إقبالة واحدة ، لا يلتفت عنكم إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها ، وينازعهم إياها ، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم ، لأن الرجل إذا أقبل على الشئ أقبل عليه بوجهه .
وقوله { وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ } معطوف على جواب الأمر .
أى : وتكونوا من بعد الفراغ من أمر يوسف بسبب قتله أو طرحه في أرض بعيدة ، قوما صالحين في دينكم ، بأن تتوبوا إلى الله بعد ذلك فيقبل الله توبتكم ، وصالحين في دنياكم بعد أن خلت من المنغصات التي كان يثيرها وجود يوسف بينكم .
وهكذا النفوس عندما تسيطر علها الأحقاد ، وتقوى فيها رذيلة الحسد ، تفقد تقديرها الصحيح للأمور ، وتحاول التخلص ممن يزاحمها بالقضاء عليه ، وتصور الصغائر في صورة الكبائر ، والكبائر في صورة الصغائر .
فإخوة يوسف هنا ، يرون أن محبة أبيهم لأخيهم جرم عظيم ، يستحق إرهاق روح الأخ . وفى الوقت نفسه يرون أن هذا الإِزهاق للروح البريئة شئ هين ، في الإِمكان أن يعودوا بعده قوما صالحين أمام خالقهم ، وأمام أبيهم ، وأمام أنفسهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.