فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا} (8)

{ قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام } أي كيف أو من أين يكون لي غلام ؟ وليس معنى هذا الاستفهام الإنكار ، بل التعجب من قدرة الله وبديع صنعه ، حيث يخرج ولداً من امرأة عاقر وشيخ كبير ، وقد تقدّم الكلام على مثل هذا في آل عمران ، { وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عتيّاً } يقال : عتا الشيخ يعتو عتيا إذا انتهى سنه وكبر ، وشيخ عات إذا صار إلى حال اليبس والجفاف ، والأصل عتوا لأنه من ذوات الواو فأبدلوه ياء لكونها أخفّ ، ومثل ما في الآية قول الشاعر :

إنما يعذر الوليد ولا يع *** ذر من كان في الزمان عتياً

وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وحفص والأعمش { عتياً } بكسر العين ، وقرأ الباقون بضم العين وهما لغتان ، ومحل جملة { وَكَانَتِ امرأتي عَاقِرًا } النصب على الحال من ضمير المتكلم ، ومحل جملة { وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عتيّاً } النصب أيضاً على الحال ، وكلا الجملتين لتأكيد الاستبعاد والتعجب المستفاد من قوله : { أنى يَكُونُ لِي غلام } أي كيف يحصل بيننا ولد الآن ، وقد كانت امرأتي عاقراً لم تلد في شبابها وشبابي وهي الآن عجوز ، وأنا شيخ هرم ؟

/خ11