البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ} (9)

الطرح للشيء رميه وإلقاؤه ، وطرح عليه الثوب ألقاه ، وطرحت الشيء أبعدته ومنه قول عروة بن الورد :

ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا *** من المال يطرح نفسه كل مطرح

والنوى :الطروح البعيدة .

والظاهر أنّ اقتلوا يوسف من جملة قولهم ، وقيل : هو من قول قوم استشارهم أخوة يوسف فيما يفعل به فقالوا ذلك .

والظاهر أو اطرحوه هو من قولهم أن يفعلوا به أحد الأمرين ، ويجوز أن تكون أو للتنويع أي : قال بعض : اقتلوا يوسف ، وبعض اطرحوه ، وانتصب أرضاً على إسقاط حرف الجر قاله الحوفي وابن عطية ، أي : في أرض بعيدة من الأرض التي هو فيها ، قريب من أرض يعقوب .

وقيل : مفعول ثان على تضمين اطرحوه معنى أنزلوه ، كما تقول : أنزلت زيداً الدار .

وقالت فرقة : ظرف ، واختاره الزمخشري ، وتبعه أبو البقاء .

قال الزمخشري : أرضاً منكورة مجهولة بعيدة من العمران ، وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الناس ، ولإبهامها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة .

وقال ابن عطية : وذلك خطأ بمعنى كونها منصوبة على الظرف قال : لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهماً ، وهذه ليست كذلك ، بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك ، فزال بذلك إبهامها .

ومعلوم أنّ يوسف لم يخل من الكون في أرض فتبين أنهم أرادوا أرضاً بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه انتهى .

وهذا الردّ صحيح ، لو قلت : جلست داراً بعيدة ، أو قعدت مكاناً بعيداً لم يصح إلا بوساطة في ، ولا يجوز حذفها إلا في ضرورة شعر ، أو مع دخلت على الخلاف في دخلت أهي لازمة أو متعدية .

والوجه هنا قيل : الذات ، أي يخل لكم أبوكم .

وقيل : هو استعارة عن شغله بهم ، وصرف مودته إليهم ، لأنّ من أقبل عليك صرف وجهه إليك وهذا كقول نعامة حين أحبته أمه لما قتل أخوته وكانت قبل لا تحبه .

قال : الثكل أرامها أي : عطفها ، والضمير في بعده عائد على يوسف ، أو قتله ، أو طرحه .

وصلاحهم إما صلاح حالهم عند أبيهم وهو قول مقاتل ، أو صلاحهم بالتوبة والتنصل من هذا الفعل وهذا أظهر ، وهو قول الجمهور منهم الكلبي .

واحتمل تكونوا أن يكون مجزوماً عطفاً على مجزوم ، أو منصوباً على إضمار أنْ .