التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا} (24)

ضمير الرفع المستتر في ( ناداها ) عائد إلى ما عاد عليه الضمير الغائب في { فحملته } [ مريم : 22 ] ، أي : ناداها المولود .

قرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص ، وأبو جعفر ، وخلف ، وروح عن يعقوب { مِنْ تَحتها } بكسر ميم ( من ) على أنها حرف ابتداء متعلّق ب ( ناداها ) وبجر { تَحتها } .

وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، ورويس عن يعقوب { مَنْ } بفتح الميم على أنها اسم موصول ، وفتح { تَحْتَهَا } على أنه ظرف جعل صلة ، والمعني بالموصول هو الغلام الذي تحتها . وهذا إرهاص لعيسى وكرامة لأمّه عليهما السلام .

وقَيْدُ { من تحتها } لتحقيق ذلك ، ولإفادة أنه ناداها عند وضعه قبل أن ترفعه مبادرة للتسلية والبشارة وتصويراً لتلك الحالة التي هي حالة تمام اتّصال الصبي بأمه .

و { أنَّ من قوله ألاَّ تَحْزَني } تفسيرية لفعل ( ناداها ) .

وجملة { قَدْ جَعلَ رَبُّكِ تحتك سَرِيّاً } خبر مراد به التعليل لجملة { ألاَّ تحزني } ، أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن لما فيها من الكرامة الإلهية .

السرّي : الجدول من الماء كالساقية ، كثير الماء الجاري .

وهبَها الله طعاماً طيّباً وشراباً طيّباً كرامة لها يشهدها كل من يراها ، وكان معها خطيبها يوسف النجار ، ومن عسى أن يشهدها فيكون شاهداً بعصمتها وبراءتها مما يظن بها . فأما الماء فلأنه لم يكن الشأن أن تأوي إلى مجرى ماء لتضع عنده . وأما الرُطب فقيل كان الوقت شتاء ، ولم يكن إبان رطب وكان جذع النخلة جذع نخلة ميتة فسقوط الرطب منها خارق للعادة . وإنما أعطيت رُطباً دون التمر لأنّ الرطب أشهى للنفس إذ هو كالفاكهة وأما التمر فغذاء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا} (24)

قوله تعالى : " فناداها من تحتها " قرئ بفتح الميم وكسرها . قال ابن عباس : المراد ب " من " جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها ، وقال علقمة والضحاك وقتادة ، ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم . وقوله : " ألا تحزني " تفسير النداء ، " وأن " مفسرة بمعنى أي ، المعنى : فلا تحزني بولادتك . " قد جعل ربك تحتك سريا " يعني عيسى . والسري من الرجال العظيم الخصال السيد . قال الحسن : كان والله سريا من الرجال . ويقال : سري فلان على فلان أي تكرم . وفلان سري من قوم سراة . وقال الجمهور : أشار لها إلى الجدول الذي كان قريب جذع النخلة . قال ابن عباس : كان ذلك نهرا قد انقطع ماؤه فأجراه الله تعالى لمريم . والنهر يسمى سريا لأن الماء يسري فيه ، قال الشاعر :

سَلْمٌ{[10811]} تَرَى الدَّالِيَّ منه أزْوَرَا *** إذا يَعُبُّ في السَّرِيِّ هَرْهَرَا

وقال لبيد :

فَتَوَسَّطَا عُرَضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا{[10812]} *** مسجورَةٌ متجاوراً قُلاَّمُهَا

وقيل : ناداها عيسى{[10813]} ، وكان ذلك معجزة وآية وتسكينا لقلبها ، والأول أظهر . وقرأ ابن عباس ( فناداها ملك من تحتها ) قالوا : وكان جبريل عليه السلام في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت هي عليها .


[10811]:السلم: الدلو التي لها عروة واحدة كدلو السقائين. والمدالي: المستقي بالدلو. والهرهرة: صوت الماء إذا جرى.
[10812]:أي شق العير والأتان النبت الذي على الماء. ومسجورة: عين مملوءة. والمتجاور المتقارب والقلام: نبت، وقيل: هو القصب. والبيت من معلقته.
[10813]:أي على قراءة من فتح من وتحتها.