{ وجاهدوا فِى الله حَقَّ جهاده }
الجهاد بصيغة المفاعلة حقيقة عرفية في قتال أعداء المسلمين في الدّين لأجل إعلاء كلمة الإسلام أو للدفع عنه كما فسرّه النبي صلى الله عليه وسلم « من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله » . وأن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين قفل من غزوة تبوك قال لأصحابه : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » وفسّره لهم بمجاهدة العبد هواه ، فذلك محمول على المشاكلة بإطلاق الجهاد على منع داعي النفس إلى المعصية .
ومعنى ( في ) التعليل ، أي لأجل الله ، أي لأجل نصر دينه كقول النبي صلى الله عليه وسلم « دخلت امرأة النارَ في هِرّة » أي لأجل هِرة ، أي لعمل يتعلق بهرّة كما بيّنه بقوله : « حَبَسَتْها لا هِيَ أطعمتها ولا هي أرسلتها ترمم من خشاش الأرض حتى ماتت هزلاً » . وانتصب { حق جهاده } على المفعول المطلق المبيّن للنوع ، وأضيفت الصفة إلى الموصوف ، وأصله : جهادَه الحقّ ، وإضافة جهاد إلى ضمير الجلالة لأدنى ملابسة ، أي حق الجهاد لأجله ، وقرينة المراد تقدّم حرف ( في ) كقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } [ آل عمران : 102 ] .
والحق بمعنى الخالص ، أي الجهاد الذي لا يشوبه تقصير .
والآية أمر بالجهاد ، ولعَلّها أول آية جاءت في الأمر بالجهاد لأنّ السورة بعضها مكي وبعضها مدنيّ ولأنه تقدم آنفاً قوله : { ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله } [ الحج : 60 ] ، فهذا الآن أمر بالأخذ في وسائل النصر ، فالآية نزلت قبل وقعة بدر لا محالة .
{ هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ وَفِى هذا لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس }
جملة { هو اجتباكم } إن حملت على أنها واقعة موقع العلة لما أمروا به ابتداء من قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } [ الحج : 77 ] الخ ، أي لأنه لما اجتباكم ، كان حقيقاً بالشكر له بتلك الخصال المأمور بها .
والاجتباء : الاصطفاء والاختبار ، أي هو اختاركم لتلقي دينه ونشره ونصره على معانديه . فيظهر أن هذا موجّه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصالة ويشركهم فيه كل من جاء بعدهم بحكم اتّحاد الوصف في الأجيال كما هو الشأن في مخاطبات التشريع .
وإن حمل قوله { هو اجتباكم } على معنى التفضيل على الأمم كان ملحوظاً فيه تفضيل مجموع الأمة على مجموع الأمم السابقة الراجع إلى تفضيل كل طبقة من هذه الأمة على الطبقة المماثلة لها من الأمم السالفة .
وقد تقدم مثل هذين المحملين في قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } [ آل عمران : 110 ] .
وأعقب ذلك بتفضيل هذا الدّين المستتبع تفضيل أهله بأن جعله ديناً لا حرج فيه لأنّ ذلك يسهل العمل به مع حصول مقصد الشريعة من العمل فيسعد أهله بسهولة امتثاله ، وقد امتنّ الله تعالى بهذا المعنى في آيات كثيرة من القرآن ، منها قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ] . ووصفهِ الدين بالحنيف ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم « بُعِثت بالحنيفيّة السّمحة » . والحرج : الضيق ، أطلق على عسر الأفعال تشبيهاً للمعقول بالمحسوس ثمّ شاع ذلك حتى صار حقيقة عُرفية كما هنا .
والمِلّة : الدين والشريعة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً } في [ سورة النحل : 123 ] . وقوله : { واتبعت ملة آباءي } في [ سورة يوسف : 38 ] .
وقوله { ملة أبيكم إبراهيم } زيادة في التنويه بهذا الدّين وتحْضيض على الأخذ به بأنه اختص بأنه دين جاء به رسولان إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم وهذا لم يستتب لدين آخر ، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم « أنا دعوة أبي إبراهيم » أي بقوله : { ربّنا وابْعَث فيهم رسولاً منهم } [ البقرة : 129 ] ، وإذ قد كان هذا هو المقصود فمحمل الكلام أنّ هذا الدّين دين إبراهيم ، أي أنّ الإسلام احتوى على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام . ومعلوم أن للإسلام أحكاماً كثيرة ولكنه اشتمل على ما لم يشتمل عليه غيره من الشرائع الأخرى من دين إبراهيم ، جعل كأنه عين ملّة إبراهيم ، فعلى هذا الاعتبار يكون انتصاب { ملة أبيكم إبراهيم } على الحال من { الدّين } باعتبار أن الإسلام حوى ملّة إبراهيم .
