جواب عن قولهم { لولا يأتينا بآية من ربه } [ طه : 133 ] وما بينهما اعتراض . والمعنى : كل فريق متربص فأنتم تتربصون بالإيمان ، أي تؤخرون الإيمان إلى أن تأتيكم آية من ربّي ، ونحن نتربص أن يأتيكم عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ، وتفرع عليه جملة { فتربصوا . ومادة الفعل المأمور به مستعملة في الدوام بالقرينة ، نحو { يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } [ النساء : 136 ] ، أي فداوموا على تربصكم .
وصيغة الأمر فيه مستعملة في الإنذار ، ويسمى المتاركة ، أي نترككم وتربصَكم لأنا مؤمنون بسوء مصيركم . وفي معناه قوله تعالى : { فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون } [ السجدة : 30 ] . وفي ما يقرب من هذا جاء قوله { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون } [ التوبة : 52 ] .
وتنوين { كلّ تنوين عوض عن المضاف إليه المفهوم من المقام ، كقول الفضل بن عبّاس اللّهَبي :
كلّ له نِية في بُغض صاحبه *** بنعمة الله نقليكم وتقلونا
والتربص : الانتظار . تفعّل من الربْص ، وهو انتظار حصول حدث من خير أو شرّ ، وقد تقدّم في سورة براءة .
وفرع على المتاركة إعلامهم بأنهم يعلمون في المستقبل مَن مِن الفريقين أصحاب الصراط المستقيم ومن هم المهتدون . وهذا تعريض بأن المؤمنين هم أصحاب الصراط المستقيم المهتدون ، لأنّ مثل هذا الكلام لا يقوله في مقام المحاجّة والمتاركة إلا الموقن بأنه المحق . وفِعل ( تعلمون ) معلق عن العمل لوجود الاستفهام .
والصراط : الطريق . وهو مستعار هنا للدّين والاعتقاد ، كقوله { اهدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة : 6 ] .
والسوي : فعيل بمعنى مفعول ، أي الصراط المسَوّى ، وهو مشتق من التسوية .
والمعنى : يحتمل أنهم يعلمون ذلك في الدنيا عند انتشار الإسلام وانتصار المسلمين ، فيكون الذين يعلمون ذلك مَن يبقى من الكفار المخاطبين حين نزول الآية سواء ممن لم يسلموا مثل أبي جهل ، وصناديد المشركين الذين شاهدوا نصر الدين يوم بَدر ، أو من أسلموا مثل أبي سفيان ، وخالد بن الوليد . ومن شاهدوا عزّة الإسلام . ويحتمل أنهم يعلمون ذلك في الآخرة عِلم اليقين .
وقد جاءت خاتمة هذه السورة كأبلغ خواتم الكلام لإيذانها بانتهاء المحاجَة وانطواء بساط المقارعة .
ومن محاسنها : أن فيها شبيه رد العجز على الصدر لأنّها تنظر إلى فاتحة السورة . وهي قوله { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى } [ طه : 2 ] ، لأن الخاتمة تدل على أنه قد بلّغ كل ما بعث به من الإرشاد والاستدلال ، فإذا لم يهتدوا به فكفاه انثلاجَ صدره أنه أدى الرسالة والتذكرة فلم يكونوا من أهل الخشية فتركهم وضلالهم حتى يتبين لهم أنه الحق .
قوله تعالى : " قل كل متربص " أي قل لهم يا محمد كل متربص ، أي كل المؤمنين الكافرين منتظرين دوائر الزمان ولمن يكون النصر . " فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى " يريد الدين المستقيم والهدى ، والمعنى فستعلمون بالنصر من اهتدى إلى دين الحق . وقيل : فستعلمون يوم القيامة من اهتدى إلى طريق الجنة . وفي هذا ضرب من الوعيد والتخويف والتهديد ختم به السورة . وقرئ " فسوف تعلمون " . قال أبو رافع : حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكره الزمخشري . و " من " في موضع رفع عند الزجاج . وقال الفراء : يجوز أن يكون في موضع نصب مثل " والله يعلم المفسد من المصلح{[11210]} " . قال أبو إسحاق : هذا خطأ ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، و " من " ها هنا استفهام في موضع رفع بالابتداء ، والمعنى : فستعلمون أصحاب الصراط السوي نحن أم أنتم ؟ . قال النحاس : والفراء يذهب إلى أن معنى " من أصحاب الصراط السوي " من لم يضل وإلى أن معنى " ومن اهتدى " من ضل ثم اهتدى . وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري " فسيعلمون من أصحاب الصراط السوي " بتشديد الواو بعدها ألف التأنيث على فعلى بغير همزة ، وتأنيث الصراط شاذ قليل ، قال الله وتعالى : " اهدنا الصراط المستقيم{[11211]} " [ الفاتحة : 6 ] فجاء مذكرا في هذا وفي غيره ، وقد رد هذا أبو حاتم قال : إن كان من السوء وجب أن يقال السوءى ، وإن كان من السواء وجب أن يقال : السيا بكسر السين والأصل السويا . قال الزمخشري : وقرئ " السواء " بمعنى الوسط والعدل ، أو المستوي . النحاس وجواز قراءة يحيى بن يعمر والجحدري أن يكون الأصل " السوءى " والساكن ليس بحاجز حصين ، فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها واوا كما يبدل منها ألف إذا انفتح ما قبلها . تمت والحمد لله وحده .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.