التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ} (132)

ذِكر الأهل هنا مقابل لذِكر الأزواج في قوله { إلى ما متعنا به أزواجاً منهم } [ طه : 131 ] فإن من أهل الرجل أزواجَه ، أي مِتْعَتُك ومتعةُ أهلك الصلاةُ فلا تلفتوا إلى زَخَارف الدنيا . وأهل الرجل يكونون أمثل من ينتمون إليه .

ومن آثار العمل بهذه الآية في السنّة ما في « صحيح البخاري » : أن فاطمة رضي الله عنها بلغها أن سبياً جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتت تشتكي إليه ما تلقى من الرحى تسأله خادماً من السبي فلم تجده . فأخبرت عائشةُ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءَها النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخذت وعليّ مضجعَهما فجلس في جانب الفراش وقال لها ولِعَليّ : " ألا أُخبِركُما بخير لكما مما سألتما تسبّحان وتحمدان وتكبران دُبر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين فذلك خير لكما من خادم "

وأمَر الله رسوله بما هو أعظم مما يأمر به أهله وهو أن يصْطبر على الصلاة . والاصطبار : الانحباس ، مطاوع صبره ، إذا حبسه ، وهو مستعمل مجازاً في إكثاره من الصلاة في النوافل . قال تعالى : { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً } [ المزمل : 1 ] الآيات ، وقال { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } [ الإسراء : 79 ] .

وجملة { لا نسألك رزقاً } معترضة بين التي قبلها وبين جملة { نحن نرزقك } جعلت تمهيداً لهاته الأخيرة .

والسؤال : الطلب التكليفي ، أي ما كلفناك إلاّ بالعبادة ، لأنّ العبادة شكر لله على ما تفضل به على الخلق ولا يطلب الله منهم جزاءً آخر . وهذا إبطال لما تعوده الناس من دفع الجبايات والخراج للملوك وقادة القبائل والجيوش . وفي هذا المعنى قوله تعالى : { وما خلفت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } [ الذاريات : 56 58 ] ، فجملة { نحن نرزقك } مبيّنة لجملة { ورزق ربك خير وأبقى } [ طه : 131 ] . والمعنى : أنّ رزق ربّك خير وهو مسوق إليك .

والمقصود من هذا الخطاب ابتداءً هو النبي صلى الله عليه وسلم ويشمل أهلَه والمؤمنين لأنّ المعلّل به هذه الجملة مشترك في حكمه جميع المسلمين .

وجملة { والعاقبة للتقوى } عطف على جملة { لا نسألك رزقاً } المعلّل بها أمره بالاصطبار للصلاة ، أي إنا سألناك التقوى والعاقبة .

وحقيقة العاقبة : أنها كل ما يعقب أمراً ويقع في آخره من خير وشر ، إلا أنها غلب استعمالها في أمور الخير . فالمعنى : أنّ التقوى تجيء في نهايتها عواقب خير .

واللام للملك تحقيقاً لإرادة الخير من العاقبة لأنّ شأن لام الملك أن تدل على نوال الأمر المرغوب ، وإنما يطرد ذلك في عاقبة خير الآخرة . وقد تكون العاقبة في خير الدنيا أيضاً للتقوى .

وهذه الجملة تذييل لما فيها من معنى العموم ، أي لا تكون العاقبة إلا للتقوى . فهذه الجملة أرسلت مجرى المثل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ} (132)

قوله تعالى : " وأمر أهلك بالصلاة " أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم ، ويصطبر عليها ويلازمها . وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في عمومه جميع أمته ، وأهل بيته على التخصيص . وكان عليه السلام بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعلي رضوان الله عليهما فيقول " الصلاة " . ويروى أن عروة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزل فدخله ، وهو يقرأ " ولا تمدن عينك " الآية إلى قوله : " وأبقى " ثم ينادي بالصلاة الصلاة يرحمكم الله ، ويصلي . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية .

قوله تعالى : " لا نسألك رزقا " أي لا نسألك أن ترزق نفسك وإياهم ، وتشتغل عن الصلاة بسبب الرزق ، بل نحن نتكفل برزقك وإياهم ، فكان عليه السلام إذا نزل بأهله ضيق أمرهم بالصلاة . وقد قال الله تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق " {[11209]} [ الذاريات 56 ] . " والعاقبة للتقوى " أي الجنة لأهل التقوى ، يعني العاقبة المحمودة . وقد تكون لغير التقوى عاقبة ولكنها مذمومة فهي كالمعدومة .


[11209]:راجع جـ 17 ص 55.