التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا} (8)

جملة { قَالَ رَبّ } جواب للبشارة .

و { أنى } استفهام مستعمل في التعجب ، والتعجب مكنى به عن الشكر ، فهو اعتراف بأنها عطية عزيزة غير مألوفة لأنّه لا يجوز أن يسأل الله أن يهب له ولداً ثمّ يتعجب من استجابة الله له . ويجوز أن يكون قد ظن الله يهب له ولداً من امرأة أخرى بأن يأذنه بتزوج امرأة غير عاقر ، وتقدّم القول في نظير هذه الآية في سورة آل عمران .

وجملة { امرأتي عاقراً } حال من ياء التكلّم . وكرّر ذلك مع قوله في دعائه { وكَانَتِ امرأتي عاقِراً } . وهو يقتضي أنّ زكرياء كان يظن أن عدم الولادة بسبب عقر امرأته ، وكان الناس يحسبون ذلك إذا لم يكن بالرجل عُنّةٌ ولا خصاء ولا اعتراض ، لأنهم يحسبون الإنعَاظ والإنزال هما سبب الحمل إن لم تكن بالمرأة عاهة العُقر .

وهذا خطأ فإن عدم الولادة يكون إمّا لعلّة بالمرأة في رحمها أو لعلة في ماء الرجل يكون غير صالح لنماء البويضات التي تبرزها رحم المرأة .

و { من } في قوله { من الكبر عُتِيّاً } للابتداء ، وهو مجاز في معنى التعليل .

والكِبر : كثرة سني العمر ، لأنه يقارنه ظهور قلّة النشاط واختلال نظام الجسم .

و { عُتِيّاً } مفعول { بَلَغْتُ } .

والبلوغ : مجاز في حلول الإبان ، وجعل نفسه هنا بالغاً الكبر وفي آية آل عمران ( 40 ) قال : { وقد بلغني الكبر } لأن البلوغ لما كان مجازاً في حصول الوصف صح أن يسند إلى الوصف وإلى الموصوف .

والعُتيّ بضم العين في قراءة الجمهور مصدر عتا العود إذا يبس ، وهو بوزن فعول أصله عُتُووٌ ، والقياس فيه أن تصحح الواو لأنها إثر ضمّة ولكنهم لما استثقلوا توالي ضمتين بعدهما واوان وهما بمنزلة ضمتين تخلصوا من ذلك الثقل بإبدال ضمّة العين كسرة ثم قلبوا الواو الأولى ياء لوقوعها ساكنة إثْرَ كسرة فلما قلبت ياءً اجتمعت تلك الياء مع الواو التي هي لام ، وكأنهم ما كسروا التاء في عتي بمعنى اليبس إلاّ لدفع الالتباس بينه وبين العُتوّ الذي هو الطغيان فلا موجب لطلب تخفيف أحدهما دون الآخر .

شبه عظامه بالأعواد اليابسة على طريقة المكنية ، وإثباتُ وصف العُتي لها استعارة تخييلية .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا} (8)

قوله تعالى : " قال رب أنى يكون لي غلام " ليس على معنى الإنكار لما أخبر الله تعالى به ، بل على سبيل التعجب من قدرة الله تعالى أن يخرج ولدا من امرأة عاقر وشيخ كبير . وقيل : غير هذا مما تقدم في " آل عمران " {[10793]} بيانه . " وقد بلغت من الكبر عتيا " يعني النهاية في الكبر واليبس والجفاف ، ومثله العُسِيُّ ، قال الأصمعي : عسا الشيء يعسو عسوا وعساء ممدود أي يبس وصلب ، وقد عسا الشيخ يعسو عسيا ولى وكبر مثل عتا ، يقال : عتا الشيخ يعتو عتيا وعتيا كبر وولى ، وعتوت يا فلان تعتو عتوا وعتيا . والأصل عتو لأنه من ذوات الواو ، فأبدلوا من الواو ياء ؛ لأنها أختها وهي أخف منها ، والآيات على الياءات . ومن قال : " عتيا " كره الضمة مع الكسرة والياء ، وقال الشاعر :

إنما يُعْذَرُ الوليد ولا يع *** ذر من كان في الزمان عِتِيًّا

وقرأ ابن عباس " عُسِيًّا " وهو كذلك مصحف أبي . وقرأ يحيي بن وثاب وحمزة والكسائي وحفص " عتيا " بكسر العين وكذلك " جثيا " و " صليا " حيث كن . وضم حفص " بكيا " خاصة ، وكذلك الباقون في الجميع ، وهما لغتان . وقيل : " عتيا " قسيا ، يقال : ملك عات إذا كان قاسي القلب .


[10793]:راجع جـ ص 74 وص 79.