التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا} (53)

عود إلى الاستدلال على تفرده تعالى بالخلق . جمعت هذه الآية استدلالاً وتمثيلاً وتثبيتاً ووعداً ؛ فصريحُها استدلال على شيء عظيم من آثار القدرة الإلهية وهو التقاء الأنهار والأبحر كما سيأتي ، وفي ضمنها تمثيل لحال دعوة الإسلام في مكة يومئذ واختلاط المؤمنين مع المشركين بحال تجاوز البحرين : أحدهما عذب فرات والآخر ملح أُجاج . وتمثيلُ الإيمان بالعذْب الفرات والشرك بالملْح الأُجاج ، وأن الله تعالى كما جعل بين البحرين برزخاً يحفظ العَذْب من أن يكدره الأُجاج ، كذلك حجز بين المسلمين والمشركين فلا يستطيع المشركون أن يدسّوا كفرهم بين المسلمين . وفي هذا تثبيت للمسلمين بأن الله يحجز عنهم ضر المشركين لقوله : { لن يضروكم إلا أذى } [ آل عمران : 111 ] . وفي ذلك تعريض كنائي بأن الله ناصر لهذا الدين من أن يكدره الشرك .

ولأجل ما فيها من التمثيل والتثبيت والوعد كان لموقعها عَقِب جملة { فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً } [ الفرقان : 52 ] أكملُ حسن . وهي معطوفة على جملة { وهو الذي أرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته } [ الفرقان : 48 ] . ومناسبة وقوعها عقب التي قبلها أن كلتيهما استدلال بآثار القدرة في تكوين المياه المختلفة . ومفاد القصر هنا نظير ما تقدم في الآيتين السابقتين .

والمرج : الخلط . واستعير هنا لشدة المجاورة ، والقرينة قوله : { وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً } . والبحر : الماء المستبحر ، أي الكثير العظيم . والعذب : الحلو . والفرات : شديد الحلاوة . والمِلح بكسر الميم وصف به بمعنى المالح ، ولا يقال في الفصيح إلا مِلح وأما مَالح فقليل . وأريد هنا ملتقى ماء نهرَي الفرات والدجلة مع ماء بَحر خليج العجم .

والبرزخ : الحائل بين شيئين . والمراد بالبرزخ تشبيه ما في تركيب الماء الملح مما يدفع تخلل الماء العذْب فيه بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر ويبقى كلاهما حافظاً لطعمه عند المصبّ .

و { حِجْرا } مصدر منصوب على المفعولية به لأنه معطوف على مفعول { جعل } . وليس هنا مستعملاً في التعوذ كالذي تقدم آنفاً في قوله تعالى { ويقولون حِجْراً محجوراً } [ الفرقان : 22 ] . و { محجوراً } وصف ل { حجراً } مشتق من مادته للدلالة على تمكن المعنى المشتق منه كما قالوا : ليل ألْيَل . وقد تقدم في هذه السورة . ووقع في « الكشاف » تكلف بجعل { حجراً محجوراً } هنا بمعنى التعوّذ كالذي في قوله { ويقولون حجراً محجوراً } [ الفرقان : 22 ] ولا داعي إلى ذلك لأن ما ذكروه من استعمال { حجراً محجوراً } في التعوذ لا يقتضي أنه لا يستعمل إلا كذلك .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا} (53)

قوله تعالى : " وهو الذي مرج البحرين " عاد الكلام إلى ذكر النعم . و( مرج ) خلى وخلط وأرسل . قال مجاهد : أرسلهما وأفاض أحدهما في الآخر . قال ابن عرفة : " مرج البحرين " أي خلطهما فهما يلتقيان ، يقال : مرجته إذا خلطته . ومرج الدين والأمر اختلط واضطرب ، ومنه قوله تعالى : " في أمر مريج " [ ق : 5 ] . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاصي{[12154]} : ( إذا رأيت الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وهكذا ) وشبك بين أصابعه فقلت له : كيف أصنع عند ذلك ، جعلني الله فداك ! قال : ( الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ بما تعرف ودع ما تنكر وعليك بخاصة أمر نفسك ودع عنك أمر العامة ) خرجه النسائي وأبو داود وغيرهما . وقال الأزهري : " مرج البحرين " خلى بينهما ؛ يقال مرجت الدابة إذا خليتها ترعى . وقال ثعلب : المرج الإجراء ، فقوله : " مرج البحرين " أي أجراهما . وقال الأخفش : يقول قوم أمرج البحرين مثل مرج فعل وأفعل . " هذا عذب فرات " أي حلو شديد العذوبة . " وهذا ملح أجاج " أي فيه ملوحة ومرارة . وروي عن طلحة أنه قرئ : " وهذا ملح " بفتح الميم وكسر اللام . " وجعل بينهما برزخا " أي حاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما على صاحبه ؛ كما قال في سورة الرحمن " مرج البحرين يلتقيان . بينهما برزخ لا يبغيان " [ الرحمن : 19 - 20 ] . " وحجرا محجورا " أي سترا مستورا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر . فالبرزخ الحاجز ، والحجر المانع . وقال الحسن : يعني بحر فارس وبحر الروم . وقال ابن عباس وابن جبير : يعني بحر السماء وبحر الأرض . قال ابن عباس : يلتقيان في كل عام وبينهما برزخ قضاء من قضائه . " وحجرا محجورا " حراما محرما أن يعذب هذا الملح بالعذب ، أو يصلح هذا العذب بالملح .


[12154]:الحديث في الفتنة.