روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (150)

{ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ } أي أحضروهم للشهادة هو اسم فعل لا يتصرف عند أهل الحجاز وفعل يؤنث ويثنى ويجمع عند بني تميم وهو مبني على ما اشتهر من أن ما ذكر من خصائص الأفعال . وعن أبي علي الفارسي أن الضمائر قد تتصل بالكلمة وهي حرف كليس أو اسم فعل كهات لمناسبتها للأفعال . وعلى هذا تكون { هَلُمَّ } اسم فعل مطلقاً كما في «شرح التسهيل » وعليه الرضي حيث قال : وبنو تميم يصرفونه فيذكرونه ويؤنثونه ويجمعونه نظراً إلى أصله . وأصله عند البصريين هالم من لم إذا قصد حذفت الألف لتقدير السكون في اللام لأن أصله المم وعند الكوفيين هل أم فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام وحذفت كما هو القياس ، واستبعد بأن هل لا تدخل الأمر . ودفع بما نقله الرضي عنهم من أن أصل هل أم هلا أم وهلا كلمة استعجال بمعنى أسرع فغير إلى هل لتخفيف التركيب ثم فعل به مافعل . ويكون متعدياً بمعنى أحضر وائت ولازماً بمعنى أقبل كما في قوله تعالى : { هَلُمَّ إِلَيْنَا } [ الأحزاب : 18 ] ) .

{ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا } وهم كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم . والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم وإظهار أن لا متمسك لهم كمقلديهم ولذلك قيد الشهداء بالإضافة ووصفوا بما يدل على انهم شهداء معرفون بالشهادة لهم وبنصر مذهبهم . وهذا إشارة إلى ما حرموه من الأنعام على ما حكته الآيات السابقة .

/ وقال مجاهد : إشارة إلى البحائر والسوائب { فَإِن شَهِدُواْ } أي أولئك الشهداء المعرفون بالباطل بعد ما حضروا بأن الله حرم هذا { فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } أي فلا تصدقهم فإنه كذب بحت وبين لهم فساده لأن تسليمه منهم موافقة لهم في الشهادة الباطلة والسكوت قد يشعر بالرضا ، وإرادة هذا المعنى من ( لا تشهد ) إما على سبيل الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل من ذكر اللازم وإرادة الملزوم لأن الشهادة من لوازم التسليم أو الكناية أو هو من باب المشاكلة ، ومن الناس من زعم أن ضمير { شَهِدُواْ } للمشركين أي فإن لم يجدوا شاهداً يشهد بذلك فشهدوا بأنفسهم لأنفسهم فلا تشهد وهو في غاية البعد ، وأبعد منه بل هو للفساد أقرب قول من زعم أن المراد هلم شهداءكم من غيركم فإن لم يجدوا ذلك لأن غير العرب لا يحرمون ما ذكر وشهدوا بأنفسهم فلا تصدقهم .

{ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين كَذَّبُواْ بآياتنا } من وضع المظهر موضع المضمر للإيماء إلى أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير وأن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقاً بها ، والخطاب قيل لكل من يصلح له . وقيل : لسيد المخاطبين والمراد أمته . { والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } كعبدة الأوثان عطف على الموصول الأول بطريق عطف الصفة على الصفة مع اتحاد الموصوف فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس ، وزعم بعضهم أن المراد بالموصول الأول المكذبون مع الإقرار بالآخرة كأهل الكتابين وبالموصول الثاني المكذبون مع إنكار الآخرة ولا يخفى ما فيه { وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ } أي يجعلون له عديلاً أي شريكاً فهو كقوله تعالى :

{ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } [ النحل : 100 ] وقيل : يعدلون بأفعاله عنه سبحانه وينسبونها إلى غيره عز وجل ، وقيل : يعدلون بعبادتهم عنه تعالى ، والجملة عطف على { لاَ يُؤْمِنُونَ } والمعنى لا تتبع الذين يجمعون بين التكذيب بالآيات والكفر بالآخرة والإشراك بربهم عز وجل لكن لا على أن مدار النهي الجمع المذكور بل على أن أولئك جامعون لها متصفون بها ، وقيل : الجملة في موضع الحال من ضمير { لاَ يُؤْمِنُونَ } .