ثم إن كان الخطاب موجّهاً إلى الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم فإضافة أبوة إبراهيم إليهم باعتبار غالب الأمة ، لأنّ غالب الأمة يومئذ من العرب المُضَرية وأمّا الأنصار فإن نسبهم لا ينتمي إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنّهم من العرب القحطانيين ؛ على أن أكثرهم كانت لإبراهيم عليهم ولادة من قِبل الأمهات .
وإن كان الخطاب لعموم المسلمين كانت إضافة أبوة إبراهيم لهم على معنى التشبيه في الحُرمة واستحقاق التعظيم كقوله تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] ، ولأنه أبو النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد له مقام الأبوة للمسلمين وقد قرىء قوله تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] بزيادة وهو أبوهم .
ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم على طريقة التعظيم كأنه قال : ملّة أبيك إبراهيم .
والضمير في { هو سماكم المسلمين } عائد إلى الجلالة كضمير { هو اجتباكم } فتكون الجملة استئنافاً ثانياً ، أي هو اجتباكم وخصّكم بهذا الاسم الجليل فلم يعطه غيركم ولا يعود إلى إبراهيم .
و { قبْلُ } إذا بني على الضم كان على تقدير مضاف إليه منوي بمعناه دون لفظه .
والاسم الذي أضيف إليه { قبلُ } محذوف ، وبني { قبلُ } على الضم إشعاراً بالمضاف إليه . والتقدير : من قبل القرآن . والقرينة قوله { وفي هذا } ، أي وفي هذا القرآن .
والإشارة في قوله { وفي هذا } إلى القرآن كما في قوله تعالى : { ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين } [ الأحقاف : 4 ] ، أي وسماكم المسلمين في القرآن . وذلك في نحو قوله : { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } [ آل عمران : 64 ] وقوله : { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } [ الزمر : 12 ] .
واللاّم في قوله { ليكون الرسول شهيداً عليكم } يتعلّق بقوله { اركعوا واسجدوا } [ الحج : 77 ] أو بقوله { اجتباكم } أي ليكون الرسول ، أي محمد عليه الصلاة والسلام شهيداً على الأمة الإسلامية بأنها آمنت به ، وتكون الأمة الإسلامية شاهدة على النّاس ، أي على الأمم بأن رسلهم بلغوهم الدعوة فكفر بهم الكافرون . ومن جملة الناس القوم الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم .
وقدمت شهادة الرسول للأمة هنا ، وقدمت شهادة الأمة في آية [ البقرة : 143 ] { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } لأن آية هذه السورة في مقام التنويه بالدّين الذي جاء به الرسول . فالرسول هنا أسبق إلى الحضور فكان ذكر شهادته أهم ، وآية البقرة صُدّرت بالثناء على الأمّة فكان ذكر شهادة الأمة أهمّ . { فَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة واعتصموا بالله هُوَ مولاكم فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير }
تفريع على جملة { هو اجتباكم } وما بعدها ، أي فاشكروا الله بالدوام على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله .
والاعتصام : افتعال من العَصْم ، وهو المنع من الضُرّ والنجاةُ ، قال تعالى : { قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله } [ هود : 43 ] ، وقال النابغة :
يظل من خوفه الملاحُ مُعتصماً *** بالخيزرانة بعد الأيْن والنجد
والمعنى : اجعلوا الله ملجأكم ومنجاكم .
وجملة { هو مولاكم } مستأنفة معلّلة للأمر بالاعتصام بالله لأنّ المولى يُعتصم به ويُرجع إليه لعظيم قدرته وبديع حكمته .
والمولى : السيد الذي يراعي صلاح عبده .
وفرع عليه إنشاء الثناء على الله بأنه أحسن مولى وأحسن نصير . أي نِعم المدبر لشؤونكم ، ونِعم الناصر لكم . ونصير : صيغة مبالغة في النصر ، أي نِعم المولى لكم ونِعم النصير لكم . وأما الكافرون فلا يتولاّهم تولي العناية ولا ينصرهم .
وهذا الإنشاء يتضمّن تحقيق حسن ولايَة الله تعالى وحسن نصره . وبذلك الاعتبار حسن تفريعه على الأمر بالاعتصام به .
قوله تعالى : " وجاهدوا في الله حق جهاده " قيل : عنى به جهاد الكفار . وقيل : هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به ، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه ، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى ، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته ، والظلمة في رد ظلمهم ، والكافرين في رد كفرهم . قال ابن عطية : وقال مقاتل : وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى : " فاتقوا الله ما استطعتم " {[11599]} [ التغابن : 16 ] . وكذا قال هبة الله : إن قول " حق جهاده " وقوله في الآية الأخرى . " حق تقاته " {[11600]}[ آل عمران : 102 ] منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر . ولا حاجة إلى تقدير النسخ ، فإن هذا هو المراد من أول الحكم ؛ لأن " حق جهاده " ما ارتفع عنه الحرج . وقد روى سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خير دينكم أيسره ) . وقال أبو جعفر النحاس . وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ ، لأنه واجب على الإنسان ، كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل ) . وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الجهاد أفضل ؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه ، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه ، ثم سأله عند جمرة العقبة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين السائل ؟ فقال : أنا ذا ، فقال عليه السلام : ( كلمة عدل عند سلطان جائر ) .
قوله تعالى : " هو اجتباكم " أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره ، وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة ، أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله اختاركم له .
الأولى-قوله تعالى : " من حرج " أي من ضيق . وقد تقدم في " الأنعام " {[11601]} . وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام ، وهي مما خص الله بها هذه الأمة . روى معمر عن قتادة قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي : كان يقال للنبي اذهب فلا حرج عليك ، وقيل لهذه الأمة : " وما جعل عليكم في الدين من حرج " . والنبي شهيد على أمته ، وقيل لهذه الأمة : " لتكونوا شهداء على الناس " . ويقال للنبي : سل تعطه ، وقيل لهذه الأمة : " ادعوني أستجب لكم " {[11602]} . الثانية-واختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله تعالى ، فقال عكرمة : هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع ، وما ملكت يمينك . وقيل : المراد قصر الصلاة ، والإفطار للمسافر ، وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره ، وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه ، والغريم ومن له والدان ، وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل . وقد مضى تفصيل أكثر هذه الأشياء{[11603]} . وروي عن ابن عباس والحسن البصري ( أن هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم ، فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم ) ، على خلاف فيه بيناه في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس رضي الله عنه . وما ذكرناه هو الصحيح في الباب . وكذلك الفطر والأضحى ؛ لما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ) . خرجه أبو داود والدارقطني ، ولفظه ما ذكرناه . والمعنى : باجتهادكم من غير حرج يلحقكم . وقد روى الأئمة أنه عليه السلام سئل يوم النحر عن أشياء ، فما يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها : ( افعل ولا حرج ) .
الثالثة-قال العلماء : رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع ، وأما السَّلاَّبَة والسُّرَّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج ، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين ، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله تعالى ، ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج .
قوله تعالى : " ملة أبيكم " قال الزجاج : المعنى اتبعوا ملة أبيكم . الفراء : انتصب على تقدير حذف الكاف ، كأنه قال كملة . وقيل : المعنى وافعلوا الخير فعل أبيكم ، فأقام الفعل مقام الملة . وإبراهيم هو أبو العرب قاطبة . وقيل : الخطاب لجميع المسلمين ، وإن لم يكن الكل من ولده ؛ لأن حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد . " هو سماكم المسلمين من قبل " قال ابن زيد والحسن : " هو " راجع إلى إبراهيم ، والمعنى : هو سماكم المسلمين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم . " وفي هذا " أي وفي حكمه أن من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فهو مسلم . قال ابن زيد : وهو معنى قوله : " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " {[11604]}[ البقرة : 128 ] . قال النحاس : وهذا القول مخالف لقول عظماء{[11605]} الأمة . روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : ( سماكم الله عز وجل المسلمين من قبل ، أي في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن ) ، قاله مجاهد وغيره .
" ليكون الرسول شهيدا عليكم " أي بتبليغه إياكم . " وتكونوا شهداء على الناس " أن رسلهم قد بلغتهم ، كما تقدم في " البقرة " {[11606]} . " فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير " تقدم مستوفى والحمد لله [ رب العالمين ]{[11607]} .